أحمد مجدي يكتب: الهانئ الراضي .. الفتى الذي ابتكر هتاف “يسقط حكم المرشد”

128

يقولون ان لكل من اسمه نصيب، لكن الفتى الذي ولد ليكون متميزًا اسمته أمه هاني، ليكون عوضًا لها عن ابن كان قد مات صبيًا، ولأنه تربى على يد مناضل عتيد من مناضلي عمال مصر وقياداتهم الشرفاء وهو العم سيد عبد الراضي القيادي بنقابة عمال الحديد والصلب، تلك القلعة الصناعية التي خسرها الوطن بليل، لم يكن كذلك بالمعنى نفسه، نشأ هاني ليكون المشروع الحصري لأكمال نضال أبيه، بل وامتدت أدوار الفتى الصغير ليكون معلمًا لرفاقه وأصدقائه دعمًا لما حاول والده أن يفعله، فكان يتعلم النضال من أبيه، وينقله لرفاقه، يفتح النقاشات، ويوزع الكتب، ويطرح الأمور التي كانت تسبق سنه وسننا، لأن ما فعله وفعلناه كان أمرًا لا يفعله الأطفال والمراهقين، لم يكن هانئًا أو راضيًا، فقد كان مناضلًا شابًا لم تشغله أمور الأطفال بالقدر الذي حصل عليه أبناء جيله، ولم يكن راضيًا عن اوضاع وطنه، فحلم بتغيير الأوضاع لصالح الطبقات الشعبية الكادحة لينعدل ميزان العدالة الاجتماعية الذي مال طويلًا.

منذ أن كان هاني تلميذًا، قرر أن يجتهد ليتميز، وبسبب تميزه، حصل على منحة من الولايات المتحدة الأمريكية لاستكمال دراسته الثانوية هناك إلا أن والدته رفضت ان يبعد ولدها الوحيد عنها، فأكمل دراسته ليلتحق بكلية الآداب قسم لغة عربية، وتخرج ليعمل صحفيًا نابهًا سخر قلمه ليخدم قضيته وقضايا الناس، ولأن العم “عبد الراضي” كان يتبع مع أطفال العائلة نهجًا تنويريًا وتربويًا أرسلنا جميعًا منذ الطفولة لنكون من طلائع حزب التجمع، تلك المنارة التي أفنى عمره فيها دفاعًا عن العمال وحقوقهم، وكان هاني بمثابة الفتى الذهبي بيننا فهو كان أكثرنا اطلاعًا وأجرأ من فينا في طرح التساؤلات، بل كان يسعى بجهد أن يكون منظمًا في صفوف اتحاد الشباب التقدمي وهو الجناح الشبابي للحزب، فكان يحدثنا كثيرًا على ضرورة العمل التنظيمي بديلًا عن الفردانية، وهو ما شجعنا على الانتظام والتنظيم في صفوف شباب الحزب، لتبدأ صفحة جديدة في حياة مجموعة من الأطفال والمراهقين حصلوا على الاحتضان والدعم من قيادات يسارية عظيمة، وايقونات مصرية خالدة، أخطأ الفتية فتعلموا، ثاروا تارة ودرسوا الأمور بهدوء تارة أخرى، وعلى عكس الكثيرين من أبناء جيلهم تشكل وعي هاني ورفاقه في القضايا العامة والأمور السياسية واتفق الجميع على هدف واحد وهو مصر التي في أحلامهم.

ولأن أهل مصر كانوا قد عانوا الكثير في عصور التهميش والفقر، ووسط مجتمع يشكل غالبيته الشباب ومع دخول عصر جديد من الإعلام غير النمطي الحكومي، وثورة تكنولوجيا المعلومات ومواقع التواصل الاجتماعي لم تطل الفترة لتنفجر الأوضاع في يناير 2011، فوجد هاني الذي كان قد أختار منذ طفولته جانبه من النضال نفسه قائدًا شبابيًا شكله الوعي واختارته الفطرة ليقود آخرين لتحقيق حلم جيل بأكمله، وبينما الأحداث تتصاعد وتتغير بسرعة، أصبح مطلوبًا من الجميع النضال والتفاعل مع الأحداث وتشكيل وعي جديد في الوقت نفسه، الى ان وجد الوطن نفسه مهددًا بالانهيار والعودة إلى عصور كانت البشرية قد تخطتها وهي عصور الظلام على يد جماعات الإرهاب الأسود، وجماعات الشر ممن سموا أنفسهم منذ زمن بالإخوان المسلمين، فوجد المناضل الشاب نفسه ربما بتخطيط منه وربما من قبيل الصدفة الممزوجة بالوجدان الوطني يهتف قائلًا: تحيا مصر وهي الجملة نفسها التي كان يفتتح بصوته الجسور هتافاته دائمًا بها ليتبعها بهتاف “يسقط حكم المرشد”، فكان أول من ابتكر الهتاف وتبعناه ثم في غضون ايام تبعنا أهل مصر المخلصين جميعهم، ولأن حزب التجمع كان القوى الوطنية الأولى التي كسرت حالة الصمت والجمود بل والخوف من جماعات الإرهاب فكانت التظاهرة الأولى في مصر ضد الإخوان في وقت كان الآخرين يتحدثون عن اعطاء الإخوان فرصة والانتظار مائة يوم لا نعرف ماذا كان سيتغير في هذه المائة يوم الى الان فكان الهتاف صادرًا من بيت اليسار المصري بصوت أحد أنجب قياداته الشبابية “يسقط حكم المرشد” .

لم يهدأ الفتى الذهبي ولم يهنئ أو يرضى إلا بعد ان أزاح الشعب المصري جماعة الشر من المشهد وأعادهم لجحورهم التي ألفوها، لتكتب مصر تاريخًا يليق بها وبعظمتها حيث لم يكن ليليق بتاريخ هذه الأمة أن يكتب به أن حاكمًا اخوانيًا قد أطال حكمه بها وأعادها لعصور الظلام.

كان هاني وسط حياته الصاخبة قد اختار لنفسه أن يأنث برفيقة عمر، وينجب من يكمل مسيرته، فجاءت الفريدة ابنته الى الحياة فأحبها كما لم يعرف الحب من قبل واكتشف جوانب أخرى من الحياة وهي تحمل مسئولية اسرة، إلا انه وعلى حين غرة قرر ان يرحل ويترك وراءه كل شيء، إلا أن أكبر ما تركه كان ابنته فريدة، وهتاف لن ينساه التاريخ، وذكريات لا يكررها الزمن بيني وبينه فهو كان بمثابة الابن والأخ والصديق والمعلم ولم تعد الحياة بدونه كما كانت ابدًا.

في 28 مارس ذكرى ميلاد الفتى هاني عبدالراضي ال ٣٣، صاحب أشهر هتاف في تاريخ مصر الحديث، نرسل تحياتنا لروح استثنائية الهمتنا وعلمتنا حب الوطن، والانحياز التام غير المشروط لشعبنا وفقرائه.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy