30 يونيو 1948 .. العالم يدخل عصر الترانزستور!

456

كان من المستحيل على البشرية، أن تبلغ عصر المعلومات كما نعرفه الآن، بدون اختراع الترانزستور قبل 74 سنة. والترانزستور عبارة عن أداة مصنوعة من مواد أشباه الموصلات “Semiconductors” وتستخدم فى تكبير وتبديل الإشارات الإلكترونية، والقدرة الكهربية. والترانزستور هو اللبنة الأساسية للأجهزة الإلكترونية الحديثة، وموجود بأعداد كبيرة فى النظم الإلكترونية الحديثة.

يعتبر معظم الباحثين والمحللين ومؤرخى تاريخ العلوم، أن الترانزستور هو أهم اختراعات القرن العشرين، فقد كان اختراعه إيذانا بولادة عصر المعلومات. وكما كانت “العجلة” هى أداة التطور الثورى فى مجال النقل والمواصلات، فإن الترانزستور هو الأداة الحاكمة الواسعة الانتشار فى مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات. وبدون الترانزستور ما كان لأشياء كثيرة أن توجد فى حياتنا المعاصرة مثل سفن الفضاء، والأقمار الصناعية، والحاسبات الشخصية، ومعظم نظم الاتصالات الحديثة بما فيها الإنترنت، والتليفون المحمول، وكل الأجهزة الإلكترونية الحديثة.

يرجع الفضل فى هذا التطور، إلى التقدم الكبير الذى تحقق فى مجال تكنولوجيا أشباه الموصلات، لتطوير أداة عملية تحل محل الصمامات المفرغة ذات الاستهلاك الكبير للطاقة الكهربية، والحيز الذى يشغله الترانزستور فى الدوائر الإلكترونية حاليا أصغر ألف مرة من سمك شعرة الرأس.

ولكى نتعرف على الدور الكبير للترانزستور فى حياتنا المعاصرة، علينا أن نتخيل جهاز التليفون المحمول فى حالة تنفيذه باستخدام الصمامات المفرغة بدلا من الدوائر الإلكترونية، حجم هذا التليفون التخيلى سيكون فى حجم المسلة الفرعونية التى تتوسط ساحة الكونكورد فى العاصمة الفرنسية باريس، مع الحاجة إلى جهاز تبريد ضخم فى حجم مبنى مجمع التحرير لتبديد الحرارة الناتجة عنه.

أعلنت معامل بل “Bill Labs” الذراع البحثي لشركة “AT & T” عن اختراع الترانزستور فى 23 ديسمبر عام 1947، بواسطة ثلاثة من علماء الفيزياء هم: “جون باردين”، و”والتر بارتان”، و “وليام شوكلى”، فأثناء بحثهم التجريبى الدؤوب باستخدام عناصر أشباه الموصلات، قاموا فى إحدى التجارب بغرس شريحتين من الذهب فى قطعة من الجرمانيوم، مع تغذيتها بالطاقة الكهربية، فلاحظوا تكبيرا للإشارة، ثم قاموا باستبدال أحد صمامات تكبير الإشارة فى إحدى الدوائر الإلكترونية بمكبر الجرمانيوم الذى قاموا بتجربته فعملت الدائرة المعدلة بنجاح.

أما من أطلق على المكبر المبتكر اسم “الترانزستور” فهو عالم الاتصالات “جون بيرس”، وتم تسجيل براءة الاختراع، والإعلان عن الابتكار في يونيو 1948، في مؤتمر صحفي بمدينة نيويورك. وقوبل الإعلان عن الاختراع بفتور وعدم اهتمام، وأشارت جريدة “نيويورك تايمز” إلى الاختراع الجديد إشارة عابرة فى عامود أخبار الراديو.

وبالرغم من الاستقبال البارد للترانزستور، فإنه ظل محورا لصناعة مزدهرة تقدر الاستثمارات فيها بتريليونات الدولارات، وقد حصل العلماء الثلاثة على جائزة نوبل فى الفيزياء عام 1956.

 

الدوائر المتكاملة.

خلال عقد الستينيات من القرن العشرين، تطورت الصناعات الإلكترونية تطورا كبيرا، كان من نتائجه إنتاج شرائح إلكترونية تعرف بالدوائر المتكاملة، وتحتوى كل دائرة متكاملة على عدد من الترانزستورات، لتؤدى وظائف معقدة فى الأجهزة الإلكترونية، بل إن العديد من الأجهزة الإلكترونية يحتوى على دائرة متكاملة واحدة، ويعتبر عدد الترانزستورات الموجودة فى الدائرة المتكاملة مقياسا لدرجة تعقيد تصميم وتركيب هذه الدائرة، وكان “جوردن مور” مؤسس شركة “إنتل” قد رصد عدد الترانزستورات بمعالجات إنتل المستخدمة فى الحاسبات الشخصية والتليفون المحمول خلال خمسة عقود، فلاحظ أن عددها يتضاعف كل سنتين تقريبا. وتعرف هذه الملاحظة بـ “قانون مور“، الذى يتجلى بوضوح فى التناقص المستمر فى حجم التليفون المحمول من عام إلى آخر. وفى عام 2016، بلغ عدد الترانزستورات فى الدائرة المتكاملة فى معالج إكسيوم التجارى لشركة إنتل ما يزيد على 7.2 مليار ترانزستور، وفى أنواع أخرى للدوائر المتكاملة مثل المصفوفات القابلة للبرمجة، فإن وحدة ستراتكس 10 لشركة إنتل تحتوى على أكثر من 30 مليار ترانزستور.

 

فضل اختراع الترانزستور على البشرية

يقول بيل جيتس: “إن اختراع الترانزستور فى ديسمبر 1947، كان حدثا فارقا فى ظهور عصر المعلومات، فقد حل الترانزستور محل الصمامات المفرغة كبيرة الحجم، وذات الاستهلاك الكبير للطاقة، وأوجد مفهوم الأجهزة الإلكترونية الشخصية، والبعض منا مازال يذكر درجة الإثارة التى اجتاحت العالم، عندما ظهرت أجهزة الراديو الترانزستور صغيرة الحجم، التى يمكن للشخص حملها والاستماع إلى برامج الإذاعة الإخبارية والموسيقية أينما كان، وتطورت الصناعات الإلكترونية بانتشار الترانزستور عل نطاق واسع باختراع الدوائر المتكاملة خلال عقد الستينيات من القرن الماضى، وبدون اختراع الترانزستور كان من المستحيل وجود الحاسبات الشخصية والتليفونات المحمولة بالصورة المألوفة حاليا”.

ويقول “جون باردين”، عضو الفريق العلمى الذى اخترع الترانزستور: “كنا محظوظين بما فيه الكفاية لأن نشارك فى التقدم خطوة صغيرة على طريق السيطرة على الطبيعة لصالح البشرية جمعاء”.

وقد حصل “باردين” على جائزة نوبل الثانية له فى الفيزياء عام 1972، عن بحوثه فى نظرية التوصيلية الفائقة، وهو العالم الوحيد الذى جمع بين جائزتين لنوبل فى الفيزياء.

 

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy