لقطات
الشخص المناسب والموقع المناسبد.جودة عبدالخالق
الشخص المناسب في الموقع المناسب يعنى توافق وانسجام، يؤدى إلى أداء جيد. وغير ذلك يؤدى إلى غير ذلك.
والتعديلات الأخيرة سواء في الحكومة أو في البنك المركزى تستدعى سؤالا جوهريا: كيف نختار الشخص المناسب للموقع المناسب؟ صار من ألزم اللزوميات أن نطرح هذا السؤال صراحة، وأن نجد آلية لاختيار الشخص المناسب للموقع المناسب. وتحت عنوان “التعديل الوزاري لا يكفى”، كتبت في “لقطات” منذ أسبوعين “… ليس بمجرد التعديلات الوزارية يكون الحل. ولن تتحسن أحوال مصر حتى لو أجرينا ألف تعديل وزارى على شاكلة التعديل الأخير.” واليوم أكتب عن تغيير محافظ البنك المركزى الذى تم منذ أيام.
لا يهم إن كان طارق عامر قد استقال أو أقيل. المهم أن منصب محافظ البنك المركزى قد خلا برحيله. وكان اختياره للمنصب خطأ جسيما، دفعت مصر والمصريون ثمنه من لحم الحى. فالرجل بحكم مؤهلاته وخبرته لم يكن أهلا لهذا المنصب الخطير ابتداء. والثابت أنه حاصل على بكالوريوس الاقتصاد والإدارة من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وتدرج طوال مشواره المهنى في مجال البنوك. ولكن منصب محافظ البنك المركزى يجب أن يشغله اقتصادى بارز يحمل درجة الدكتوراه.
فالبنك المركزى ليس مجرد بنك مثل باقى البنوك، إنما هو بنك البنوك، كونه يقف على قمة الجهاز المصرفي. وهو يقوم بوظائف خطيرة: فله وحده سلطة إصدار البنكنوت، وله وحده سلطة الإشراف على البنوك، ويتولى إدارة النقد والائتمان، وهو بنك الحكومة ومستشارها المالى. وهو الجهة المسئولة عن سلامة النظام النقدى والمصرفى واستقرار الأسعار في إطار السياسة الاقتصادية العامة للدولة. إنه بذلك أخطر وأهم من أى وزارة في الحكومة.
يباشر البنك المركزى جميع الاختصاصات اللازمة لتحقيق أهدافه، وله على الأخص ما يأتي: (أ) إصدار النقد وإدارته وتحديد فئاته ومواصفاته. (ب) وضع السياسة النقدية وتنفيذها، وإصدار الأوراق والأدوات المالية بما يتناسب مع طبيعة أمواله ونشاطه والدخول في عمليات السوق المفتوحة. (ج) وضع نظام وسياسة سعر الصرف الأجنبي وتنفيذها، وتنظيم سوق الصرف الأجنبي ورقابته. (د) الاحتفاظ باحتياطيات الدولة من الذهب والنقد الأجنبي، وإدارتها . (هـ) القيام بدور المستشار والوكيل المالي للحكومة. (ح) حصر ومتابعة المديونية الخارجية على الحكومة والهيئات العامة الخدمية والاقتصادية وشركات القطاع العام وقطاع الأعمال العام والقطاع الخاص. (ط) وضع سياسة إدارة المخاطر الكلية في النظام المصرفي وتنفيذها، وإدارة الأزمات المصرفية، وتسوية أوضاع البنوك المتعثرة . كل ذلك يقتضى أن يكون محافظ البنك المركزى “اقتصادي” من العيار الثقيل.
وطبقا للقانون رقم 194 لسنة 2020 (قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي) يكون محافظ البنك المركزى بدرجة نائب رئيس مجلس الوزراء، ويصدر بتعيينه قرار من رئيس الجمهورية، بعد موافقة مجلس النواب بأغلبية أعضائه، لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد لمرة واحدة. ولضمان استقلالية البنك المركزى، فإن المحافظ غير قابل للعزل، ويكون قبول استقالته بقرار جمهورى. ورغم أن القانون حدد تسعة شروط شكلية يجب توافرها في المحافظ، مثل الجنسية المصرية وحسن السير والسلوك والذمة المالية، إلا أنه سكت عن تحديد عناصر الجدارة والأهلية من مستوى تعليمى عال وتخصص رفيع. وبالتالي حدث أنه بعد استقالة طارق عامر كان اختيار حسن عبدالله قائما بأعمال محافظ البنك، وهو أيضا من العاملين في مجال المال والبنوك ولا يمتلك التأهيل العلمى الرفيع في الاقتصاد. قارن ذلك بالحال في أمريكا مثلا، حيث كان رؤساء بنك الاحتياطى الفيدرالي من كبار الاقتصاديين الأمريكيين، أمثال آلان جرينسبان وبن برنانكى وجانيت ييلين.
وسواء بالنسبة للتعديل الوزاري أو تغيير محافظ البنك المركزى، يجرنا الحديث الى إدارة الاقتصاد المصرى التي أراها في حكم الفريضة الغائبة. نعم، فليس لدينا إدارة للاقتصاد المصرى تستحق الاسم. أولا، فاقتصادنا يدار بالتوجيهات لا بالسياسات. ثانيا، لا توجد جهة واحدة مسئولة عن إدارة اقتصادنا. ولذلك “يضيع دمه بين القبائل”. والمثل يقول “المركب اللى فيها ريسين تغرق”. ثالثا، اقتصادنا لا يعتمد على الاقتصاديين بل على المهندسين والمحاسبين و كَتَبَة الدوبيا.
وهذا لُبُّ مشكلاتنا الاقتصادية كلها: الأسعار والدولار والديون وعجز الموازنة والحماية الاجتماعية والتبعية للخارج. نعم أقولها بكل صراحة تبعية مصر للخارج. فمتى نضع الشخص المناسب في الموقع المناسب؟.

التعليقات متوقفه