محمود دوير يكتب :الثقافة … الوزارة والوزيرة

*بقلم محمود دوير

في 2018 رحبت الأوساط الثقافية والسياسية باختيار الفنانة إيناس عبد الدايم وزيرا للثقافة، وجاء الترحيب لأسباب موضوعية تتعلق بموقفها الواضح الرافض لمحاولات جماعة الإخوان «أخونة الثقافة المصرية» وفى مقدمتها دار الأوبرا التي كانت تديرها عبد الدايم قبيل ثورة 30 يونيو.
وكان موقف وزيرة الثقافة السابقة مثار غضب ودافعا للعداء بين المتشددين وأصحاب مشروع الإسلام السياسي خاصة السلفيين الذين رغم دعمهم العلني لثورة 30 يوليو وخارطة الطريق التي أعلن عنها في 3 يوليو.
إلا أنهم جاهروا برفضهم اختيار إيناس لوزارة الثقافة وتمكنوا من الضغط حتى نجحوا في إعاقة وصولها لمقعد الوزارة في أول حكومة عقب ثورة يونيو خلال حكم الرئيس عدلي منصور بعدما ذهبت كل الترشيحات لها.
وبعد ذلك بعدة أعوام جاءت إيناس لمقعد وزيرة ثقافة مصر لتصبح أول سيدة تتولى المهمة في تاريخ الوزارة التي عرفتها مصر لأول مرة عام 1958 على يد المؤسس وصاحب أهم مشروع ثقافي مصري الدكتور ثروت عكاشة.
بقيت الدكتورة إيناس في مقعدها 4 سنوات تقريبا أجادت في أمور وأخفقت في غيرها وهذا طبيعي.
لكن المؤكد سواء في عهدها أو في عهد من سبقوها من وزراء – خاصة بعد ثورة يناير 2011 – أن المشروع الثقافي الوطني بمفهومه الجامع والمتكامل قد غاب تماما أو ربما غُيب بسبب عوامل خارجة عن إرادة من يجلس على مقعد الوزارة .
حاولت الدكتورة إيناس في ظل ميزانية ضعيفة للوزارة – تنفق جزءا كبيرا منها معظمها على أجور وبدلات ومكافآت كبار الموظفين – لكنها لم تصنع مشروعا طالما طالب به المنشغلون بمستقبل الوطن.
خاصة في إطار مواجهة فكرية تستند إلى خطاب عصري ومستنير وجذاب عبر أدوات الثقافة للأفكار المتطرفة وجاءت المواجهة – من وجهة نظري – موسمية وغير شاملة أو جذرية ولقد كتبت هذا مرارا في فترة تولى الدكتورة مهام عملها وأكدت ثقتي في انحيازها التقدمي وانتصارها لحرية الفكر والإبداع كونها فنانة قبل ان تصبح وزيرة وبالفعل كان لي شخصيا موقف مباشر معها منذ أكثر من عام عندما أثرت وعبرت عن رفضي لتولى سيدة منقبة إدارة قصر ثقافة في محافظة البحيرة وجاءت استجابتها سريعة وحاسمة وداعمة لموقفي رغم ما واجهته من هجوم المتشددين ومدعى التدين إلا أنها انحازت لتراث الثقافة والوعي المصري والتدين الوسطى الذى يعرفه شعبنا طوال تاريخه.
وهذا وقد تركت الدكتورة إيناس عبد الدايم موقعها الوزاري وتم تكليف الدكتورة “نيفين الكيلاني ” عميد المعهد العالي للنقد الفني التابع لأكاديمية الفنون والمتخصصة في فن الباليه وفلسفة الفنون لتصبح بذلك ثاني سيدة تتولى مهام وزارة الثقافة.
جاء اختيار «الكيلاني» خارج الصندوق تماما بل أنه مفاجأة لمعظم المنشغلين بالعمل الثقافي في مصر لكن الأهم هو ماذا تحمل الوزيرة الجديدة في جعبتها في التعامل مع ملفات معقدة وشائكة هي بطبيعتها كذلك لأنها تتعلق بوعى الشعب ووجدانه وحماية تراثه القيمي والحضاري.
وهل تحتاج الوزيرة الجديدة إلى أن نذكر مجددا ضرورة البدء في صياغة مشروع ثقافي وطني شامل بعيدا عن الأداء اليومي والخطوات المفردة والعمل بنظرية القطعة قطعة.
بعد 9 سنوات من ثورة 30 يونيو ما تزال مواجهتنا للأفكار الظلامية أقل من مستوى خطورتها على الوطن ولا تزال أفكار التنوير غريبة وبلا ظهير رسمي أو مؤسَسي فقط تعتمد على جهود فردية ومبادرات شخصية وهذه آفة المشروع المصري منذ عقود وربما هذا سبب من أسباب ضعف تأثيره ونخبويته القاتلة.
ندرك حجم التحديات التي تواجه وزيرة الثقافة وربما التحدي الأكبر هو ضعف الميزانيات وهذا ما يشير إلى بعض ضعف اهتمام بهذا الملف الحيوي والرئيس في أي مشروع تنموي نسعى إليه ولن نتمكن من حصد نتائجه دون أن نُفعل شعار “بناء الإنسان ” عبر أدوات التعليم والصحة والثقافة ومن خلال إعلام راق وواع وموضوعي .. دون هذا التكامل يصبح أي جهد بمثابة نقش في الماء.
التحدي الثاني الذى تواجهه الوزيرة … هو ضرورة إزالة الغبار المتراكم من فوق على بعض مؤسسات الوزارة التي تراجع تأثيرها وخفت بريقها نتيجة تكلس واضح للقيادات.
وهذا ما يدفع إلى التأكيد على أن الوزيرة تحتاج – بعد قراءة هادئة لأوضاع الهيئات والمؤسسات داخل الوزارة – إلى حركة تنقلات في قيادات الوزارة تنعش الروح وتجدد الدماء وتضع كل في مكانه المناسب وفقا لطاقته وحجم عطائه لا وفقا لقربه أو بعده من صانع القرار.
التحدي الثالث وليس الأخير هو العمل بقوة على ضرورة استعادة مكانة مصر الإقليمية في ملف الثقافة – الرسمية – وهنا أعنى المؤسسة لست أعنى نفوذ الفنون والثقافات المصرية في وجدان البلدان العربية والإفريقية فهذا تراث ورثناه يحتاج إلي صيانة ومزيد من العطاء حتى لا يجور عليه غيرنا وهذه مهمة مشتركة بين الثقافة وكافة مؤسسات الدولة لكن تحديد مسارها هو بالأساس مهمة المثقفين والمبدعين.

ومن الضروري أن تبادر وزيرة الثقافة بالنظر سريعا وبمنتهى الدقة إلى عدد من الملفات التي نظنها فارقة في مشروعنا الفكري والثقافي وهى صناعة الكتاب وصناعة السينما وأحوال قصور الثقافة.
تلك الملفات تعانى من أزمات طاحنة وتراجع لافت خاصة ملف دعم صناعة السينما وضعف دور قصور الثقافة ومعوقات النهوض بصناعة الكتاب ووصوله للقارئ المستهدف بأسعار مناسبة ومحتوى يساهم في خلق وعى تقدمي وجاد.
لعل الدكتورة نيفين الكيلاني لو نجحت في تحقيق خطوات في تلك الملفات الثلاثة ستكتب اسمها بحروف مضيئة في تاريخ الثقافة المصرية.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy