روسيا وتركيا على خلفية العملية العسكرية فى أوكرانيا … بعد الغاز
تركيا مركز لتجارة القمح الأوكرانى.. والصقور الروس يرفضون تقديم تنازلات لتركيا
الخلاف مع تركيا يسمح لها بإغلاق المضايق.. سر تراجع موسكو عن وقف تصدير الغلال
حدث لافت أثار انتباه العالم الأسبوع الماضى، عندما تعرض أسطول البحر الأسود الروسى فى القرم لغارة بالمسيرات الأوكرانية، لا يهم ما أسفر عنه الهجوم، وإن كانت بعض المصادر قد أشارت إلى إصابة فرقاطة روسية، الأصل فى الموضوع أن روسيا اتهمت أوكرانيا باستغلال الممر الآمن لعبور المواد الغذائية من ميناء أوديسا إلى دول العالم، وأطلقت طائرة مسيرة من إحدى السفن المحملة بالغلال على أسطول البحر الأسود، واتهمت روسيا كذلك خبراء بريطانيين بالتخطيط للعملية، وهو ما يعنى دخول حرب مع الناتو، حاولا تجنبها على مدار الأزمة الحالية.
جاء رد الفعل الروسى سريعاً، حيث أعلن الرئيس بوتين عن وقف بلاده العمل بالاتفاقية الخاصة بممرات الغذاء الآمنة والتي تضمنها الأمم المتحدة وتركيا، وهو الأمر الذى أثار الذعر فى العالم من جديد خوفاً من أزمة غذاء جديدة سوف تعانى منها دول فقيرة فى أفريقيا وحتى فى الصين، الأمر الذى أزعج الأمم المتحدة وأمينها العام الذى شهد توقيع اتفاق الممر الآمن وكان أحد ضامنيه.
أعلن الرئيس التركى إردوغان أن بلاده هى من ستقوم برفع علمها على السفن المحملة بالحبوب من ميناء أوديسا الأوكرانى وتضمن سلامتها حتى عبورها المضايق، فما كان من روسيا إلا أن عادت للاتفاق من جديد، على اعتبار أن أوكرانيا تعهدت من خلال اتصال تليفونى من وزير الدفاع الروسى شويجو بنظيره التركى أكار، أنها لن تستخدم ممر المواد الغذائية فى أى عمليات عسكرية، غير أن الجانب الأوكرانى نفى أنه أعطى أى تعهدات لأي دولة أو شخص، لكن بالطبع هذا نوع من العنجهية الفارغة، فأوكرانيا ليس لها مصدر دخل فى الوقت الحالى سوى تصدير الحبوب والزيوت وبعض المواد الغذائية، ولا أتصور أن لديها ترف الاستغناء عن مصدر الدخل هذا.
تراجع روسى
أما لماذا تراجعت روسيا عن قرارها بالانسحاب من الاتفاقية، فكما تشير الأنباء جرى اتصال هاتفي بين الرئيسين التركى والروسى، تعهد فيه الرئيس بوتين بعدم استخدام الأسلحة النووية، وتطرق إلى مسألة مفاوضات سلام لإنهاء الحرب كما تقول وسائل إعلام تركية، بينما صرح الناطق باسم الكرملين دميترى بيسكوف أن بلاده وافقت على العودة إلى اتفاق ممر الغذاء لثقتها فى تركيا كشريك، وفى تقديرى تركيا أعطت ضمان منها كدولة ضامنة للاتفاق بعدم استغلال الممر فى أى أعمال عسكرية. جاء هذا فى الوقت الذى فسرت فيه بعض وسائل الإعلام تحمل تركيا لمسألة تأمين شحنات الأغذية، وعدم تعرض روسيا لها بأنه يعكس سيطرة تركيا وحلف الناتو على الأمور فى البحر الأسود، بينما الأمور ليست بهذه البدائية كل ما فى الأمر أن تركيا رفعت أعلامها على السفن المحملة بالغلال، وكان من الصعب على روسيا أن تطلق أسلحتها على سفن ترفع أعلام دولة صديقة وشريكة مثل تركيا.
هذا من ناحية، لكن من ناحية أخرى هل لدى روسيا ترف الدخول فى نزاع مع تركيا إذا ما قصفت سفن ترفع الأعلام التركية، فى هذه الحالة اتفاقية “مونتيرو” تعطى الحق لأنقرة بإغلاق المضايق (البوسفور والدردنيل)، مما يعزل أسطول البحر الأسود الروسى عن الوطن الأم فى روسيا، ويعزل تقريباً القوات الروسية التى تشارك فى العملية العسكرية بسوريا، من هذا المنطلق ومن الحكمة ما كان أمام روسيا سوى العودة للاتفاق، مع الحصول على ضمانات تركية بعد استخدام الممر الغذائي فى أى أعمال عدائية ضد روسيا.
صفقة الغذاء
تجدر الإشارة إلى أن إعلان روسيا عن خروجها من صفقة الغذاء قد أصاب الغرب بالصدمة والذعر، وتحدث الجميع عن أزمة غذاء عالمية، وتم الإعلان عن أن الخبز فى بريطانيا سوف ترتفع أسعاره، وكان قد ارتفع فى شهر أكتوبر الماضى بنسبة 150%، لأن دول أوروبا الغربية كانوا دائماً يباهون العالم باستقرارهم الاقتصادي، كما أن وفقاً لتأكيد سياسيين غربيين أن الحبوب الأوكرانية لم يكن اتجاهها دول أوروبا بل دول العالم الفقيرة، وكان هدف الرئيس بوتين من الانسحاب المؤقت من اتفاقية الغذاء هو كشف كذب الدول الأوروبية التى أصيبت بالرعب من من وقف الصفقة، وهو أراد أن يؤكد على أن الحبوب الأوكرانية لا تذهب إلى الدول الفقيرة بل إلى دول أوروبا وعلى رأسها بريطانيا.
ويقول بعض المراقبين للأمور فى أوكرانيا إن روسيا إذا أرادت وقف ممر الحبوب والغذاء ليس من الضرورة أن تقصف السفن المحملة والمارة بالممر الآمن المحدد، وكان يمكنها أن تقصف الموانيء والبنية التحتية التى تحمل منها السفن المواد الغذائية (أوديسا) وهى هدف مشروع فى إطار قصف روسيا للبنى التحتية الأوكرانية فى الفترة الأخيرة. ويبدو أن صفقة الغذاء مسألة أكثر تعقيداً مما يتصور البعض، فعندما أعلن الرئيس بوتين يوم 31 أكتوبر أنه سينسحب من الاتفاق، وقال إن روسيا لا تدرى ماذا تحمل السفن وما إذا كانت تحمل ما هو ضار أم لا، وأوضح بأنه لا يتحدث عن وقف المشاركة فى الاتفاق ولكن يتحدث عن توقف بلاده عن العمل بالاتفاق، لكنها باقية فيه وجزء منه.
لكن فى 1 نوفمبر وبعد حديث تليفونى للرئيس بوتين مع نظيره التركى إردوغان، أصبح الموقف الرسمى الروسى على النحو التالي “روسيا يمكنها العودة إلى الاتفاق، إذا تم التحقيق فى عملية الهجوم على أسطول البحر الأسود فى سيفاستوبل، وأن تعطى أوكرانيا ضمان بعدم استخدام الممر الإنساني فى الأعمال العسكرية.
ضمانات للاستمرار
أما عن ماهية الضمانات الشديدة التى يجب أن تقدمها كييف فإنها من الصعب تحقيقها، فالثقة منعدمة، كما أن الرئيس الأوكرانى يمنع إجراء أى مباحثات مع روسيا، من أين تأتى الضمانات، وفى نفس الوقت وفق المحللين فإن روسيا لا تستطيع منع تصدير الغذاء، وهذا مصدر رضا لأوكرانيا لأنه يجلب لأوكرانيا أموالا كثيرة، وهى التى انخفض الناتج الإجمالي فيها منذ بدء العملية العسكرية بأكثر من 30%، كما أن خروج أو وقف روسيا التعاطي مع الاتفاقية ثم عودتها يظهر أوكرانيا وكأنها انتصرت، وهو الشكل الذى تناولت به الحدث وسائل الإعلام الأوكرانية، وأن روسيا انهزمت فى موقعة ممر الغذاء. لكن المسألة ليست فى نصر أو هزيمة، المسألة فى أن من يعطى ضمانات أمنية للممر الإنساني الغذائي عليه أن يقدم ضمانات بأن السفن التى ستحمل الحبوب والمواد الغذائية إلى مختلف دول العالم لن تعود وعلى متنها أسلحة لأوكرانيا، وهذا هو مكمن الخطر، والضامن فى هذه الحلة هى تركيا، لكن المدهش هنا أن الضامن نفسه يصدر سلاحا لأوكرانيا، وهذا ما قد يعقد الأمور فى المستقبل القريب.
بعد المباحثات التليفونية بين الرئيسين بوتين وإردوغان ووزيرى خارجية البلدين شاوش أغلو وسيرجى لافروف، ظهرت تصريحات ليست روسية فقط ولكن أوكرانية أيضاً، فقد أعلن وزير البنية التحتية الأوكرانى، أن إبحار السفن المحملة بالمواد الغذائية سيستأنف يوم 3 نوفمبر، وأعلن وزير الدفاع التركى خلوصى أكار أن السفن ستبحر تحت العلم التركى وستستمر فى نقل القمح والمواد الغذائية، وفسر وزير الدفاع التركى ذلك بقوله إن أنقرة مهتمة بعدم قطع إمدادات القمح فى الدول النامية، لأن هذا سيؤدى للجوع، وهو ما يمكن أن ينعكس سلباً على تركيا ودول الاتحاد الأوروبى بالطبع، إردوغان يقدم نفسه كعضو مفيد للمنظومة الأوروبية، على حساب روسيا وبفضل تحكمه بالممرات … إنها الجغرافيا واستغلالها الحسن. وأعلنت تركيا استمرار اتفاق الغذاء دون خروج روسيا منه.
أسعار القمح
بعد التوصل للاتفاق الجديد، إن جاز التعبير، أعلن وزير الدفاع التركى والذى تخلى عن دبلوماسيته، بأن أعلن أن أسعار القمح انخفضت بدرجة كبيرة بعد الاتفاق، وأشار إلى أن بلاده تسعى لاستمرار الأسعار المنخفضة فى المستقبل، بذلك يكون وزير الدفاع التركى قد أجاب على السؤال الحائر، ما مصلحة تركيا فى نقل القمح الأوكرانى، وهنا لا يوجد شئ غير عادى أنه “البيزنس” أى أسعار القمح، حيث وجدت تركيا نفسها فى هذا الموقف الذى تستطيع أن تكون فيه من كبار تجار القمح، إن لم يكن فى العالم فعلى الأقل فى أوروبا وأفريقيا، من خلال إنشاء مركز موحد لتجارة الغلال، توصل من خلاله القمح الأوكرانى لمختلف دول العالم.
تركيا الرابح
المشكلة هنا أن ثمن هكذا عمل من الممكن أن يكون على حساب العلاقات مع روسيا، خاصة فى الظروف التى لا تريد إفساد العلاقات ومضطرة للموافقة على شروط من الصعب قبولها، ومن المعروف أن أوكرانيا من توقيع اتفاقية الممر الآمن صدرت كميات ضخمة من الحبوب لمختلف القارات، بمعدل 4 ملايين طن فى الشهر، مع حجم إجمالي للعام الحالى والقادم يقدر بحوالي 45 مليون طن، وفى وقف روسيا عمليات تصدير القمح الأوكرانية فإنها كانت ستخسر حوالى 5 مليارات دولار على الأقل، وهذا مبلغ كبير بالنسبة لأوكرانيا (تقدير المبلغ وفق أسعار عام 2021، أى أنه من الممكن أن يكون أكبر هذا العام).
الموقف الآن يبدو أن مطالب روسيا لا تؤخذ فى الاعتبار، وأن تركيا هى الرابح فى كل ما يتعلق بممرات الغذاء الآمنة، ونفس الشئ بالنسبة للغاز، حيث تريد تركيا كذلك أن تصبح مركزا لتصدير الغاز الروسى والقادم من بحر قزوين إلى أوروبا. وعلى ما يبدو أن الصفقات الحالية التى تعقدها روسيا مع تركيا لا تلقى قبولاً لدى الكثيرين من الصقور الروس، وعلى سبيل المثال تحدث السياسي سيرجى ماركوف عن تسوية أزمة ممر الغذاء الآمن، وقال “إردوغان أعطى كلمة شرف، أن زيلينسكى أعطى كلمة شرف، حتى مكتوبة، أن الإرهابيين لن يستخدموا ممر الغذاء الآمن للقيام بأعمال إرهابية، وحتى كلمة الشرف المكتوبة منه أنا لا أصدقها. وأضاف “أنا أشعر بمرارة، كم مرة تسمح روسيا بأن يخدعوها بشكل فج؟ ألا يجب أن نضع حداً لهذا؟
واضح جداً أن المستفيد الأكبر فى هذه الحالة سواء اقتصادياً أو سياسياً هى تركيا ورئيسها إردوغان، فقد تحولت تركيا لمركز تجارة عالمي للقمح الأوكرانى، كما استعرضت تركيا قدراتها فيما يتعلق بتصحيح الموقف الروسى، واستعرضت تركيا قدراتها فى أنها تستطيع عمل ما لا تستطيع فعله أى دولة عضو فى الناتو، مع الأخذ فى الاعتبار أن روسيا مضطرة للموافقة على وجه الخصوص على وجهة النظر التركية!.

التعليقات متوقفه