مصباح قطب يكتب : اختلالات غير منظورة آن أوان التصدى لها
بقلم مصباح قطب
عضو المكتب الاقتصادي بحزب التجمع
تشرفت بالتأكيد بالمشاركة فى الندوة التى نظمها معهد التخطيط القومى تحت عنوان “أولويات دعم قدرات الاقتصاد المصري فى مواجهة الأزمات” ( من ازمة كورونا إلى الأزمة الروسية الأوكرانية)؛ يوم الأربعاء ٢٩ يونيو ٢٠٢٢ م . وبعد قراءة الورقة الخلفية المرسلة للمشاركين قبل الندوة ؛ والاستماع إلى عروض الأستاذات والأساتذة الكبار؛ البحثية؛ والتى غطت بنحو خاص ؛ وبعمق ؛ قضايا : أوضاع / أزمة الاقتصاد العالمى وآفاقه وانعكاساتها على الدول النامية وعلى الاقتصاد المصري ؛ والسياسة النقدية؛ والأمن الغذائي؛ والفقر ؛ ودور القطاع الخاص فى التنمية ؛ والسياحة ؛ والديون ؛ ومداخلات الاساتذة الكبار من الاقتصاديين وأهل الخبرة ؛ أود أن اقدم تعليقى التالى :
● لم تتطرق الورقة الخلفية او المناقشات إلى التساؤل عن مدى قدرة المؤسسات المعنية بالشأن الاقتصادي فى بلادنا على القيام بمهامها التقليدية فضلا عن القيام بدور غير تقليدى لمواجهة جائحة اقتصادية (بتعبير ا. د .عثمان محمد عثمان) غير مسبوقة ربما منذ خمسين عاما. ماذا تفعل كل مؤسسة من أعلى مستوى إلى الأدنى وكيف تفعله ولماذ تفعله بهذا الشكل وهل هناك طريقة أفضل لتقوم بعملها وما موقعها من مستوى الأداء لدى دول نظيرة أو متقدمة ؟ . صحيح تم بالورشة تقييم الأداء العام لوزارة المالية والبنك المركزى لكن العناية بمستوى الأداء/ المتدهور على نحو غير مسبوق فى حالات كثيرة بنظري / وهيكل كل مؤسسة وملائمته للوظائف المرجوة منه ؛ لم يكن موجودا. وغنى عن القول ان إصلاح المؤسسات والكيانات الحكومية هو مهمة وطنية بالمقام الأول و لن ينجزها ابدا صندوق النقد الدولي مهما تحدث عن الإصلاح الهيكلي والدليل على ذلك بسيط وهو ان الصندوق يناقش الإصلاحات الهيكلية فى مصر منذ ١٩٩٠ ويقدم توصيات بصددها ويتابع ويقيم لكن اغلب المؤسسات لم يحدث فيها تغير يذكر بل وتراجع بعضها إلى أمد واضح ( هيئة التنمية الصناعية نموذجا).
● ايضا غاب عن النقاش التطرق إلى أهمية التفوق التكنولوجي كأحد أهم أدوات تصليب عود الدولة ناهيك عن الاقتصاد فى مواجهة الأعاصير الراهنة مع اعتقادى بأن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات هى قمح او ماء العصر الذى بدأ ويواصل المسير . عمليا يمكن لسفينة تحمل القمح او نوع من الأدوية إلى مصر فى وقت احتياج شديد ان تجد نفسها دون أن يدرى طاقمها فى ميناء حيفا مثلا؛ بفعل التلاعب الاليكترونى ؛ وتجبر على التفريغ هناك. ظنى ان مصر تمتلك طاقة هائلة من الشباب الموهوب فى هذا المجال لكن جهدهم كله موجه إلى أولويات مختلفة والى الخارج غالبا ولا يعنى معظمهم بالعمل العام ولا يريد الكثير منهم حتى أن يزور أو يرى المؤسسات الحكومية او منظمات الأعمال القائمة …
● يتصل بما سبق فى تقديرى عدم حوكمة التحول الرقمى فى اغلب المؤسسات الحكومية بحيث أصبح الأمر مثار سخرية وتندر من الناس؛ والأهم أصبح يشكل أعباء إضافية عليهم لم تخطر ببالهم. انا ممن يظنون ان عمل تحول رقمى سليم اهم بكثير من تقديم دعم عينى او نقدى لان جزءا كبيرا من معاناة الناس فى مصر ناتج من إذلال البيروقراطية للمواطنين واهانتهم وتعطيل مصالحهم ورفع كلفتها .
● إذا كان التضخم هو أبرز سمات الجائحة الاقتصادية الراهنة فإن من الأهمية بمكان ان ندرس بتفصيل عملى وواقعى منابع التضخم فى مصر فى السنوات الأخيرة بخاصة ؛ حيث اصبح جانبا من التضخم يلبد فى جحور لا ترى. من المؤكد كما قيل ان جانبا كبيرا منه مستورد وبالتالي لن يفلح فى علاجه رفع أسعار الفائدة ؛ لكن هناك حفر فى كل موقع عام او خاص فى مصر يتعامل مع الجماهير تلبد فيها مسببات له تقود إلى ارتفاع تكاليف المعيشة دون أن يظهر ذلك فى دراسات الباحثين او قياسات جهاز التعبئة والإحصاء. لا أتحدث فقط عن الرسوم المبالغ فيها بشدة فى الخدمات العامة دون اى منطق او مبرر ( دوسيه ورق لملف تجديد الرخصة / وفي العصر الرقمى / بعشرات الجنيهات مثلا ) ولا عن الرشوة والفساد ولكن أيضا عن تكاليف مصطنعة بلا اى سند قانونى فى مؤسسات عامة أو خاصة مثل تقديم خدمة مميزة او مستعجلة بكذا بعشرين ضعف مثلا للمقرر القانونى فى حال الحكومة او ضعفين او ثلاثة فى عيادات الأطباء ومعاملات المدارس الخاصة أو الشركات المفوضة بتلقي اوراق التأشيرات الخ.
● عند مناقشة السياسات الكلية المالية او النقدية او التجارية او الزراعية فى المعاهد العلمية قد يغيب عن البال أهمية أثر تفاصيل بسيطة فى نهر الحياة الواقعية تشل أو تعطل السياسات السليمة ؛ وغير السليمة ؛ و قد يؤدى إصلاح ما بها من خلل إلى تمتين رابطة المواطنة من جانب وتخفيف الأعباء المالية على الخزانة العامة من جانب آخر. احب دائما ان اتحدث عن مثال نهج وآليات عمل جهاز شرطة المرافق و” الكبسات” التى يقوم بها على المخالفين من الباعة الجائلين ومصادرة أدوات عملهم أو التحفظ المبدئي عليها. ارى انه لو تحولت تلك الشرطة إلى جهاز موجه وصديق ومصحح وناصح للباعة قبل أن يكون عقابيا ومع قليل من الصبر؛ لحصل تحول اقتصادي واجتماعي كبير جدا فى مصر… فالناس العادية لديها قدرات غير عادية على تخليق موارد من لا شيء تقريبا لكى تستمر الحياه ؛ وفى ظنى ان عبء نهج العمل القائم يكيد الباعة ما لا يقل عن ٢٠ مليار جنيه سنويا فضلا عن اضراره الأخرى.
● لا يمكن الحديث عن تعزيز صلابة الاقتصاد المصري على مواجهة الأزمات دون الحديث عن مستوى الخطاب الإعلامى والسياسى فى بلادنا والذى يعانى عوارا رهيبا ؛ ومما يؤسف له ان الاجهزة القائمة على هذين المجالين لا تدرك مدى خطورة الوضع الراهن .لا يمكن لدولة أن تصمد فى مواجهة اى أزمة ما لم تكن قادرة على تحقيق تواصل فعال و عصري وحيوي وعقلانى ومسؤول مع شعبها.
● أخيرا اقتنعت الجهات المصرية المعنية بأن الأموال الساخنة لا تعالج شح الموارد من النقد الأجنبي ؛ولا تقدم أي دعم حقيقي لأسعار الصرف ؛ وأن أصحابها يمارسون ؛ كما لفت الاستاذ الدكتور جودة عبد الخالق ؛ عملية نهب منظم لموارد البلاد منذ عقدين ويزيد . بقى اذا ان تكون لدينا رؤية مختلفة لقضية الاستدانة من الخارج وكيفية تعبئة الموارد المحلية قبل اى استدانة ؛ وأن نتوقف عن الاحتفاء بالاستدانة والجرى وراء إشادات فارغة ممن يشترون اوراق الدين المصرية او يقدمون خدمات الطرح والترويج لها ( بلغ بى اليأس من كثرة التنبيه إلى هذا الغلط انى أكاد اطالب بنص دستوري يمنع الاحتفال بالاستدانة )؛ او الابتهاج بوصفهم لكل إصدار مصرى من السندات بأنه الاقوى او الافضل او كذا ؛ وقيام بعض المستفيدين بمنح وزير المالية بين وقت وآخر صفة أفضل وزير مالية فى المنطقة او فى العام او فى العالم. وبقى ثالثا ان نعرف ان النمو ليس كافيا ابدا حده وقد كان من أهم ما قيل فى الورشة هو التساؤل عن سبب نمو الاقتصاد المصري بينما عانى غيره خلال كورونا وعن حقيقة هذا النمو ولماذا اندلعت أزمة الاقتصاد ؛وأبرز مظهرين لها هما نقص النقد الأجنبي والتضخم ؛ بينما النمو مرتفع هكذا ؛ وفاق معدل نمو السكان فى عز كورونا ؛ بل ووصل ويصل الى ضعفه وأكثر لاحقا؟ . النمو إذا منه أنواع ومن الواضح أن النوع الذى ساد مصر بصفة خاصة منذ عام ١٩٩٠ ليس من الصنف الذى يعزز قوة الدولة الاقتصادية ورفاه شعبها ؛ بدليل العودة كل فترة إلى نقطة البدء: خفض الجنيه ورفع الفائدة و الاقتراض من صندوق النقد وعمل برنامج جديد للتثبيت المالى والنقدى والفرح بالنتائج فى اول عامين حيث تتحسن المؤشرات المالية والنقدية ثم نعود القهقرى مرة أخرى وهكذا..
● كل التحية والتقدير للأستاذ الدكتور أشرف العربى وزير التخطيط سابقا ومدير معهد التخطيط القومى حاليا ؛ وللأستاذ الدكتور عثمان محمد عثمان وزير التخطيط الأسبق ورئيس تحرير المجلة العلمية لمعهد التخطيط والذى بعث فيها روحا جديدة ؛ على ورشة العمل الجادة والرفيعة المستوى.

التعليقات متوقفه