أدب الجوائز: قراءة خارجية لرواية “ماكيت القاهرة”
كتب: محمد كرم
نالت رواية “ماكيت القاهرة” للكاتب “طارق إمام”، ولا تزال تنال، إعجاباً كبيراً داخل الوسط الثقافي في مصر، لدرجة التفاف عدد كبير من القراء والكُتاب والنُقاد حول الكاتب، مكونين ما يشبه “رابطة مشجعين” له كالتي نراها تلتف حول الأندية الرياضية. يصفه البعض أوصافاً صوفية، فوق صورهم المنشورة معه ومع كتبه على السوشيال ميديا، مثل “الإمام” و”الطارق”، رغم أن التصوف ليس مادة لكتاباته. يوقع لجمهوره على كتبه توقيعات ملونة تنتمي إلى فن “الكوميكس”. وقد أثار جدلاً واسعاً في عيد الأضحى الماضي، بعد رصد اختيارات قطاع واسع من القراء لرواياته كي يقضوا معها إجازة العيد، مما يُعرف بـ “الترند” أو الموضوع الأكثر رواجاً على السوشيال ميديا.
لكن نظرة موضوعية على هذا التقريظ، بعد قراءة واعية للرواية، ستؤدي حتماً إلى ملاحظة انفصال واضح بين هذا التقريظ وقيمة الرواية، بغض النظر عن كونها عالية أم منخفضة؛ فرغم أن مادة التقريظ هي الرواية إلا انها ليست سبباً في نشوئه؛ فالعلاقة بينهما كعلاقة النار بالحطب؛ فرغم أن النار لا تتم بدون الحطب إلا أن الحطب ليس سبباً في النار، وكالعلاقة بين الجمهور ورواية الكاتب في الفيلم الأمريكي “Mother” للمخرج “دارين أرنوفسكي”؛ فجمهور المهووسين الذين اقتحموا بيت الكاتب في الفيلم كي يبدوا إعجابهم بروايته الجديدة لم يكونوا يعبؤون بالرواية؛ لكن بالكاتب، وربما لم يقرأها أغلبهم.
إنَّ رواية “ماكيت القاهرة” أطول من أن يتمها قارئ في أسبوع إجازة العيد، وأعقد من أن يستوعبها في تلك المدة عقل قارئ عادي يعبر عن إعجابه بها على الفيس بوك بفجاجة لا تتناسب مع مضمونها الإشكالي وشكلها المعقد؛ فهي تتناول موضوعاً مُلتبَساً في فلسفة “ما بعد الحداثة”: “اصطناع الواقع”، الذي حلله المُنظّر الفرنسي “جان بودريار” في كتاب “المصطنع والاصطناع”. والمعروف عن أطروحات مُنظّري “ما بعد الحداثة” وفنانيها التباسها وصعوبتها، وكثيراً ما ترجم لهم المترجم الراحل “سيد إمام” والد الكاتب.
نلاحظ أن اقتباسات الجمهور من أعمال “طارق إمام” شحيحة في الغالب، وقليلاً ما يتم استخدامها في منشورات التقريظ، على عكس الحديث عن الكاتب نفسه.
هل كانت الرواية لتنال كل تلك الحفاوة لو نُشرت باسم آخر غير “طارق إمام”؟
لنستوضح الأمر من رصد السياق الاجتماعي الراهن، المُحدِد للعلاقة بين الكاتب والقارئ:
في أنماط الإنتاج السابقة على الرأسمالية، وفي بداياتها، كان الطلب سابقاً على العرض؛ فإنتاج السلعة كانت تسبقه حاجة مادية عند الناس؛ ثم تُنتج لإشباعها. وكذلك كانت الأعمال الفنية – كالشعر الملحمي والحكاية والسير الشعبية والمقامة.. إلخ – تسبقها حاجة روحية عند الجماعة البشرية؛ فتُبدَع لإشباعها. كانت المنتجات البشرية المادية والروحية مُحددة، وغايتها إشباع حاجات معروفة لبشر معروفين، أما بعد ظهور الآلة البخارية واقتصاد السوق وتطور قوى الإنتاج؛ أصبحت المنتجات المادية غزيرة، تُنتج بشكل غير مباشر لمستهلكين مجهولين يحصلون عليها عن طريق السوق، وصار العرض سابقاً على الطلب، وأمسى السوق وما يحققه من ربح هو الهدف قبل إشباع حاجات الإنسان، وباتت الدعاية للسلعة أهم من السلعة نفسها. وبعد ظهور آلة الطباعة والحواسب والإنترنت والهواتف والأجهزة النقالة؛ غدت الأعمال الأدبية تصل للناس بشكل غير مباشر عن طريق سوق دور النشر الورقي ومواقع النشر الإلكتروني، وأخذ جهاز استشعار الحاجات الروحية والاجتماعية للبشر عند الفنانين تتضاءل قدرته مع تقدم الزمن، وقد تعطل تماماً في عصر الرأسمالية المتأخرة والعولمة الذي باتت فيه الدعاية للروايات أهم من الروايات، وصار الكاتب، الذي كان يتخفى وراء عمله، يسعى للأضواء كالممثل.
يجمع الكتابات الأدبية حالياً، على اختلاف أنواعها ودرجاتها، شيء مشترك، وهو: عدم توجهها للقارئ كغاية، إذ تتوجه بعض الأعمال للقراء كوسيلة لتحقيق المبيعات والشهرة، وبعض الكتاب يحتقرون تلك النزعة الاستهلاكية، ويَرْثون لحال القراء؛ فيتجاهلونهم، ويكتبون لأنفسهم أو لإله الفن والجمال أو لقلة من النخبة هم مجرد شهود على تفانيهم في الكتابة الأدبية وتجاهلهم للجمهور. لكن رواية “ماكيت القاهرة” لم تُكتب استهدافاً للسوق ومستهلكي الروايات المجهولين في المقام الأول، ولا هي تتجرد من علائق السوق في الوقت نفسه؛ إذ كُتبت الرواية استهدافاً للجوائز ولجان تحكيمها المجهولين أولاً. وإذا كان الكُتاب المُستهدِفون للمبيعات ينطلقون من الوعي الجمعي المتخلف للجمهور ويخاطبون أحط ما فيهم، وإذا كان الكُتاب المتجردون من علائق السوق، استهدافاً لإله الفن أو الذات، لا ينطلقون من الوعي الجمعي للجمهور، الذي يتهربون من مسؤولية تغييره، معتبرين أي مخاطبة للجمهور ستوقع إبداعهم في شباك الاستهلاك – فالكُتاب المُستهدِفون للجوائز ينطلقون من معايير قبول أعمالهم فيها، فهم لا يكتبون انطلاقاً من حاجات الجمهور الروحية والاجتماعية، أو لتطوير وعيهم وذائقتهم في المقام الأول، وبالتالي لم تُكتب “ماكيت القاهرة” لرابطة مشجعي “طارق إمام”، المُقرّظين، الذين لا يهتمون بالرواية كما يهتمون بكاتبها؛ بل كُتبت للجنة تحكيم الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر)، ودخلت عام 2022 قائمتها القصيرة. فاستهداف الجائزة يسبق استهداف الجمهور، وفي الوقت نفسه؛ يُعد دخول الرواية في القائمة القصيرة لـ “البوكر” سبباً إضافياً لإعجاب رابطة المشجعين بالكاتب أولاً وبالرواية ثانياً.
ثمت إذن علاقة عكسية متبادلة بين الكاتب والجمهور من ناحية، وبين الجمهور والرواية من ناحية أخرى؛ فهناك تقدير متبادل بين الكاتب والجمهور، وتجاهل متبادل بين الجمهور والرواية؛ إذ لم تؤثر الرواية في الجمهور بقدر ما أثّرت فيهم قيمتها المستمدة من الرأسمال الرمزي للكاتب – وليس من مضمونها أو شكلها – الذي تكون من الجوائز السابقة التي نالها أو شارك فيها، ودور النشر الراقية التي ينشر فيها، والعلاقات المؤسسة جيداً في دوائر الوسط الثقافي، واستخدامه الذكي للسوشيال ميديا والترويج. إنَّ الجمهور هنا وسيلة لتراكم الرأسمال الرمزي للكاتب. ورغم أن أغلب قراء الرواية من طبقة البرجوازية الصغيرة، مثل الكاتب الشهير، ممثل وعيهم الطبقي، الذي يطمحون للوصول لشهرته وليس لفهم كتابته، إلا أنهم ليسوا هدف كتابته.
إن تلك العلاقة تضر أول ما تضر بمضمون العمل الأدبي ومقصوده – إذا كان له مقصود – وما يثيره من أفكار ونقاش، لكن في الوقت نفسه تفتح الباب أمام النقد الأدبي المنهجي لكي يتوسع في بحث الأسباب الموضوعية لتلك العلاقة بجدية، وبالتالي تضاف مهمة بحث ظاهرة “أدب الجوائز” إلى المهام الثقيلة لنقاد الأدب التي يتقاعس أغلبهم عن بحثها في وقتنا الراهن، منشغلين بالالتفاف حول نجوم الأدب لتقريظهم!

التعليقات متوقفه