د. عبد الفتاح مطاوع رئيس قطاع مياه النيل الأسبق يكتب: لعبة العسكر والحرامية في السودان

62

عندما كنت صغيراً و مع أقراني من الصغار، كانت هناك الكثير من الألعاب التى نلعبها سوياً، و منها لعبة عسكر و حرامية، و ملخصها أن نقوم بتقسيم أنفسنا إلى مجموعتين إحداهما فريق العسكر و الأخرى فريق الحرامية، وكنا نختار من بين أنفسنا من نثق بهم كحكام ليكونوا شاهدين و شهود على قواعد اللعبة.

كانت اللعبة لا تستغرق أكثر من نصف الساعة، و ذلك لأن مسرح العمليات محدود، ولا يتجاوز مساحة المنزل الواحد الذى كنا نعيش فيه، و أحياناً مجموعة المنازل التى كنا نقطنها بالعمارة أو بالحارة أو بالشارع الواحد.
وعندما كنا نستغرق فى اللعبة كثيراً، كان أهالينا ينادون علينا و يقولون لنا كفاية، بسبب شكوى الجيران مما نحدثه من ضوضاء وضجيج أثناء اللعبة.

خطر الحرب الأهلية:
أكتب هذا المقال من قلقي و من عدم قدرتي على استيعاب ما يحدث بالسودان وشعبه الكريم الجميل الودود، نصير المظلوم، و الذى يحب مصر والمصريين أكثر من حب العديد من المصريين للسودان وشعبهم.
وجهة نظرى المتواضعة لما يحدث بالسودان وشعبه تتمثل في وجود لعبة حقيقية بين العسكر و الحرامية، و لكنها بدون سقف زمني، و مسرح العمليات تخطى العاصمة الخرطوم إلى دارفور، و ما يدريك إلى أين ستنتقل غداًً ، و الكل يحذر من حرب أهلية ستكون كابوساً جديداً لافريقيا و للعالم.

بدون سقف زمني:
زمن اللعبة أصبح بدون سقف زمني كما تعودنا بالسابق، و تخطى أكثر من مائة يوم، و مسرح العمليات أصبح بدون حدود بما فيه من الشاهدين و الشهود و الحكام و الحكماء، ومنهم الولايات المتحدة والأمم المتحدة والمملكة المتحدة والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، و السودان غير المتحد على قلب رجل واحد، والحكام و الشهود أصبحوا كثر، و الجيران كثير، منهم: مصر و ليبيا و تشاد و إثيوبيا و إريتريا و كينيا و جنوب السودان، ناهيك عن النرويج و السويد و غيرها.
عندما كنا صغاراً كانت حدودنا الشمالية بيت الحاجة أم أحمد، و من الشرق عم على البقال، و من الغرب بيت عم جرجس، و من الجنوب جدار جامع سيدى إبراهيم الدسوقى، حيث مضيفة السودانيين من مريديه الصوفيين من السودان، والذين كانوا يأتون كل عام لحضور المولد السنوي.

الصراع على السلطة:
ونظراً لطول زمن الصراع واتساع مسرح عملياته، و كثرة الحكام و الحكماء و الشاهدين و الشهود، لم
نعد ندري ما يجري سوى أنه صراع على السلطة و الثروة و النفوذ الإقليمي والدولي، ببلد غنى بكل شيء، بأرضه ومياهه وثرواته الطبيعية من ذهب و يورانيوم و بترول، و الصمغ العربى أحد العناصر المهمة في صناعة المشروبات الغازية، الغازية لكل دول العالم، والذي نجا من العقوبات الأمريكية على السودان فى تسعينيات القرن العشرين، و كذا بشعبه الكريم المضياف، و ما خفى كان أعظم، و الأدهى من ذلك أن طرفي الصراع، كل يحاول أن يثبت لنا أنه على النقيض ما بين عسكر و حرامية.

نهب الثروات العامة والخاصة:
معلوماتي الموثقة أن الذى حدث و منذ البداية، و دونما معرفة مسبقة بالفاعل لغياب الأمن، هو حدوث عمليات نهب البنوك وودائع المواطنين السودانيين بخزائن البنوك، التي أودعوها من عرقهم و شقاهم بدول العالم، و تلى ذلك اقتحام منازل المواطنين و تجريدهم من أموالهم و من مقتنياتهم الشخصية من حلي و مجوهرات، ثم تجريدها من أي أجهزة كهربائية من ثلاجات وأجهزة تكييف و غسالات و غيرها، وانقطاع الكهرباء في ظل تعدي درجات الحرارة رقم الأربعين درجة في شهر رمضان المعظم، ثم تلى ذلك و بعد مغادرة السكان لمنازلهم بالشباشب، و بعد أن أصبحوا نازحين أو لاجئين الى دول مجاورة، تم إحتلال منازلهم ما بين ادعاءات كثيرة، نظراً لانعدام الأمن و الأمان، أنهم من العسكر أو من الحرامية.
لن أتجاوز إذا ما قلت أننى واحد من الخبراء بالسودان و شئونه، و منها مياه النيل، حيث كنت رئيس الجانب المصرى فى الهيئة الفنية الدائمة المشتركة لمياه النيل بين مصر والسودان، خلال العقد الأول من القرن الحادي و العشرين، و بمعنى آخر مع بداية الالفية الثالثة، و كان لي مكتب بالعاصمة المثلثة الخرطوم في مبنى الهيئة، بالإضافة إلى إشرافي على العديد من منشآت الري المصري بالسودان بالخرطوم و الشجرة، و كلها كانت مسرح للعمليات في الحرب الدائرة بين العسكر و الحرامية، ناهيك عن محطات الجنوب بملكال و العاصمة جوبا.
للأسف الشديد تحولت تلك المواقع لمسرح عمليات بين العسكر و الحرامية، و بعد أن كانت تلك المواقع محطات لمراقبة الإيراد السنوى لفيضان نهر النيل، أصبحت أماكن اختباء أو بحث ما بين العسكر و الحرامية.

من يراقب مناسيب المياه في نهر النيل؟
السؤال الذي نحن بصدد البحث عن إجابة له الآن، هو من المسئول من طرفي اللعبة من العسكر أو من الحرامية عن مراقبة مناسيب نهر النيل؟ من خلال محطاته بالديم على النيل الأزرق، عند الحدود الاثيوبية السودانية، و بالمقرن عند التقاء النيلين الأزرق و الأبيض، و شندى و جبل الأولياء و مروى و دنجلا، حتى تتمكن السودان من حماية أهل ولاية الخرطوم و الولاية الشمالية من أخطار الفيضان، و من مياه أمطار الخريف، و السيول في الأودية المتجهة لنهر النيل، و غيرها من الولايات، وكذا مسئوليتهما عن إبلاغ تلك المناسيب يومياً للقاهرة حتى تتمكن من حماية شعبها من أسوان للبحر المتوسط، من مخاطر الفيضان السنوى لنهر النيل و نحن فى أوج قوته.
من الواضح أن تلك الموضوعات وعلى الرغم من خُطورتها الجسيمة على شعبي وادي النيل بشماله وجنوبه، ليست مهمة لا للعسكر و لا الحرامية.
و بناء عليه فإن الحادث بالسودان، هو عملية تدمير للأخضر واليابس للسودان وشعبه، وأثارها ممتدة على جيرانهم من مصر و المصريين ، فمن يخطر كل الأطرف ويقول لهم: كفى لعب بالنار.

*بقلم الدكتور عبد الفتاح مطاوع

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy