أزمة «العملة الصعبة» تؤرق المُصنعين والحلول الحكومية دون جدوى
محمد البهي: مشكلة توفير مستلزمات الإنتاج قائمة.. وتشجيع الصادرات الحل لتوفير الدولار
هاني الحسيني: يجب سداد الحصيلة الضريبية بالدولار من الشركات التي تتعامل بالعملة الأجنبية
أحمد خزيم: ضرورة استغلال المزايا النسبية لموارد الدولة لتوفير النقد الأجنبي
إبراهيم مصطفى: سرعة الإفراج الجمركي واستهداف الأسواق الإفريقية والاهتمام بالتصنيع الزراعي والسياحة حلول للأزمة
مازالت أزمة توفير النقد الأجنبي تمثل عبئا كبيرا يعاني منه المصنعون من أجل الإفراج عن مستلزمات الإنتاج، فعلى الرغم من التحركات الحكومية لاحتواء الأزمة، إلا أن المشكلة مازالت قائمة على أرض الواقع، حيث أكد عدد من المصنعين وخبراء الاقتصاد أنه حتى هذه اللحظة لم تخرج الحكومة بأفكار مناسبة لحجم أزمة النقد الأجنبي وصعوبة توفيرها، مطالبين بحلول مبتكرة تساعد على سرعة توفير الدولار لتجنب أي أزمات في القطاع الصناعي والذي يعاني بالفعل بسبب هذه الأزمة.
أكد محمد البهي، عضو مجلس إدارة اتحاد الصناعات، أن مشكلة توفير النقد الأجنبي لشراء مستلزمات الإنتاج كبيرة جدا، ومازلنا نواجه بعض الصعوبات في البنوك لتوفير الذي نحتاجه للإفراج عن البضائع ومستلزمات الإنتاج.
وتابع البهي: يتم حلحلة الأمر من وقت لأخر، ولكن تظل الأزمة الفعلية قائمة تبحث لها عن حل، مشددا على أن الاعتمادات المستندية مازالت تمثل أزمة كبيرة على الصناعة حتى هذه اللحظة، ومنذ بدء تطبيقها وأصبحت مثل كرة الثلج فتزداد المشكلة يوما بعد الأخر، مطالبا بضرورة تدخل المعنيين، ووجود تفكير اقتصادي في الحكومة حيث إن ارتفاع الدولار لم يحل المشكلة ولم يقض على السوق الموازية لسعر الصرف.
وقال عضو مجلس إدارة اتحاد الصناعات، إن هناك الكثير من الدول التي حققت مكاسب وميزة من الأزمة العالمية الحالية من خلال القضاء على البيروقراطية والروتين، وفي نفس الأمر نجد هناك صناعات هاجرت لبعض الدول المحيطة للاستفادة ببعض المميزات والحوافز التي تقدمها هذه الدول.
وقال إن الدولة خلال هذه المرحلة لا تتحمل مراحل تجربة الحلول لفترة طويلة وخاصة أن كانت تم تنفيذها من قبل وأثبتت عدم نجاحها، مشددا على ضرورة ضخ أي موارد دولارية في شرايين الصناعة، حيث إن الشركات تواجه الآن مشكلة حقيقية في توفير النقد الأجنبي لاستيراد مستلزمات الإنتاج.
وأضاف عضو مجلس إدارة اتحاد الصناعات، أنه لا حل لهذه الأزمة إلا بتشجيع وزيادة التصدير، وتقديم كل السبل والإمكانيات التي تؤدي إلى رفع معدلات التصدير، قائلا: لن نستطيع خفض الدين العام ولا توفير الاحتياجات الأساسية إلا عن طريق زيادة الإيرادات ويتم ذلك من خلال زيادة الصادرات بصورة رئيسية.
وقال «البهي» إن حدوث انفراجة في أزمة الدولار مبني على سرعة تطبيق الحلول وأولها زيادة الصادرات، فتوافر الدولار سيحل كل هذه المشاكل، وهو ما يجب أن تقوم به الحكومة بسرعة لإنهاء مشكلة كبيرة تواجه المصنعين.
الدائرة الجهنمية
من جانبه، أكد أحمد خزيم، الخبير الاقتصادي، أن الأزمة الحالية تتلخص فيما يسمى «الدائرة الجهنمية» وهو أن هناك شحا في الدولار أدى إلى بيع جزء كبير من الأصول لتوفير النقد الأجنبي لسداد خدمة الدين، موضحا أن تصريحات وزارة المالية بأنه تم سداد نحو 52 مليار دولار خلال العامين الماضيين نجد أن مبالغ الديون المستحقة لم تنخفض بل على العكس زادت كثيرا، قائلا: معنى هذا هو القيام بالاقتراض لسداد قروض بفائدة أعلى، وتسبب ذلك في شح كبير في الدولار والقيام بتثبيت سعر الصرف مؤخرا من خلال عملية هندسة مالية، بجانب أن هناك محتجزات إنتاج في الجمارك تسعى الدولة للإفراج عنها.
وتابع الخبير الاقتصادي، أن الأمر يتطلب وجود فكر مختلف للعمل على توليد الدولار من خلال حسن استغلال المزايا النسبية لموارد الدولة، مضيفا أن الأمر أصبح الآن الديون مقابل الأصول، والتضخم أصبحت منفلتا وأسعار السلع ترتفع كثيرا، قائلا إن الحلول الاقتصادية في الآونة الأخيرة تعد أكثر أزمة من الأزمات الاقتصادية التي نواجهها، فالحكومة لديها مستحقات ديون حتى 2071، وأن ما يتم الآن هو السعي للحصول على قروض من أجل سداد قروض أخرى، وبالتالي فإن معدل الديون في نسبة ارتفاع مستمر والقوة الشرائية في حالة انخفاض.
وشدد على ضرورة إدارة الملف المصرفي بكفاءة أكثر من ذلك خاصة في هذا التوقيت الصعب، في ظل أزمات عالمية خانقة، موضحا أنه كحل لأزمة الدولار كان يجب بدلا من تصدير الغاز، هو القيام بمشروعات الربط الكهربائي، وبالتالي توفير الدولار والمحافظة على الطاقة الإنتاجية، قائلا إننا نلاحظ خلال هذه الفترة، أن الحلول التي تُقدم لمعالجة أزمات تتسبب في زيادتها، مطالبا الحكومة بتطبيق أفكار مبتكرة لحل أزمة الدولار حتى لا تزداد الأزمة خلال الفترة المقبلة، موضحا أن المطلوب سداده خلال العام المقبل من مستحقات الديون أكثر من العام الحالي مما يتطلب سرعة التحرك لضبط القطاع المصرفي.
وطالب الخبير الاقتصادي بضرورة تشجيع الصناعة المحلية والقطاع الخاص، والعوامل التي تؤدي إلى رفع الناتج المحلي، موضحا أن هذه أزمة لن تكون الأخيرة، في ظل النشاط الذي نلاحظه للسوق الموازية، مشيرا إلى أن هذا الأمر سيظل طالما أن هناك فجوة كبيرة من الصادرات والواردات، وأيضا المردود من القطاع الخاص ليس بالصورة الجيدة.
كما طالب بوجود روشتة مصرية وخلية إدارة أزمة لعلاج المشكلات الحالية لسوق الصرف وأزمة نقص الدولار، حتى تتوقف هذه الأزمة، وعدم تصاعدها، قائلا «إن ما يتم الآن هو علاج للعرض وليس المرض نفسه»، فالحكومة وهيئاتها التابعة يجب عليهم خلق القوانين التحفيزية لدعم القطاع الخاص، والصناعات الصغيرة والمتوسطة.
حصيلة ضريبية بالدولار
وفي نفس السياق، أكد هاني الحسيني عضو اللجنة الاقتصادية لحزب التجمع، أن أزمة الدولار قائمة منذ فترة طويلة، وستظل أزمة عدم قيام البنوك بتوفير كل النقد الأجنبي المطلوب للإفراج عن جميع البضائع الموجودة في الموانئ إذا لم تتوفر عدة متطلبات عاجلة أبرزها زيادة الحصيلة الدولارية، موضحا أن استهدافات الحكومة من خطة بيع الأصول لم تؤت ما كانت ترجوه حتى الآن، بجانب ضرورة العمل على زيادة آلية التصدير للحصول على موارد دولارية ناتجة عن التصدير السلعي، وحتى الآن لم يتحقق هذا.
وقال «الحسيني» إن تحويلات المصريين بالخارج لم تلق التشجيع الكافي من الحكومة التي تعمل على زيادتها وضخها في القنوات الشرعية، بدلا من الأسواق الموازية، موضحا أن النظام الاقتصادي مطالب بطرح حلول عاجلة للخروج هذه الأزمة، حيث إن معظم ما يتم طرحه الآن هي حلول متوسطة وطويلة الأجل.
واقترح عضو اللجنة الاقتصادية بحزب التجمع، أن يتم تحصيل الضريبة بالدولار من الشركات التي تتعامل بالعملة الأجنبية أبرزها شركات قطاع السياحة، بجانب الشركات التي تعد ميزانيتها بالدولار طبقا للقانون المصري، مشددا على ضرورة دراسة هذا الاقتراح ومدى ملاءمته للقواعد القانونية والدستورية من أجل زيادة حصيلة الدولار، موضحا أن هذه الاقتراحات قابلة للتنفيذ على أرض الواقع، والمصلحة العامة تستوجب كسر بعض الأمور والمفاهيم والقواعد والمعتقدات فالعملة المحلية لن تنتقص من قيمتها التاريخية إذا تم تطبيق هذا الأمر.
وشدد على ضرورة إيجاد حافز للمصريين بالخارج لزيادة تحويلاتهم بجانب العمل على زيادة الثقة في القطاع المصرفي من خلال طرح بعض الحوافز.
توفير مستلزمات الإنتاج
أكد الدكتور إبراهيم مصطفى الخبير الاقتصادي، أنه يجب أن يكون هناك أولوية لتسهيل إجراءات استيراد مستلزمات الإنتاج والمواد الوسيطة، وتبسيط إجراءات الاستيراد والتصدير، وأيضا سرعة رد مستحقات دعم الصادرات.
وشدد على ضرورة استهداف الأسواق الإفريقية بصورة أكبر لزيادة الصادرات وزيادة الحصيلة الدولارية، مضيفا أنه يجب دفع جزء من الواردات بالعملات المحلية للبلد الأم، مثل اليوان الصيني والروبل الروسي وغيره من العملات.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى ضرورة الاهتمام بالتصنيع الزراعي، وزيادة تنافسيته، قائلا إنه خلال أزمة كورونا، كانت الصادرات الزراعية المصرية طوق نجاة لمصر مع التوقف شبه الكامل لجميع الأسواق العالمية، وضرورة التركيز على هذا الأمر لزيادة الصادرات، بجانب التوسع في الرقعة الزراعية للحد من استيراد السلع الإستراتيجية، مثل منتجات القمح والزيت وغيرها من المنتجات، لتخفيف الضغط على العملة الأجنبية.
وأوضح أنه يجب المضي قدما في زيادة اكتشافات الغاز وإقامة مصانع التسييل، وجعل مصر مركزا عالميا لتصدير الطاقة، الأمر الذي يعود بالنفع على الحصيلة الدولارية والعمل على زيادتها، واستغلال الأزمة الكبيرة التي ستواجهها أوروبا في الشتاء المقبل.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى الاهتمام بقطاع السياحة، والعمل على زيادة أعداد السائحين، الأمر الذي يتطلب تحسين مستوى الخدمات المقدمة بالقطاع، ورفع كفاءة العاملين به، ليزيد ذلك أيضا من الحصيلة الدولارية.
وفيما يخص الاستثمار الأجنبي المباشر، أكد أنه يجب توجيه كل الإمكانيات والاستثمارات لتعظيم الدور الإنتاجي والتوسع في مشروعات الطاقة الخضراء، الأمر الذي يجعل مصر مركزا لوجيستيا عالميا للتجارة، فضلا عن أنه يجب تثبيت سعر الفائدة خلال المرحلة المقبلة وعدم رفعها وذلك لعدم رفع الديون على الدولة، مشددا على عدم اللجوء مرة أخرى للأموال الساخنة والتي تسببت في أزمة كبيرة خلال الفترة الأخيرة عقب سحب هذه الأموال، موضحا أن معظم الدين الآن طويل الأجل، ويجب الحفاظ عليه في هذه الحالة.

التعليقات متوقفه