جنين جنين .. الواقع أكثر بشاعة

23

حصل فيلم “جنين جنين” على جائزة  أفضل فيلم في مهرجان قرطاج, الفيلم يرصد ما حدث في معركة جنين التي تمت بين الجيش الإسرائيلي والمقاتلين الفلسطينيين خلال عملية الدرع الواقي عام 2002، وطرح مسألة حدوث مجزرة في مخيم جنين. تم عرض الفيلم في عروض محدودة في إسرائيل ثم تم تقديمه إلى لجنة مراقبة الأفلام الإسرائيلية من أجل الحصول على ترخيص للعرض التجاري لكن اللجنة رفضت الطلب بدعوى كون الفيلم يظهر وجهة النظر الفلسطينية فقط مما يشوه الحقيقة، وبأن الفيلم يكاد يكون تحريضا ضد حق إسرائيل في الوجود.

لكن محكمة العدل العليا ألغت قرار اللجنة وسمحت بعرض الفيلم. وفي عام 2021 حظرت المحكمة الإسرائيلية المركزية في اللد عرض الفيلم بإسرائيل وقررت حذف روابطه في الإنترنت ومصادرة جميع نسخه.

تحوّل «جنين جنين» إلى قضيّة رأي عام في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، تعرض الفيلم لملاحقة قضائيّة، ومنع من العرض على مدار 19 عاما رغم تكرار الدّعوى عدة مرات بقي الحكم ثابتًا وهو حظر عرض  الفيلم.. وصفت إسرائيل الفيلم بأنه “فيلم أقوى من ألف عملية استشهادية”..

تعددت الشهادات حول مذبحة جنين ما بين الرجال والأطفال والنساء ومسئولين أوروبيون, ورجال صحافة وإعلام وحقوق الإنسان والمجتمع المدني, واجتمعت جميعها على وحشية جنود الاحتلال في تدمير المخيم تدميرا كاملا واستباحت البشر من دون رادع أو ضمير.. ونبدأ الشهادات بما قاله رجل يبلغ من العمر خمسين عاما: «نزحونا أول, ثم نزحونا تاني مرة, وين نروح؟ يمكن ابويا متعلمش من سيدي, وسيدي متعلمش من أبوه, بس احنا وضعنا حد, أن مفيش نزوح تاني.. بيكفي.. المفروض النزوح يكون عكسي وليس للوراء .. بيكفي أربع نكبات.. وتلتقط طفلة الحديث وتقول: ابيع حياتي عشان المخيم هو روحنا وحياتنا عشان يضل واقف وشامخ في كل مكان بالمخيم هناك شخص بيبكي على ابنه أو داره أو ابوه.. لكن هذا لا يشكل شيء.. صحيح المخيم تدمر, لكن هنبنيه من جديد.. وشارون طول حياته يحسب حساب لمخيم جنين».. وراح رجل تجاوز الثمانين يبكي وهو يقول: “في الساعة 12 نادوا علينا في الميكروفونات للتجمع في المدرسة وأثناء ذهابي ضربوني واطلقوا النار علي يدي وقدمي”, ويقول آخر: “بعد 15 سنة سجن خرجت لابدأ حياة جديدة, مكتوب علينا نتولد في الاحتلال ونموت في الاحتلال, بيقولوا احنا رجعيين ومعندناش ديمقراطية, طب عاملونا بآدمية, بنيت بيت هدمو وحطموا أحلامي”, ويلتقط الحديث المر رجل يحكي عن مأساته بعد ضياع مدخراته التي سرقت أمام عينه, ويتأسي آخر لمشهد موت ابنه ومن دون أن يستطيع أن يفعل له شيئا, ويصفها باللحظة الصعبة في حياته والتي لن ينساها.. ويصف البعض اليهود بأنهم بلا رحمة, وأنهم ليسوا من صنع الله, إنهم من صنع البشر.. وتروي الأطفال المأساة التي حدثت للمخيم وتتمنى أن يكون لديها مليون دولار لتسعف الجرحي وتبني البيوت التي هدمت ويرجع المخيم أجمل مما كان.. ويطلق طفل آخر قنبلة أشد فتكا من القنابل التي القيت على المخيم عندما يقول: “لم أعد أخاف من صوت القنابل أو القصف لقد تعودنا علي الأمر, إنهم جبناء” .. وتتوالي الشهادات من سكان المخيم الذين يصفون الحياة بأنها مأساة يومية يعيشونها وسط أجواء شديدة الصعوبة, وينددون بالعالم الذي يشهد على جرائم الاحتلال الاسرائيلي ولا يفعل شيئا.. وتقول امرأة لم ترحمني رشاشات العدو وأطلقوا النار بمنتهي القسوة .. ويحكي طبيب بأنهم منعوا سيارات الإسعاف من الوصول إلي الجرحي وإسعافهم. روايات كثيرة لا تختلف كثيرا عن سابقتها, لكن لا أحد يسمع.

موشي نيسيم:  أردت تحويل المخيم إلى ملعب لكرة القدم, عملت مدة 72 ساعة دون توقف على تدمير المنازل وزجاجة الويسكي في يدي, لم يكن يرف لي جفن وأنا أدمر منازلهم, لأن ذلك سيحمي حياة جنودنا..توسلت إلى الضباط لكي يسمحوا لي بتدمير كل شيء.. حين تتلقى أمرا بتدمير منزل، هناك دائما بضعة منازل أخرى مجاورة تزعجك.. أنا آسف لأنني لم أدم كل شيء.

سيلفي منصور (طبيبة نفسية): لدينا إحساس فعلي بأننا أمام هزة أرضية, لكن ما حصل لم يكن بفعل قوانين الجيولوجيا وإنما بفعل إرادة بشرية أرادت فرض أكبر قدر ممكن من الدمار والموت، كما أرادت القضاء على أي رغبة لدى سكان المخيم بالصمود في وجه المحتلين”.

خوسيه ساراماغو: كل ما اعتقدت أنني أملكه من معلومات عن الأوضاع في فلسطين قد تحطم، فالمعلومات والصور شيء، والواقع شيء آخر، يجب أن تضع قدمك على الأرض لتعرف حقاً ما الذي جرى هنا.. يجب قرع أجراس العالم بأسره لكي يعلم.. ان ما يحدث هنا جريمة يجب أن تتوقف.. لا توجد أفران غاز هنا، ولكن القتل لا يتم فقط من خلال أفران الغاز. هناك أشياء تم فعلها من الجانب الإسرائيلي تحمل نفس أعمال النازي أوشفيتس. إنها أمور لا تغتفر يتعرض لها الشعب الفلسطيني.

راسل بانكس: ان الساعات التي قضيتها في فلسطين حتى الآن حفرت في ذاكرتي مشاهد لن أنساها أبداً.. عندما اجتزنا الحاجز أحسست بأن الباب أغلق خلفي واني في سجن. إن جميع أعضاء الوفد متأكدون أنه سيتم اتهامهم بـ (اللاسامية) خصوصاً في الولايات المتحدة. لكن هذا لا يخيفنا. يجب أن نرفض هذا النوع من (الإرهاب الثقافي) الذي يدعي أن توجيه الانتقادات للجرائم الإسرائيلية ضد الفلسطينيين هو نوع من معاداة السامية.

خوان غويتسولو: كيف يفسر حق الدفاع عن النفس بأنه إرهاب، والإرهاب دفاع عن النفس!! إني أستطيع أن أعدد دولاً تمارس الإرهاب، وإسرائيل هي إحدى هذه الدول. يجب أن نخرج أنفسنا من الكليشهات، وألا نساوي بين القاتل والضحية، بين القوة المحتلة والشعب الذي يرزح تحت الاحتلال ويقاومه. ونحن ممثلو شعوبنا غير المنتخبين. وعلينا أن ننقل بأمانة ما تشاهده أعيننا، وتحسه قلوبنا.

تيري رود لارسن: ان الوضع في مخيم جنين للاجئين الفلسطينيين مذهل ومروع لدرجة لا تصدق، إن الروائح الكريهة المنبعثة من الجثث المتحللة تحوم في أنحاء المخيم، يبدو كما لو أنه (أي المخيم) تعرض لزلزال، شاهدت فلسطينيين يخرجون جثثا من بين حطام المباني المنهارة، منها جثة لصبي في الثانية عشرة من عمره، أنا متأكد بأنه لم تجر عمليات بحث وإنقاذ فعلية.

أم علي عويس: عندما تم محاصرة المخيم من كافة الجهات وبدأ الناس يتركون منازلهم, بقيت أنا وبناتي وأحفادي وأبناء جيراني الذين احتضنتهم بعد أن خرج آباؤهم للمقاومة في المنزل.. في اليوم الرابع من الاجتياح, اشتدت الحرب بين المقاومة والاحتلال وكنت أسمع الأعيرة النارية في كل مكان والتي أصابت أجزاء كبيرة من منزلي, وصوت الطائرات المروحية وزمجرة الدبابات ورغم ذلك بقيت صامدة ومن معي في المنزل.. في اليوم السادس من الاجتياح سمعت أصوات الهواتف اللاسلكية الخاص بالجنود, وعلمت أن الجيش في محيط المنزل ودقائق حتى طرقوا الباب ليدخل أكثر من خمسين جنديا مع عتادهم, موجهين أسلحتهم نحوي ومن في المنزل ليحرضوني على الخروج من المنزل, ورفضت ذلك, وعند إصراري على الصمود في منزلي هددني الضابط بقتل ابن أختي عبد الكريم ذات الأعوام الستة, بتوجيه المسدس على رأسه لأهاجمه بينما الجنود بدورهم ضربوني حتى جاء احدهم وضربني بقاع المسدس على رأسي..  أجبرت على الخروج بعدها, والذي كسر إصراري على البقاء في المنزل هم الأطفال خوفا عليهم, لأتوجه إلى المنزل المجاور وكان فارغا من أهله المهم أن أكون قريبا من منزلي.. وخلال وجودي في المنزل المجاور انقطع الطعام والماء, وما كان يهمني ويقلقني أكثر هو انقطاع الحليب عن الأطفال, غامرت وخرجت بحثا عن الحليب أسدد رمق جوع الصغار, ويصدني الجيش على مدخل المنزل ويجبرني على الرجوع تحت تهديد السلاح, حاولت الخروج من الجهة الأخرى بين المنزل عبر الثقوب التي أحدثتها القذائف الإسرائيلية والجرافات, لأصل إلى دكان صغير خال من أصحابه وبابه مخلوع وآخذ ما يكفيني من الطعام والحليب.

محمد زيدان: كان الجيش يحاصرنا في كل مكان, ويمنعنا من الخروج من المستشفى لإنقاذ الجرحى وانتشال الشهداء إلا بالتنسيق مع الصليب الأحمر الدولي, بالإضافة إلى منعنا من دخول مخيم جنين مع طواقم الصحافة والمصورين لتغطية مجازرهم البشعة.. جاءتنا معلومة ان مصابا على الدوار الرئيسي وسط مدينة جنين, لتخرج سيارات الإسعاف دون تنسيق مع الصليب الأحمر, وعند وصولنا للمكان وكانت دبابة قريبة منا هممت ومتطوعة أخرى لأخذ الجريح, وعند تمكننا من اخذه أطلقت الدبابة النار علينا, رغم أننا نلبس زي الإسعاف وإشارة الهلال واضحة للملأ, وعند إصرارنا لإنقاذ الشاب أطلقت الدبابة النار على الشاب المصاب وقتلته لنركب السيارة بعدها ونهرب.

أبو خالد: عند بداية الاجتياح صمدت في بيتي ليوم واحد, لاستيقظ في صباح اليوم الثاني على صوت الجرافة تهدم جدار المنزل, واخرج إليها لإعلامهم بوجود عائلتي المكونة من 11 نفرا داخل المنزل, بينهم جمال وكان عمره 33 عاما المعاق حركيا وعقليا..  لقد أجبرونا على الخروج وقلت لهم أن يعطوني مهلة لإخراج ابني المعاق, وخاصة أنني بقيت لوحدي وأولادي الشباب تم اعتقالهم فور خروجنا من المنزل, وطلبوا مني تأمين مكان للنساء وبعدها أعود لأخذ ابني المعاق.. خلال سيرنا بين الركام صادفتنا قوة عسكرية, واعتقلتنا ووضعتنا أمام باب منزل حولوه لثكنة عسكرية كدرع بشري لمنع المقاومة من إطلاق النار عليهم, وحجزونا حتى ساعات متأخرة من الليل ليطلقوا سراحنا بعدها, ونعيش فترة خروجنا من عندهم لحظات خطيرة ملؤها الخوف من جنود يطلقون النار علينا ومن رجال المقاومة, فقد كان الظلام دامسا مما سبب في افتراق زوجتي وعدد من أبنائي عني وابني الذي بقي معي, وخلال سيري سمعت صوت أناس داخل منزل, لأبيت تلك الليلة عندهم, بينما عائلتي التي افترقت عني استطاعت أن تدبر نفسها عند أناس آخرين تبيت عندهم.

أم رمزي: كاد الرصاص المنهمر يفتك بي وبعائلتي فقد اخترقت عدة رصاصات جدار المنزل حتى شعرت بالخطر الشديد, وبأنني وأبنائي أصبحنا في عداد الشهداء فسقطنا جميعا على الأرض, وأخذنا نزحف نحو المطبخ ونردد الشهادتين قد شعرنا بالموت يداهمنا في كل مكان..  قرار الجميع في المخيم الصمود والثبات, حتى بدأت عمليات الهدم وطردنا من المنازل في جو كان شديد البرودة, حيث كان العشرات من الأطفال والشيوخ والنساء ينتفضون من شدة البرد, وبتنا نواجه القمع الإسرائيلي والموت البطيء خاصة مع تزايد حدة القصف الإسرائيلي.. كنا نتحرك زحفا وننام على أرض المطبخ وتحت الكراسي والطاولات.

الطفل مصطفى الفايد: عند اقتحام المخيم ووصول الجنود إلى المنطقة التي نقيم فيها في المخيم من ناحية الجبل, شرعوا باحتلال المنازل ونصب الكمائن بها لاصطياد رجال المقاومة, وفي ظل القصف المتواصل أصبح كل شيء مهددا بالخطر والذي يحيط بنا من كل جانب, فنقلنا والدي إلى الغرف الداخلية ومكثنا فيها أسبوعا كاملا لا نرى وجه الشمس ولا نسمع سوى أزيز الطائرات وهدير الدبابات, وكنا لا نتوقف عن البكاء رغم محاولات والدي رفع معنوياتنا, وكان يقول لنا “ما تخافوش” ويضحك أمامنا, حتى أن الطائرات عندما تقصف والقذائف تصل الأرض كانت أمي تصرخ بالانبطاح على الأرض, لكن والدي كان يقول لنا “ما تردوش على أمكم” ويضحك وهو يتلو القرآن.

كتب عبد الهادي الركب:  من يشاهد الفيلم يمكن له أن يلمس جماليات بناء الفيلم دراميًا على الرغم من قسوة المضمون، حيث عمد المخرج إلى استخدام الشهادات التي طرحتها الشخصيات الحقيقية على مدار الفيلم، وتوظيفها في المكان الصحيح، وذلك بتقسيمها على فترات زمنية متباعدة تفصل بينها لقطات للمخيم وتفاصيله، الأمر الذي يجعل المشاهد يتعاطف مع كل شخصية بانفعالاتها التي لا تخمد. كما أن هناك أهمية رمزيّة جليّة رسمها بكري في افتتاح الفيلم عبر شخصية شاب فلسطيني أصم يقدم شهادته على ما حدث، وكأنه يرمز لكل هذا العالم الذي يرى ممارسات المحتل الصهيوني في فلسطين ولكنه يلتزم الصمت.

 

 

 

 

 

 

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy