حزب العمال: نصر كبير .. الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية أطاحت بالمحافظين
حقق حزب العمال البريطاني انتصارا مذهلاً يوم الجمعة الماضي, ليحصل على عدد كبير من مقاعد مجلس العموم البريطاني بعد 14 عاما من الهزيمة أمام حزب المحافظين.
العالم يراقب بدهشة ويتساءل الكثيرون: ماذا حدث هناك? نُظر لانتصار كير ستارمر رئيس حزب العمال- وانهيار تحالف المحافظين بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي-عبر المحيط الأطلسي, باعتباره اختراقًا نادرًا حققه تيار الوسط التقليدي رغم وجود سياق موجة جديدة من المد الشعبوي.
للوهلة الأولى، يبدو أن النتيجة تتناقض بشكل صارخ مع الانتخابات الجارية في الولايات المتحدة، حيث يصارع الرئيس جو بايدن للحفاظ على بقائه في السباق ضد دونالد ترامب، و مع الأوضاع في فرنسا، حيث يتراجع فصيل الوسط الذي يتزعمه الرئيس إيمانويل ماكرون ليجد نفسه في المركز الثالث ضد منافسيه من أقصى اليسار واليمين المتطرف.
تحت مسمى الطريق الثالث، قدم مركز أبحاث أمريكي ينتمي لتيار الوسط السياسي مذكرة تحلل نتائج الانتخابات على أنها” انتصار للكفاءة القاسية “، الكفاءة التي قدمت حملة ستارمر كنموذج لقادة يسار الوسط الذين يواجهون المد الشعبوي اليميني المتطرف.
فالمسألة أعمق من كون بريطانيا تتجه يسارًا , فهي تتعلق بالوعود التي قطعت والثقة الضائعة ؛ حول فشل الخدمات العامة وارتفاع فواتير معيشة الأسرة ؛ وشهوة جماعية للتغيير. إنه يتعلق بخيبة أمل عميقة من السياسة المحافظة.
موجة المد والجزر التي اجتاحت حزب المحافظين ليلة الخميس الماضي لا تختلف كثيرًا عن الموجة المناهضة للمؤسسة السياسية التقليدية التي تحيط حاليًا بإيمانويل ماكرون في فرنسا، وربما قريبًا بجو بايدن في أمريكا.
يأتي ذلك في مزاج عام حاد لدى الجمهور البريطاني، وهو ما سوف يترك ستارمر مُطالبًا بتحقيق الكثير في وقت قصير نسبيًا.
فشل الدولة في المملكة المتحدة
والخلفية الأهم لهذا الفوز العمالي هي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية, ارتفعت تكاليف المعيشة خلال السنوات الأخيرة، في ظل ضرائب هي الأعلى منذ الخمسينيات. مع تكلفة عالية جدًا لمتطلبات السكن. مع تضاعف لاستخدام بنك الطعام في خمس سنوات, وهي المؤسسة التي تقدم دعمًا للسلع الغذائية في المملكة المتحدة.
وعلى مستوى الصحة العامة, لدى هيئة الخدمة الصحية الوطنية 7.6 مليون حالة تنتظر العلاج في إنجلترا وحدها، أي ما يقرب من ثلاثة أضعاف ما كان عليه الوضع قبل عقد من الزمان. ارتفعت معدلات الاصابة بالأمراض المزمنة بمقدار الثلث منذ جائحة كوفيد-19. ومن بين 3.4 مليون شخص يطالبون الآن بإعانة العجز والبطالة التي تقدمها الدولة في بريطانيا، يعاني أكثر من ثلثهم من اضطرابات نفسية.
الطرق والشوارع في حالة يرثى لها, والسجون ممتلئة. تستغرق الجرائم البسيطة ستة أشهر للذهاب إلى المحكمة. ورغم وعود إصلاح منظومة الرعاية الاجتماعية منذ فترة طويلة، فالوضع لم يتغير. بينما تعاني خمس الجامعات البريطانية من العجز المالي في ميزانيتها. أصدرت مجالس محلية متعددة إشعارات بالإفلاس. وتتدفق مياه الصرف الصحي إلى الأنهار أثناء هطول الأمطار الغزيرة.
ومع ذلك، لم يردع أي من هذا تدفق 1.2 مليون شخص هاجروا إلى المملكة المتحدة في عام 2023، ولا ما يقرب من 30000 شخص خاطروا بحياتهم لعبور القناة الإنجليزية التي يبلغ طولها 21 ميلاً بشكل غير قانوني من فرنسا في قوارب صغيرة متهالكة. إن القلق بشأن الهجرة القانونية وغير القانونية مرتفع في الأوساط الشعبية بشكل متوقع.
هذه هي العوامل التي تغذي الإحساس العميق بفشل الدولة الذي أطاح بالمحافظين الحاكمين من السلطة في 4 يوليو. كان شعار انتخابات حزب العمال مجرد كلمة واحدة — ” التغيير. بريطانيا مكسورة”. في إحدى جلسات الاستجواب التي تم بثها مباشرة مع قراء صحيفة ذا صن، صحيفة التابلويد الأكثر مبيعًا في بريطانيا، قيل لرئيس الوزراء المنتهية ولايته ريشي سوناك بصراحة: “يبدو الأمر وكأن البلاد تنهار.”
هذه الأوضاع يتحملها حزب المحافظين بالدرجة الأولى, وهو حزب يحكم بلا منازع لما يزيد عن 14 عاما, وهذا ما يفسر التصويت العقابي الذي نال الحزب.
هناك عوامل أخرى مختلفة لتفشي حالة من اليأس تجاه الحكومات المتعاقبة لدى البريطانيين, منها اليأس العام من تورط بريطانيا في حرب العراق في عام 2003 ؛ وصدمة المجتمع من الأزمة الاقتصادية في عام 2008 ؛ والاستقطاب الحاد الذي أحاط بتصويت عام 2016 لمغادرة المملكة للاتحاد الأوروبي، والفوضى السياسية التي أعقبت ذلك، وفشل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي — حتى الآن — في تحقيق أي من الوعود التي وُعد بها المواطنين بعد خروج البلاد من الاتحاد الأوروبي. بالاضافة لاقتراض بريطانيا ل400 مليار دولار للإنفاق المرتبط بفيروس كورونا، وتأثير الحرب الروسية في أوكرانيا، والتضخم في المملكة المتحدة الذي وصل لأعلى مستوى له في 40 عامًا في عام 2022.
رغم الفوز ستارمر في مأزق
قال سوندر كاتوالا، مدير مركز أبحاث الهجرة والاندماج في المستقبل البريطاني ، إن ستارمر يرث “بلدًا مضطربًا ومرهقًا” مع أمل ضئيل في التغيير.
ولهذا السبب فأن رئيس الوزراء الجديد، وهو محام متمرس يرتدي نظارة طبية، قد روج للناخبين دعاية الكفاءة السياسية ونهاية الفوضى؛ عالم مرتب حيث لا تحتاج السياسة إلى غزو ملاعب كرة القدم أو الحانات المحلية. كما وصف ستارمر, ” نحتاج نوع من السياسة التي تتعامل بخفة أكبر في حياتنا.”
وقال كاتوالا إن هذا ناشد الشهية البريطانية “لوضع حد للتردي وحل الأمور”. لكنه يجادل بأن نفس الاتجاه يخاطر بجعل فوز ستارمر الساحق وهميًا- مثل فوز توني بلير في عام 1997 أو مثل فوز بوريس جونسون، الذي فاز في عام 2019 بتعهد “بإنجاز خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي”. وخرج من السلطة رغم ما اعتقد أنه أنجره.
قال كاتوالا:” بريطانيا ليست متشبثة بالعمال، ولا بأي حزب سياسي آخر”.
وفي كل مكان هناك مخاطر تواجه ستارمر. احتل حزب الإصلاح المركز الثاني بعد حزب العمال بأكثر من 100 مقعد — وهو حزب يميني متطرف شعبوي الخطاب, وعد رئيسه بأنه سيعمل على “هدم حكومة العمال الجديدة”. يتضح أن المد الشعبوي قد طال جميع أنحاء أوروبا, ولو فشل ستارمر فقد يتفوق الحزب الشعبوي ليشكل الحكومة.
وعلى يسار ستارمر هناك نزاع مع الأحزاب اليسارية الأخرى أيضًا. خسر حزب العمال عددًا كبيرًا من المقاعد التي كانت تنتمي إليه في السابق يوم الخميس أمام بعض المستقلين ومرشحين يساريين أعضاء في حزب الخضر, الذين يحتجون على موقف ستارمر وحزب العمال من ما يحدث في غزة. فقد كان زعيم حزب العمال بطيئًا في الدعوة إلى وقف فوري لإطلاق النار بين فلسطين وإسرائيل. كان الغضب من بعض تصريحاته المؤيدة لإسرائيل عميقًا. وهو ما أفقده الشعبية في الأوساط اليسارية.
الفوز العمالي يتخلله تحديات كبيرة, بعضها يبدو عصيًا على الحل, وفي نفس الوقت فالأحزاب على اليمين واليسار تتربص له ولحكومته التي تأتي في مرحلة تتأزم الأوضاع فيها بصورة مقلقة, ولهذا السبب يدرك ستارمر أنه ليس أمامه الكثير من الوقت حتى يحقق عددًا من الانجازات في ملفات مختلفة.
وفي حال فشلت حكومة حزب العمال, فمن المرجح أن يكون البديل اليميني الشعبوي هو الأكثر ترجيحًا. وقد قال جيسون فيلان, الباحث الأكاديمي من جامعة لندن في الشئون السياسية, ” إن الفوز العمالي قام بتعطيل المد اليميني المتطرف, وفي حالة فشل ستارمر, فمن المؤكد أن هناك اضطرابًا كبيرًا سيحدث في البلاد, ربما يؤدي بنا إلى مجيء أكثر أنواع السياسيين تطرفًا لحكم المملكة المتحدة”.

التعليقات متوقفه