التحالفات الجيوسياسية تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي
نشر المنتدى الاقتصادى العالمى قبل أيام ورقة لخصت مخرجات المناقشات التى شهدها الاجتماع السنوي لشبكة: “المجالس العالمية للمستقبل”، الذى انعقد فى الفترة من 15 إلى 17 أكتوبر الجاري فى إمارة دبي بالإمارات العربية المتحدة تحت عنوان: “العولمة لم تنته بعد – يمكنها إطلاق العنان لنمو جديد والتغلب على أزمة المناخ”.
أشارت الورقة التى شارك فى مناقشاتها نحو 500 من المسئولين الحكوميين والخبراء والمتخصصين والمفكرين ومستشرفي المستقبل، من الحكومات والقطاع الخاص والمؤسسات الأكاديمية والبحثية والمنظمات الدولية، ومؤسسات المجتمع من 80 دولة حول العالم، إلى أنه على الرغم من الحديث عن تفكيك العولمة، وتزايد حدة الصراعات المسلحة والأعمال العدائية في أوكرانيا والشرق الأوسط، إلا أن الاقتصاد العالمي لا يزال مترابطًا بشكل عميق. وأن العالم لا يتجه إلى تفكيك العولمة، بل يمكن النظر إلى ما يتمعلى أنه إعادة تشكيل للتكتلات الاقتصادية بين الدول على أسس جيوسياسية وإقليمية.
وأوضحت الورقة أن التقارب الجيوسياسي أصبح أكثر أهمية من التقارب الجغرافي فيما يتعلق بقضايا التجارة وتدفقات الاستثمار المباشر الأجنبي. وأن المخاوف الأمنية والتنافسات الاستراتيجية أصبح لها دور بارز ومتزايد فى فى إعادة توجيه السياسات الاقتصادية الوطنية، بما في ذلك إعادة النظر فى الحواجز التى تعوق التجارة والاستثمار الأجنبي المباشر. ويشير صندوق النقد الدولي إلى أن القيود التجارية الجديدة تضاعفت ثلاث مرات منذ عام 2019. وأن هذا التفتت للاقتصاد العالمي يهدد الإبداع والابتكار، وقد يؤدي إلى خفض الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 7٪. وفي الوقت نفسه، توفر المصالح المشتركة بين الدول فرصة هائلة للتعاون العالمى لمعالجة القضايا العالمية مثل قضية تغير المناخ.
فوائد ملموسة
وكشفت الورقة أن عصر العولمة شهد تناميا فى الفترة بين عام 1960 حتى بداية الأزمة المالية العالمية في عامي 2006 و2007 مع اعتقاد إيجابي مفاده أن العولمة، بما في ذلك الأسواق المفتوحة والتجارة والتدفقات عبر الحدود لرأس المال المادي وغير المادي والمالي، من شأنها أن تنتج فوائد ملموسة بحيث تكون جميع الدول رابحة. كما استند تبني العولمة من قبل الولايات المتحدة ودول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الأخرى إلى الاعتقاد، والأمل في أن الترحيب بالصين، كقوة اقتصادية صاعدة طبقا للمعايير وتقديرات المؤسسات الدولية من شأنه أن يدفع تطورها مما وصفته الورقة اقتصادا اشتراكيا تسويقيا إلى اقتصاد سوق رأسمالي ديمقراطي.
وأسفر هذا العصر عن العديد من الفوائد، من بينها الحد من الفقر، وتنمية الطبقة المتوسطة في الصين وغيرها من الأسواق الناشئة، والتقارب في معدلات النمو بين البلدان والمناطق، وانخفاض التضخم، وانخفاض أسعار الفائدة، والحد من التفاوت بين الدول. لكن التفاوت داخل الدول زاد، ولم يستفد الجميع. ففى الولايات المتحدة وغيرها من الاقتصادات الصناعية المتقدمة على سبيل المثال، واجه العديد من العمال ذوي الدخل المتوسط والمهارات المتوسطة في التصنيع منافسة من العمال ذوي الأجور المنخفضة في الصين وأجزاء أخرى من العالم. وقد أدى هذا إلى صعود الشعبوية اليمينية واليسارية في الدول الرأسمالية الديمقراطية، والقيود الحمائية على التجارة والاستثمار. وفي الوقت نفسه، قامت العديد من الدول بما في ذلك الولايات المتحدة وأوروبا بتطبيق سياسات صناعية في قطاعات رئيسية، بما في ذلك قطاعات أشباه الموصلات والتقنيات الخضراء. واستندت تلك السياسات إلى العديد من الأهداف الاقتصادية والاستراتيجية، التى شملت تعزيز المنافسة والمرونة في سلاسل التوريد العالمية، وتطوير وتسريع وتوسيع الاستثمارات المطلوبة لتحقيق التزامات صافي صفر انبعاثات كربونية، وتعزيز البحث والتطوير في التقنيات الأساسية والمزدوجة الاستخدام مثل أشباه الموصلات المتقدمة والذكاء الاصطناعي، والاستجابة للتهديدات التنافسية والأمنية الوطنية التي فرضها صعود الصين كقوة اقتصادية وعسكرية كبرى.
مواجهة الصين
إن أشباه الموصلات، والمعادن الحيوية، والبطاريات، وهي القطاعات التي تستهدفها الصين للهيمنة على السوق، توفر مدخلات أساسية للصناعات الرقمية والخضراء في الولايات المتحدة وغيرها من الاقتصادات الصناعية المتقدمة. وكانت السياسات الصناعية التى طبقتها الولايات المتحدة وأوروبا تهدف بشكل أساسي إلى الحفاظ على تنافسية الأسواق العالمية وقدرتها على الصمود وتأمينها لهذه المنتجات والتقنيات الرئيسية، ومواجهة جهود الصين لتحقيق القوة السوقية والجيوسياسية. وكثيرا ما تعرضت تلك السياسات الصناعية للانتقاد باعتبارها شكلا مكلفا من أشكال الحماية التي تشوه الأسواق. ولكن خلال عصر العولمة، أدى النشر الاستراتيجي للسياسة الصناعية من جانب اقتصادات شرق آسيا في اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان إلى تسريع الابتكار التكنولوجي الوطني ونشره، مما ساهم فى توسيع المنافسة العالمية والأسواق. وتساءل التقرير اليوم، في ظل وجود عوامل خارجية معقدة، مثل تغير المناخ، وتركيز القوة السوقية في المدخلات الرئيسية، والتغير التكنولوجي السريع، وتساءلت الورقة: “هل يمكن أن تأتى تلك السياسات الصناعية بتأثيرات إيجابية؟”، وجاءت الإجابة: نعم، من المحتمل، إذا كانت تدابير تلك السياسات الصناعية تتطلع إلى الخارج وتعمل على خلق أسواق جديدة، وليس إلى الداخل وتفرض اجراءات حمائية. وخصوصا إذا تم تنسيق تلك السياسات بين الدول لمعالجة تغير المناخ وغير ذلك من الأهداف العالمية المشتركة، مثل مكافحة الأوبئة في المستقبل.
وقال المشاركون فى المناقشات إن الغزو الروسى لأوكرانيا وانتهاكها لسيادة القانون الدولي أسهم فى تعزيز التعاون بين الولايات المتحدة وأوروبا. كما كان هناك تحد مشترك آخر أسهم فى إبراز أهمية التعاون والتنسيق، ألا وهو مواجهة الضعف الاقتصادي والتكنولوجي أمام الصين. وقد خلقت مجموعة السياسات الناتجة عن الانفصال عن الصين فرصا للعديد من الدول في الجنوب، مثل فيتنام والمكسيك، أدى إلى دخول قطاعات كثيفة العمالة من تلك الدول إلى سلاسل التوريد العالمية، مما يحفز نمو قطاع التصنيع في هذه الاقتصادات.
شكوك متبادلة
وعندما يتعلق الأمر بالابتكار التكنولوجي، فإن الاتجاه المتزايد لفك الارتباط الاقتصادي والتكنولوجي بين الصين والدول الأخرى يعمل على تقويض أى فرص للتبادلات الأكاديمية والتعاون البحثي بين الجامعات والشركات في الصين وغيرها من الدول التي ازدهرت خلال عصر العولمة. فعلى سبيل المثال يخضع المهندسون والعلماء الصينيون للتدقيق في الولايات المتحدة ودول أخرى لأسباب تتعلق بالأمن القومي، وفي نفس الوقت يتم استهداف الخبراء الأجانب في الصين، وبالتالى فإن التقدم العالمي في الابتكار والإنتاجية مهدد بسبب هذه الشكوك المتبادلة.
وانتهت الورقة إلى التأكيد على أنه لا ينبغي أن تتم تجزئة الاقتصاد العالمي إلى كتل ومحاور جيوسياسية مدفوعة بمخاوف الأمن القومي على حساب الأمن البيئي العالمي
نقطة تحول
ومن الواضح أن ما تضمنته الورقة الصادرة عن المنتدى الاقتصادي العالمي، يشكل نقطة تحول في مفهوم المنتدى للعولمة. فبينما كان يتم النظر إليها في الماضي على أنها قوة دافعة للنمو والازدهار، فإنها تواجه اليوم تحديات جديدة نتيجة للتوترات الجيوسياسية والتنافس الاقتصادي المتزايد. وأن إعادة تشكيل التكتلات الاقتصادية وتبني السياسات الحمائية قد يؤدي إلى تباطؤ النمو العالمي وتفاقم التفاوت. ومع ذلك، فإن هذه التحولات تحمل بداخلها فرصا جديدة للتعاون الدولي في مجالات مثل المناخ والتكنولوجيا، مما يستوجب على صناع القرار الاستفادة من هذه الفرص لبناء نظام اقتصادي عالمي أكثر استدامة ومرونة. وفى هذا الإطار، يمكن أن يكون لمصر دور هام، من خلال الاستفادة من هذه التحولات العالمية عن طريق جذب المزيد من الاستثمارات لقطاعات التكنولوجيا الرقمية والطاقة المتجددة، وتعزيز التعاون مع الشركاء الدوليين، ووضع استراتيجية واضحة لتعزيز جاذبية الاستثمار، وتشجيع الابتكار.

التعليقات متوقفه