د. نبيل رشوان يكتب:الغاز والسياسة..
احتياطى النفط 500 تريليون قدم مكعب من الغاز ونحو 50 مليار برميل نفط..الدول الأوروبية تنظر إلى غاز شرق البحر المتوسط كبديل للغاز الروسى
شهدت السنوات الأخيرة عدة اكتشافات مهمة للغاز الطبيعى فى شرق البحر المتوسط، وهو ما أشعل سباقاً وتنافسا على استغلال هذه الثروة، أثرت الاكتشافات على العلاقات الدولية فى المنطقة، ومن الدول المعنية بذلك إسرائيل ولبنان وليبيا ومصر وقبرص وتركيا، الأمر الذى دعا الأخيرة للتدخل فى ليبيا لحماية مصالحها فى غاز شرق المتوسط.
يقدر بعض الخبراء احتياطى النفط فى منطقة شرق المتوسط بحوالي 500 تريليون قدم مكعب من الغاز ونحو 50 مليار برميل نفط. فى الوقت الحالى الاكتشافات الرئيسية فى دلتا النيل وحوض ليفانتا (الشام). وفقاً لتقارير هيئة المساحة الجيولوجية الأمريكية، فى هاتين المنطقتين فقط احتياطى الغاز الطبيعى يقدر بحوالى 345 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعى، وأكثر من 2 مليار برميل من النفط.
وضع اكتشاف حقلى “نوح” و”مارى ـ بى” فى إسرائيل رغم تواضع إنتاجيتهما، بداية سلسلة من اكتشافات الغاز العملاقة منها “تمار” و “تمار إس دبليو” فى إسرائيل عام 2009، ثم “ليفيافان” عام 2010، وتلا ذلك “افرروديت” فى قبرص 2011، ثم كان الكشف المصرى الأهم “ظهر” عام 2015، وتوالت عدة اكتشافات فى قبرص منها “كاليبسو” 2018 و “جلافكوس”، ونظراً لأن الحوض الشامي لم يكن قد درس بشكل كامل، وفى البحر المتوسط مازال هناك سبع أحواض رسوبية أخرى. باختصار كما يقول الخبراء فإن الثروات الهيدروكربونية الكامنة فى قاع منطقة شرق البحر المتوسط، من الممكن أن تكون أضعاف التقديرات التى تحدث عنها حتى أكثر الخبراء تفاؤلاً.
وإذا استمرت اكتشافات النفط والغاز على هذه الوتيرة فى منطقة البحر المتوسط سيجعل نفط وغاز المتوسط فى متناول أوروبا فهو فى جنوبها.
حول حقلى “تمار” و”ليفيافانا” الإسرائيليين إسرائيل من مستورد للمحروقات إلى مصدّر لها، نفس الشيء حدث فى مصر حيث سيحول حقل “ظهر” مصر بعد اكتمال تنميته إلى دولة مصدرة للغاز.
ساعد اكتشاف غاز الشام على إعادة الدفء فى العلاقات بين كل من إسرائيل من ناحية وقبرص واليونان من ناحية أخرى، وهاتان الأخيرتان كانت مواقفهما مؤيدة للفلسطينيين ودائماً ما كانت تحدث خلافات مع تل أبيب بسبب ذلك، كما أن اكتشاف الغاز فى نفس المنطقة أجلس اللبنانيين مع الإسرائيليين للتفاوض لترسيم الحدود البحرية والاقتصادية بين البلدين.
سيعطى النشاط الإسرائيلي فى تصدير الغاز تل أبيب عناصر تأثير دبلوماسى وسياسى فى المنطقة، وسيحسن العلاقات مع الكثير من جيرانها فى منطقة البحر المتوسط، بالإضافة لقدرة إسرائيل على التصدير لدول فى الشرق الأوسط (الأردن ومصر). هذا بخلاف أن اكتشافات غاز كبرى فى حوض الشام الرسوبى يمكن أن يبعث الروح فى اقتصاديات بعض الدول التى تعانى اقتصادياً مثل سوريا ولبنان، وإن كان البعض يرى أن اكتشاف النفط والغاز بكميات كبيرة من الممكن أن يكون عنصر للمشاحنات بين الطوائف الدينية والمذهبية التى تزخر بهما الدولتان.
لدى مصر فرصة لتصدير الغاز المسال، وقبرص تحاول إنشاء مصانع لتصدير الغاز المسال، لكن تظل خطوط الأنابيب هى الوسيلة الأرخص والأفضل للوصول إلى بنية الغاز الرئيسية فى أوروبا، ويعتبر الاتحاد الأوروبى هو أكبر مستهلك للغاز فى العالم حيث يستهلك حوالى 16,6 تريليون قدم مكعب من الغاز سنويا.
كانت أوروبا قبل النزاع الروسى – الأوكرانى تستورد 40% من هذه الكمية من روسيا و30% تحصل عليها من داخل الاتحاد الأوروبى و25% من النرويج وبحر الشمال، ما تبقى من الاحتياجات يأتي من استيراد الغاز المسال القادم من شمال أفريقيا (الجزائر وليبيا)، وكانت على استعداد لزيادة كميات الغاز المصدر لأوروبا، نظراً لأنهم كانوا يخشون نضوب غاز النرويج وهولندا السريع، وأنشأت عددا من خطوط الغاز لتفادى المرور عبر أوكرانيا بعد تدهور العلاقات معها إثر أحداث أو ما أطلقت عليه روسيا انقلاب عام 2014، ووصول القوميين الأوكران المعادين لروسيا للسلطة واستعادة روسيا لشبه جزيرة القرم، ما دفع الأوروبيين لفرض عقوبات على روسيا لكنهم على ما يبدو لم يكونوا مستعدين للاستغناء عن الغاز والنفط الروسيين الذين ينقلان بواسطة الأنابيب من الحقل حتى معامل التكرير أو إلى المنازل فى حالة الغاز.
بعد عام 2014 بعد استعادة روسيا لشبه جزيرة القرم، وقبلها الحرب فى جورجيا عام 2008 أدركت روسيا أن أوروبا طال الأمد أم قصر ستستغنى عن الغاز الروسى، رغم الثقة غير المحدودة التى كانت لدى المسئولين الروس فى عدم قدرة أوروبا على الاستغناء عن الغاز الروسى، فى عام 2008 طار الرئيس الفرنسى آنذاك نيكولا ساركوزى إلى موسكو على وجه السرعة وتمكن من التوصل لوقف إطلاق النار فى جورجيا بعد أن حققت روسيا أهدافها من العملية العسكرية فيها، ووعده الرئيس ميدفيديف حينها أن مسألة توريد الغاز لأوروبا لن تمس. لكن على ما يبدو كانت روسيا تعد نفسها لعملية لا بد أن تغضب أوكرانيا والأوروبيين، فأنشأت خط الغاز “سيبيريان باور” إلى الصين وهو خط بطاقة استيعابية لنقل 15 مليار متر مكعب من الغاز، فى حين أنها كانت تصدر للأوروبيين 150 مليار متر مكعب سنوياً، ولذلك كانت روسيا حريصة على إنشاء مصنع ضخم لتسييل الغاز، خاصة أن الصين رفضت زيادة الكمية القادمة من روسيا لكى لا تقع فى المأزق الذى وقع فيع الأوروبيون من حيث الاعتماد على الغاز الروسى كلية.
على أى حال نعود إلى غاز شرق المتوسط وهو وثيق الصلة بما يحدث بين روسيا وأوروبا فيما يتعلق بتوريد الغاز للأخيرة، لقد فتحت اكتشافات الغاز وبكميات تجارية فى منطقة شرق المتوسط آفاقا جديدة للقارة العجوز، وبدأت الدول الأوروبية تنظر إلى غاز شرق البحر المتوسط القريب باعتباره بديلا للغاز الروسى، ولما كان لدى مصر مصنعان لتسييل الغاز فى دمياط وإدكو، ومع حدوث أزمة العملية العسكرية الروسية فى أوكرانيا، فى الوقت الذى كانت فيه روسيا قد أنشأت عدة خطوط للغاز “السيل الشمالى 1و2” تحت بحر البلطيق وصولاً إلى ألمانيا التى كان منوط بها دور أكبر فى اعتماد أوروبا على الغاز الروسى، لكن مع بدء العمليات العسكرية فى أوكرانيا استطاعت عناصر أوكرانية بمساعدة بريطانية نسف خطى السيل الشمالى، وكان لروسيا خطوط أخرى السيل الجنوبى عبر تركيا والسيل التركى الواصل لتركيا ، أما السيل الجنوبى فقد أنشأته روسيا لكى تقوم أنقرة ببيع الغاز لأوروبا مقابل نسبة تحصل عليها، والهدف هو أن تحفظ الدول الأوروبية ماء وجهها فى حال مقاطعة الغاز الروسى وكأنها تستورد غاز تركى، وفى نفس الوقت تحظى أنقرة بمكانة استراتيجية كمصدر للغاز إلى أوروبا، على أى حال لم تسر الأمور كما كان متوقعاً واتجهت الدول الأوروبية (بلغاريا) لاستيراد غاز من بعض الدول النفطية فى بحر قزوين أوزبيكستان وأذربيجان وغيرها.
وجدت القاهرة وتل أبيب ضالتهما فى الأزمة الروسية – الأوكرانية، فقد استطاعت إسرائيل عقد اتفاق مع مصر لتسييل الغاز لتصديره لأوروبا التى عانت من نقص الغاز، وكانت تبحث عنه بأي ثمن، كما أحيت الأزمة المذكورة من آمال القاهرة فيما يتعلق بسعيها لأن تصبح مركزا للطاقة فى شرق المتوسط، وبالفعل بدأت مصر وإسرائيل تعاونهما فيما يتعلق بتصدير الغاز لأوروبا، إلى أن جاءت الحرب فى غزة، فأوقفت تل أبيب ضخ الغاز إلى مصر لفترة مؤقتة، لكن توريد الغاز من إسرائيل عاد من جديد.
كانت مجلة “لايف” قد نشرت مقالا عن أن أحد أسباب الحرب فى غزة هى ثروة قطاع غزة النفطية والغازية، وقالت المجلة إن احتياطى الغاز فى الرصيف القاري أمام قطاع غزة يقدر بحوالى 122 تريليون قدم مكعب من الغاز بالإضافة إلى 1,7 مليار برميل من النفط، حجم هذه الثروة من النفط والغاز يقدر بنحو نصف تريليون دولار وبالأسعار الحالية قد تصل إلى 600 مليار دولار. وفى عام 2002 وافق الفلسطينيون على اقتراح شركة “بريتيش غاز” على إنشاء بنية تحتية لاستخراج وتكرير النفط والغاز، والبدء فى إنشاء خط أنابيب غاز من حيث المبدأ يصل إلى أوروبا، إسرائيل اعترضت على ذلك، وأصرت على أن يمر أنبوب الغاز فوق الأراضى التى تحت السيطرة الإسرائيلية، واقترحت على الفلسطينيين بيع الغاز لها بالأسعار المحلية وليس أسعار السوق العالمية، وذلك لكى تتمكن إسرائيل من تصدير الغاز لأوروبا بالأسعار العالمية، وهو ما رفضته السلطة الفلسطينية بالطبع. وهناك نقطة هامة وهو عدم وجود دولة فلسطينية تجعل ترسيم الحدود البحرية سواء مع إسرائيل أو قطاع غزة مسألة صعبة.
ويرى بعض المراقبين أن أحد أسباب الحرب الشرسة على غزة هو محاولة إسرائيل السيطرة على الثروة الموجودة أمام القطاع، وحتى مسألة رفض قيام دولة فلسطينية من قبل إسرائيل لأن هذه الأخيرة لا تريد التفريط فى ثروة جاهزة للاستخراج، كما أن وجود ثروة هائلة كهذه تحت تصرف حماس فى غزة فيها ترى فيه إسرائيل تهديدا لأمنها.
كانت مصر وقبرص قد وقعتا من قبل اتفاقية إطارية موسعة تقضى بتوريد الغاز من حقل “أفروديت” القبرصي إلى مصر، هذا الغاز كان من المفترض أن يذهب للسوق الداخلي فى مصر، والتصدير فى حال سماح الاحتياجات المصرية بفائض (دون مشاركة إسرائيلية). لكن هذا المشروع والاتفاق المبدئي ظل على حاله دون مشاركة لاعبين آخرين، ولذلك سنناقش المسارات الأخرى للغاز التى تحدثت عنها الحكومات والخبراء وهى 1 ـ إنشاء خط أنابيب إسرائيل ـ قبرص ـ اليونان (مشاكل طبواغرافية فى تضاريس قاع البحر المتوسط) 2 ـ إنشاء مصنع تسييل غاز فى إسرائيل أو استخدام البنية التحتية الموجودة بالفعل فى مصر (دمياط وإدكو) من قبل إسرائيل وقبرص 3 ـ انضمام دول شرق المتوسط إلى مشروع ما يعرف “ممر الغاز الجنوبى”، وهو المشروع المخصص لتصدير الغاز الأذربيجانى إلى أوروبا عبر تركيا وأخيراً 4 ـ خط أنابيب للتصدير يمر عبر الأراضى التركية.
من الناحية العملية الأقل مخاطرة هما الحل الأول والثانى وهو خط أنابيب من إسرائيل لقبرص واليونان أو تسييل الغاز باستخدام المصانع المصرية، وقد قامت اللجنة الأوروبية عام 2016 بتخصيص حوالى 2 مليون يورو للقيام بعمل الدراسات الخاصة بإنشاء خط أنابيب، وينظر الخبراء لفكرة تسييل الغاز بأفضلية لأنها ستخرج بالغاز الإسرائيلي فى التصدير لأبعد من أوروبا، وهذا سيكون مفيداً لاحتمال اكتشاف حقول غاز جديدة فى المنطقة، لكن حتى الآن وبحجم الإنتاج الحالى بالنسبة لإسرائيل لا بديل عن مصانع التسييل الإسرائيلية، غير أن إنشاء إسرائيل لمصانع تسييل مع الإنتاج الحالى مكلفة جداً. الحل الأكثر منطقية فى الوقت الحالى هو أن تنضم إسرائيل إلى “ممر الغاز الجنوبى” القادم من أذربيجان خاصة أن الأخيرة لم تستطع حتى الآن ملء خط الأنابيب.
فى الفترة الأخيرة أعربت عدد من الدول للانضمام للخط الأذربيجانى بما فيها مصر وقبرص وإسرائيل وحتى العراق وإيران وتركمنستان، هذه الأخيرة لها قصة مع نقل غازها لأوروبا ليس هنا مجالها. لكن مسئول أذربيجاني كبير أشار إلى أن بلاده لم تتلق حتى الآن أى عرض جاد بخصوص الانضمام لمشروع خط الغاز الجنوبى.
بعض الخبراء يؤكدون على أن نقل الغاز الأقل تكلفة هو عن طريق تركيا، دون الانضمام لخط الغاز الجنوبى، لكن ما يخشاه البعض هو بعض الحساسيات والخلافات السياسية لتركيا مع قبرص اليونانية أو اليونان وإسرائيل نفسها.
فيما يتعلق بمصر فإن إيطاليا وشركة “إينى” الإيطالية لعبت الدور الأكبر فى اكتشاف الغاز فى حقل “ظهر” ولذلك فإن الجزء الأكبر من الغاز المصرى سيتم تصديره إلى أوروبا عن طريق إيطاليا، وذلك لكى تنضم للشبكة الأوروبية الموحدة للغاز، لعبت إيطاليا دوراً مهماً فى اكتشافات نفطية وغازية فى شمال أفريقيا وعلى وجه الخصوص فى ليبيا، وهى من المناطق التى تعرفها شركة “إينى” جيداً وتعرف أن احتياطياتها مازالت وفيرة.
فى كل الأحوال مشكلة غاز شرق المتوسط أن عمليات البحث والتنقيب تتم فى المياه العميقة وهذا أمر مكلف للغاية، لكن بالتأكيد ارتفاع أسعار الغاز بعد استغناء أوروبا عن الغاز الروسي، إلا عددا محدودا للغاية من الدول الأوروبية، سيجعل غاز شرق المتوسط ذى جدوى اقتصادية مما سيعود بالنفع على دول المنطقة وأوروبا.

التعليقات متوقفه