وصول ترامب للحكم يمنح دول البريكس فرصة للتعاون فى القضايا السياسية والإدارة المالية

53

فى الوقت الذى يترقب فيه العالم قدوم ساكن البيت الأبيض الجديد أو الرئيس 47 للولايات المتحدة، الرئيس القديم الجديد بدأت بشائره تظهر من خلال تصريحات تثير الجدل بين الدول سواء الحليفة أو حتى ما يمكن أن نطلق عليها مجازاً المنافسة مثل الصين وروسيا وغيرهما، وسعى هذه الدول لإقامة نظام عالمى جديد ينهى هيمنة واشنطن على مقدرات العالم والتحكم فيه وفى تجارته من خلال العملة الأمريكية الدولار، لذلك تحدث الكثيرون عن أن عودة ترامب للبيت الأبيض من الممكن أن يدفع التكتل المعادى للغرب المتمثل فى روسيا والصين ودول أخرى من دول “البريكس” للتكتل والتلاحم أكثر، بما يهدد هيمنة واشنطن على العالم.

فى 30 نوفمبر 2024، تحدث الرئيس الأمريكى المنتخب ترامب على منصة “إكس” بتصريحات تهديدية، قال إن دول “البريكس” تريد الاستغناء عن التعامل بالدولار “ونحن نقف صامتين نراقب إلى ماذا سيؤدى هذا”. هذا التصريح جاء بعيد المؤتمر السادس عشر لمجموعة “البريكس” والذى عقد فى مدينة “قازان” الروسية، حيث تجمع رؤساء دول وحكومات وممثلون عن 36 دولة و6 منظمات دولية، مما عكس الثقل الدولى لمجموعة البريكس. هدد الرئيس المنتخب ترامب بفرض  “100%  جمارك” على بضائع دول “البريكس” إذا قرروا استبدال الدولار بأي عملة أخرى فى التعامل التجارى بينهم، أو صك عملة خاصة للتعامل بين دول “البريكس”.

تصريح ترامب جاء فى وقت عصيب بالنسبة للعلاقات الاقتصادية العالمية، الكثير من قادة العالم بمن فيهم الرئيس الروسى فلاديمير بوتين، ينتقدون الدولار كعملة عالمية، لأنه تحول إلى سلاح، فى أيدي الدول أثناء الخلافات السياسية. بالإضافة لأن دعوة ترامب لفرض جمارك على كندا والمكسيك قيمتها 25%، و10% على الصين، فإن هذه الإجراءات تظل محل شك فى أنها سوف تساعد على احتفاظ الدولار بالقمة كعملة وعلى هيمنة مؤسسات دول مجموعة “السبع”.

الطريف أن اسم “بريكس” المعروف به هذا التجمع الذى يوجه الغرب اقترحه رجل بنوك غربية يعمل فى مؤسسة مالية غربية ويدعى جيم أونيل. وهو الذى دق ناقوس الخطر من وجود تحالف دولي يمكنه أن يتحدى مجموعة “السبع”، أو أن يتفوق عليها. منذ ذلك الوقت توسعت مجموعة البريكس، وأنشأت العديد من المؤسسات، وقدمت للدول الصغيرة والمتوسطة بديلا للنظام العالمى القائم. فكما هو معروف مساهمة الدول الأعضاء فى “بريكس” فى الناتج الإجمالي المحلى العالمى يمثل 34,9% فى حين أن مجموعة “السبع” 30,05%، وفى إشارة للتقدم الذى تحقق فى “بريكس” يكفى أن ننظر إلى الخلف، النسب التى كانت تتحقق عام 2000، فنجد أن مجموعة “السبع” كانت 43,28% بينما “البريكس” اقتصر على 21,3%، ما يعنى أن البريكس خلال السنوات القليلة القادمة ستكتسح مجموعة “السبع”.

عودة ترامب للبيت الأبيض طرحت عددا من الأسئلة المقلقة، منها هل تستطيع مجموعة “السبع” تحمل ضغط مجموعة “البريكس” مع دعوات ترامب الشديدة الوضوح لعزل بلاده حيث صرح، فى مؤتمر انتخابي فى يوم 8 سبتمبر 2024 أمام الناخبين فى ولاية “فيسكونسين” المترددة، بأن الرئيس الأمريكى القادم بأنه سيحسم مسألة الاستغناء عن الدولار فى التجارة العالمية وقال دون تردد “إذا خرجتم من الدولار، يعنى أنكم لن تقوموا بالتجارة مع الولايات المتحدة، ولهذا الغرض نحن سنفرض رسوما جمركية على سلعكم بنسبة 100%”. هذا التهديد ربما يفسر عدم قدرة دول “البريكس” وعلى مدى 16 عاماً على إيجاد بديل للدولار. فى واقع الأمر فى نوفمبر عام 2017، وأثناء الفترة الرئاسية الأولى لترامب لاحظ مستشار الدولة الصينى يان تسزتشى أن “التطور الغربى لأنظمة ونماذج الإدارة أصبحت أصعب مع الوضع الدولى الجديد” وقال بالحرف “إن إدارة العالم تحت قيادة الغرب “تتعطل” ووصلت إلى “نقطة اللاعودة” أى لا يمكن إصلاحها وهو هنا يشير إلى ضرورة إيجاد نظام بديل “بريكس”.

وليس من قبيل الصدفة أن منظمة “البريكس” أنشئت عام 2009 على وجه التحديد، فهذا العام هو التالى بعد الأزمة المالية عام 2008. ووفق تقرير “بوسطن كونسلتينج جروب” دول “البريكس” يتاجرون مع بعضهم البعض أكثر مما هو مع مجموعة “السبع”. ولكم أن تتخيلوا حجم التجارة بين نصف سكان المعمورة، والذين يمثلون من ربع إلى ثلث الاقتصاد العالمى. وضعت مجموعة من الدول “البريكس” أمامها أربعة أهداف 1) إنشاء منظومة مالية بديلة لتلك الغربية. 2) تنسيق السياسة الاقتصادية فيما بينهم بشكل أفضل  3) الوصول إلى تمثيل أكبر فى إدارة العالم  4) إضعاف الاعتماد على الدولار.

وإذا كان المحللون يحاولون فى هذا الجدل الاستراتيجي، تقييم التهديدات من وجهة نظر العواصم الغربية، فإن علماء السياسة الدولية بنوا قاعدة أفضل لشرح ظاهرة فريدة عن طريق نظرية انتقال السلطة (المقصود هنا الهيمنة الأمريكية الحالية). وهى النظرية التى ابتدعها عام 1958، أستاذ العلوم السياسية بجامعة ميتشجان أرامو فيمو، وطرح فيها كيف أن تكون الدولة السائدة والمهيمنة فى النظام العالمى تهددها دائماً حروب بشكل منتظم، وعندما يلحق بها أو يسبقها من ينافسها الذى أصبح قوياً، والذى وصفه عالم السياسة بأنه عادة ما يطلق عليه المعتدى، وهو ما تقوم به عدد من الدول غير الراضية، وتكون فى دور المهاجم أو المعتدى ليس بالضرورة أن تكون الأقوى بين الدول بل كثيراً ما تكون الأضعف، وإذا طبقنا هذا ـ وفق أستاذ ميتشجان ـ على روسيا والصين على الترتيب، فإن الدولتين تقودون خلفهما الآخرين لكي تستخدمان الجغرافيا والسكان والوزن الاقتصادي، ومن ثم تقترحان مجموعة من المنظمات الدولية الجديدة، منافسة للمؤسسات الغربية التى تقودها مجموعة “السبع”.

لإقامة منظومة اقتصادية استخدمت مجموعة “البريكس” الوزن الاقتصادي للصين وأنشأت بنك تنمية جديد والبنك الآسيوي للاستثمار فى البنية التحتية، واحتياطي نقدى للإقراض، لمنافسة صندوق النقد الدولى والبنك الدولى. ويؤكد البروفيسوران ساورى كاتادرا وسينتيا روبرتس فى كتابهما ” البريكس وإدارة الدول الجماعية للأموال” ضد دول انحرفت بالعولمة وطوعتها وفق إمكانياتها العسكرية والمالية.

ويقول البروفيسوران ديبورا لارسون وأيلكسى تشيفشينكو فى كتابهما “السباق من أجل النفوذ: السياسة الخارجية لروسيا والصين” حيث يشرحان سعى الدولتين الصاعدتين للتفوق فى مجال جديد، ومحاولاتهما الحصول على وضع دولة عظمى، من وجهة نظر الحالة الاجتماعية النفسية. وإقامة مؤسسات متعددة الجوانب موازية وتعكس حالة الانجذاب للسلطة والوضع، وحالة خيبة الأمل من أنهما لا يحصلان على ما هو واجب من الاعتراف بهما كقوى عظمى.

غير أن المشككين فى “البريكس” ومحور روسياـ الصين، -اللذان يديران محور منظمات مالية موازية،- يشيرون إلى اختلاف النظم والإمكانيات الاقتصادية المختلفة لدول مجموعة “البريكس” وهيمنة المؤسسات المالية التى تحت سيطرة مجموعة “السبع”، وأوضح أستاذ الاقتصاد بجامعة كاليفورنيا “بيركلى بارى إيخنرجين” بشكل مقنع قصور اليوان الصينى، وأن اليوان الصينى يستخدم فى الحسابات فى التجارة مع دول العالم الخارجى بنسبة لا تزيد على 6% فقط، والبنوك الصينية تستخدم فى الحسابات فقط بحوالى 3% من الصفقات اليومية، مقارنة بالدولار الأمريكى كوسيلة للدفع، كما أن قدرة الصين على تأمين السيولة والسرية وحماية البيانات ما زالت محل تساؤل، وفق الأستاذ الأمريكى.

وفيما يتعلق بالبريكس والأمن والتنافس بين الدول الأعضاء فى المجموعة، فإنها تجعل التعاون البناء بين دولها محل شك كبير. على سبيل المثال الصين والهند تعملان بحرص داخل “البريكس” بعد الصدام المسلح الذى حدث بينهما على الحدود فى “جالفان” عام 2020، والذى قتل فيه 20 جنديا من الهند و4 جنود صينيين، نتيجة هذا النزاع عمقت الهند من علاقاتها مع الولايات المتحدة، ويؤكد هذا زيارة رئيس الوزراء الهندى ناريندرا مودى لواشنطن عام 2023، والتى أسفرت عن اتفاقيات ضخمة للتعاون العسكرى، وأكد المتحدث باسم البنتاجون أن مثل هذه الاتفاقيات لم تكن موجودة، فى حين الآن يتم “إنتاج واختراع أسس نظم دفاعية مشتركة”.

بالإضافة لذلك هناك دول من التى انضمت حديثاً من الشرق الأوسط بعد قمة 2023 (إيران ومصر والإمارات العربية المتحدة)، سيكون لها تأثير على وحدة مجموعة “البريكس” والتنافس الإقليمي الذى سيصاحب منظمة “البريكس”. كما أن التحاق المملكة العربية السعودية بالبريكس، سيصعد هذا التنافس أكثر إذا أخذنا فى اعتبارنا التنافس فى مجال الأمن مع إيران. الرياض أعربت عن ذلك من خلال حضور وزير الخارجية السعودي لقمة قازان عام 2024 فى اخر يوم من القمة، وهو ما يعكس أن نادى “البريكس” ما هو إلا مكان احتياطى للدول المتوسطة وهم ليسوا مستعدين للاندماج فيه كلية.

وعلى الرغم من أن الدول أعضاء البريكس لديها عدد من الخصائص (على سبيل المثال ليسوا دول موالية تماماً للغرب)، ومن ثم فإن التنافس فيما بينها من الممكن أن يكون عائقا، لكى تكون المجموعة منظمة كاملة الأهلية، يربطها اتفاق، هذا إذا تغاضينا عن الالتزامات فى مجال الأمن. وبالإضافة للتنافس بين الهند والصين من ناحية والمملكة العربية السعودية وإيران من ناحية أخرى، يشير بعض المعلقين إلى عدم كفاية التوازن الاقتصادي فيما بين دول “البريكس” مقارنة بالمنظمة التى تقودها الولايات المتحدة، مع عدم كفاية النبرة المعادية للغرب فى مرجعية “البريكس”. كما لا توجد معايير واضحة لعضو “البريكس” “المثالي”، كما أنه لا يوجد طريق واضح لدول “البريكس” للتنسيق فيما بينها.

المشككون فى “البريكس” يشيرون إلى أنها تشبه نمر من ورق أو بيت من أوراق اللعب، ورغم أى شيء فإن وجود ترامب على رأس قيادة “السبع” ليس ضمانا لزيادة التلاحم الداخلي بين دول البريكس، إلا أن وصول ترامب سيمنح دول البريكس فرصة للتعاون أكثر فى القضايا السياسية والإدارة المالية، لصالح دول المجموعة، خاصة تلك المفروضة عليها عقوبات. وبصفة عامة هناك تناقضات كبيرة بين دول “بريكس”، وعلى المنظمة أن تقوم بتسوية الخلافات بين دولها الأعضاء، وفى نفس الوقت توقيع اتفاق يلتزم به الجميع ويكون إطارا لتسوية الخلافات، وحتى لا تكون المجموعة مجرد حل احتياطى يمكن اللجوء إليه عند الخلاف مع الغرب.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy