تصريحات مستشار الرئيس بوتين هل تكون بداية التفاوض
المفاوضات القادمة حول أوكرانيا ستكون بين الولايات المتحدة وروسيا فقط
لا مجال للحديث عن المقاطعات التى انضمت لروسيا فى أى مفاوضات
مولدوفا وأوكرانيا .. دول ستختفى خلال العام الحالى
يبدو أن قطار الرئيس الأمريكى القادم بسرعة شديدة، والذى قام بفرم أزمة غزة فى طريقة وأخرج نتنياهو من بيته يوم السبت للقاء مبعوثه الخاص قد بدأت تداعياته تأتى أثرها على نزاعات أخرى فى العالم، وهانحن نشهد هذا الحديث التصعيدي للسيد نيكولاى باتروشوف، أحد المقربين جدًّا من الرئيس بوتين ومستشاره وأحد أهم صقور السياسة الخارجية الروسية وأحد مهندسى عملية أوكرانيا العسكرية والذى يرفض تقديم أى تنازلات فى الملف الأوكرانى، بل يرفض من الأصل التفاوض مع أوكرانيا أو حلفائها الأوروبيين من الأصل ويريد اقتصار المفاوضات على الولايات المتحدة وروسيا …. لنتابع الحديث المنقول بتصرف مع بعض التعليقات.
فيما يبدو أنه القواعد الجديدة التى على أساسها ستتفاوض روسيا مع الولايات المتحدة فيما يخص الشأن أو النزاع الأوكرانى، أدلى مستشار الرئيس الروسى نيكولاى باتروشوف، والذى كان يشغل من قبل سكرتير مجلس الأمن القومى الروسى وحاليا عضو دائم فى مجلس الأمن القومى الروسى، وأحد صقور السياسة الروسية ويعتبر أحد مهندسى العملية العسكرية الروسية والمتحمس لها فى أوكرانيا، بحديث لصحيفة “كمسمولسكايا برافدا” الروسية الواسعة الانتشار، قال فيه: ما زال الجزء الأكبر من العالم ينظر إلى الولايات المتحدة لتحل مشاكل العالم، في حين أن النخبة الأمريكية نفسها منقسمة وليس لديها تصور موحد حول كيفية انتهاج سياسة سواء فى العالم أو فى داخل الولايات المتحدة. وأضاف السيد باتروشوف إن لدى ترامب خطة بأن يعيد الولايات المتحدة للسياسة البراجماتية، التى من الممكن أن تكون مفيدة للدولة وللمواطنين الأمريكيين، لكن كيف سيكون هذا فيما يتعلق بمصالح الدول والشعوب الأخرى، حتى الآن الأمر غير واضح. وأضاف أحد صقور السياسة الروسية على أى حال نحن اليوم نعتبر شهود تغيرات جوهرية تحدث فى العالم، أنا لا أعنى فقط فى الأمور الجيوسياسية والعمليات الثقافية. أخر مرة حدثت فيها مثل هذه الهزات القوية كانت بعد انهيار الاتحاد السوفيتى، عندما لم يستطع الغرب التواؤم مع الواقع الجديد، واستمر فى العيش كما لو كان ما زال يعيش فى فترة الحرب الباردة، باحثاً لنفسه دائما عن أعداء.
وحول تصريحات ترامب اليومية التى تطرح يوميًّا أفكارًا جديدة، مع انتقاد كل ما كان يفعله سلفه بايدن، قال نيكولاى باتروشوف إن رئاسة بايدن أظهرت أن أولويات البيت الأبيض والمواطنين البسطاء مختلفة. لكنه عاد وقال فيما يتعلق بترامب، فإنه ليست كل النخب الأمريكية متوافقة مع ترامب، وأن وجهة نظره تختلف عن خططه، التى حملها ممثلو الحزب الديموقراطى، وبعض ملاك الشركات الضخمة العابرة للقارات، ولهذا فإن من المهم جداً تأمين ترامب والمحيطين به حتى يوم التنصيب، وحتى أثناء فترة رئاسته (ربما هنا يتوقع خطورة على حياة ترامب نتيجة صراع داخلى).
وفى سؤال حول تصريحات ترامب الخاصة بجرينلاند وقناة بنما وخليج المكسيك، فى نفس الوقت الذى يتجاهل فيه الحديث عن مستقبل أوكرانيا على عكس ما كان يفعل بايدن فى كل مناسبة أشار السيد باتروشوف إلى أن أوكرانيا بالنسبة لفريق بايدن الرئاسى كانت أولوية، والعلاقات متوترة بين ترامب وبايدن، ولهذا لن تكون أوكرانيا ضمن أولويات ترامب، ما يقلق الأخير فى الواقع هى الصين. بالإضافة لهذا هو يريد طى خريطة العالم تحت مصالحه والتدخل فى شئون دول أخرى (كندا والدنمارك وبنما والمكسيك) واختتم نيكولاى باتروشوف بأنها عادة أمريكية قديمة. أما عن احتمال تقوم الولايات المتحدة بإرسال جيش للاستيلاء على ولايات جديدة تضمها، نفى مستشار الرئيس بوتين ذلك، وقال هذا ليس له أساس وإن كانت إدارة ترامب ستحاول الحصول على فوائد بالضغط فى هذه الاتجاهات. وتوقع رجل روسيا القوى أن يتصاعد التوتر بين واشنطن وبكين فى الفترة المقبلة، ولم ينس التأكيد على أن الصين أهم شريك لروسيا، وتربطهما علاقات تعاون متميزة واستراتيجية، وهذه العلاقات ستستمر بصرف النظر عن ساكن البيت الأبيض.
تحدث باتروشوف عن حماية المواطنين الروس حول العالم وتطرق إلى المواطنين الموجودين فى جمهوريات البلطيق (لاتفيا وليتوانيا واستونيا) ومولدوفا (جمهورية صغيرة على الحدود الغربية مع أوكرانيا)، وقال إن السلطات فى هذه الجمهوريات ستدخل نفسها فى أزمة عميقة بتصرفاتها التى تفتقر للتفكير، بالإضافة إلى سياسة التخويف من الروس، خاصة فيما يتعلق بأزمة الطاقة التى حدثت مؤخراً فى مولدوفا، والتى تسببت فيها السلطات المولوفية بأوامر من بروكسل بأن تقلل كيشينيوف (عاصمة مولدوفا) الاعتماد على الغاز الروسى. مولدوفا بدأت تخطو خطوات نحو الاتحاد الأوروبى وفق تغيير الدستور فى استفتاء أخير، وهى لا تريد فى الوقت الحالى الانضمام للناتو وأعلنت ذلك صراحة لأنها ربما لا تريد أن تلقى مصير كييف. لكن الأهم من الانضمام للاتحاد الأوروبى توقع باتروشوف اختفاء مولدوفا كجمهورية مستقلة ذات سيادة، لأنها على حد قوله ستنضم لدولة أخرى وتختفى من الخريطة (على الأرجح ستنضم لرومانيا وهى مسألة ليست جديدة، وأن هذا المقترح قديم لكن اعترضت عليه جمهورية بريدنستروفيه ذات الحكم الذاتي والموالية لروسيا).
انتقل السيد باتروشوف إلى الملف الأوكرانى الشائك والذى فى اعتقادي أنه كان الهدف الأساسي لهذه المقابلة، لأنه كما أتصور أراد أن يطرح شروط التفاوض القادمة والتى يقترح ترامب إجراءها فى أقرب وقت، وقال مستشار الرئيس بوتين مسألة الأراضى التى دخلت ضمن الأراضى الروسية ليست محل تفاوض أو حتى نقاش، وأشار إلى أن المقاطعات الست انضمت بكامل إرادتها – وفق قوله – من خلال استفتاء شعبى بإرادة حرة وفق القانون الدولى وقوانين روسيا وتشريعات تلك المناطق، ليس محل تفاوض. فيما يتعلق بالعلاقات بين روسيا وأوكرانيا أشار إلى أنها ستظل كما هى دون تغيير، وأضاف بالنسبة لنا الأهم هو تحقيق أهداف العملية العسكرية الروسية وهى أهداف معروفة ولم تتغير، وقد ذكرها الرئيس بوتين فى أكثر من مناسبة، والأهم – وفق قول – باتروشوف هو اعتراف العالم بأن المناطق التى تسيطر عليها روسيا الاتحادية حالياً، تعتبر جزءا لا يتجزأ من روسيا وفق الدستور الروسى (المناطق هى دنيتسك ولوجانسك وزابوروجيا وخيرسون إضافة بالطبع إلى القرم وسيفاستوبل)، ولم ينس السيد باتروشوف التأكيد على أن الشعب الأوكرانى هو الأقرب والأخ للشعب الروسى وتربطه بروسيا روابط كثيرة، رغم ما تقوله الدعاية الأوكرانية. أعرب مستشار الرئيس بوتين عن قلقه مما يحدث فى بعض المدن الأوكرانية مثل خاركيف وأوديسا ونيكولايف ودنيبروبتروفسك من دعاية يقوم بها النازيون الجدد الأوكران لتخويف الشعب الأوكرانى هناك من روسيا، ثم ألقى السيد باتروشوف بقنبلة من العيار الثقيل عندما قال إنه لا يستبعد أن تختفى أوكرانيا تماماً خلال العام الحالى من الوجود كدولة. وعن تطور الأحداث بشكل محدد مع الأخذ فى الاعتبار عامل قدوم ترامب، فنحن نحترم تصريحاته، لكنى أعتقد أن المباحثات حول أوكرانيا يجب أن تكون بين الولايات المتحدة وروسيا فقط، دون أى مشاركة من دول الغرب الأخرى، ليس لدينا ما نتحدث به مع لندن وبروكسل (يقصد الاتحاد الأوروبى)، وانتقد قيادة الاتحاد الأوروبى التى وصفها بأنها لا تمثل الأعضاء فى الاتحاد مثل المجر وسلوفاكيا والنمسا ورومانيا وغيرها، وأشار إلى أن دول أوروبية أخرى يعنيها الاستقرار فى أوروبا وهى لذلك لها مواقف متزنة فى علاقاتها مع روسيا.
الموقف الآن؛ روسيا فى انتظار مكالمة ترامب، وإن كان أوشاكوف مستشار الرئيس بوتين خفف من “اللهفة” الروسية فى هذا الاتجاه عندما قال نحن نعيش فى هدوء وننتظر إشارة من واشنطن للاستعداد لأى مفاوضات، يأتى هذا فى الوقت الذى تبذل فيه القوات الروسية جهوداً مضنية لتستكمل السيطرة على ما تبقى من المقاطعات التى تسيطر على أجزاء كبيرة منها للوصول إلى حدودها الإدارية، ويقال إن روسيا تحاول استعادة الضفة اليمنى من نهر دنيبرو فى مدينة خيرسون، وكانت روسيا قد انسحبت منها لأسباب استراتيجية.
بينما على الجانب الأوكرانى حالة من اليأس فى انتظار أى تفاوض يوقف الحرب، ويضمن لأوكرانيا العيش فى سلام حتى ولو بعد خسارة جزء من أراضيها، وأصدر الرئيس الأوكرانى قانونا يسمح للهاربين من الخدمة بالعودة للخدمة دون توقيع أى جزاءات عليهم إذا حدث ذلك قبل نهاية مارس، من المعروف أن عدد الهاربين من الجيش يقدر بحوالي 60 ألف جندى، بالإضافة إلى أن الجنود الذين يرسلون للتدريب إلى دول مثل فرنسا أو ألمانيا يهرب كثير منهم، ويرفض الرئيس الأوكرانى خفض سن التجنيد إلى 18 عاماً حسب طلب أمريكى.
يأتى هذا فى الوقت الذى وقع فيه رئيس الوزراء البريطانى مع الرئيس زيلنسكى اتفاق شراكة لمدة مائة عام، وهو هنا ربما يرد على قول باتروشوف بأن أوكرانيا ستختفى، لكن الأهم هو مناقشة إرسال قوات حفظ سلام إلى أوكرانيا بالاشتراك مع فرنسا وهو ما ترفضه روسيا تماماً، لأن هذه قوات ناتو من ناحية بالإضافة إلى أن روسيا تتحدث عن اتفاق سلام ووجود قوات يعنى تجميد للنزاع، بينما هى تريد سلاما دائما. كما أن روسيا تخشى من وجود القوات الأجنبية لأن هذا قد يشجع أوكرانيا على الإقدام على الهجوم على الأراضى الروسية الجديدة، مما قد يدفع روسيا للاشتباك مع دول الناتو وهو ما لا ترغب فيه روسيا لأنها غير مستعدة له، كما أنها مشغولة بالملف الأوكرانى.
ومع احتمالية حدوث مشاكل فى سوريا، تحاول موسكو حاليا تدعيم موقفها من خلال إيران بتوطيد العلاقات، ولا أستبعد محاولتها الحصول على قاعدة فى إيران كانت طهران قد رفضت إعطاءها لروسيا من قبل، سنرى التغيرات ستتوالى، هناك رئيس أمريكى جديد، وما فعله فى غزة لا يمكن أن يفعله فى نزاع تشارك فيه روسيا، ولنرى ماذا سيفعل فى أوكرانيا، فقد أوضح باتروشوف وهو شخصية لها وزنها فى القيادة الروسية موقف بلاده وشروط التفاوض.

التعليقات متوقفه