اجتماع الرياض بين الوفدين الأمريكى والروسى

هل تحدث قطيعة بين أوروبا والولايات المتحدة؟ لا غنى لكييف والاتحاد الأوربي عن واشنطن وزير الخارجية الأمريكى لن نفرض حلولًا على أوكرانيا أو الأوروبيين

45

لأول مرة وفى الثامن عشر من فبراير ومنذ ثلاثة أعوام يلتقي وفدان أمريكى وروسى على هذا المستوى، اللقاء جرى فى العاصمة السعودية الرياض، التى اتجهت إليها أنظار العالم على أساس أنه من الممكن أن يضع اللقاء أساسا لتسوية النزاع الروسى – الأوكرانى، الذى استمر لمدة ثلاثة أعوام وحصد عشرات الآلاف من الأرواح من الجانبين، لكن فى البداية يجب تطبيع العلاقات بين البلدين.

هذا الاجتماع كان السهم الأخير فى جعبة الدبلوماسية الأمريكية والذى أطلقته مع مكالمة الرئيس ترامب لنظيره الروسى بوتين، وفى أثناء استمرار اجتماعات مؤتمر ميونيخ للأمن فى أوروبا، صرح الرئيس الأمريكى بأن اجتماع الرياض هو بين الولايات المتحدة وروسيا وليس له علاقة بتسوية النزاع الروسى ـ الأوكرانى دون الأخيرة، لكن سيكون لجس نبض إمكانيات التسوية، إلا أن كييف غضبت وبعد أن كان الرئيس الأوكرانى يريد زيارة المملكة العربية السعودية أجل زيارته وفضل الذهاب إلى تركيا، حيث استضاف الرئيس التركى أول مفاوضات بين روسيا وأوكرانيا فى اسطنبول بعيد العملية العسكرية الروسية، وكأنه يقول للرئيس الأمريكى هناك وسطاء آخرون من الممكن أن يلعبوا دور الوسيط، الشروط التى توصل إليها اجتماع اسطنبول جيدة ومقبولة بالنسبة لأوكرانيا، غير أن زيارة لرئيس وزراء بريطانيا حينها بوريس جونسون لأوكرانيا قلبت الأمور رأساً على عقب وجعلت كييف تفضل الحرب على تنفيذ الاتفاق.

وعلى غير المتوقع لم تحدث مفاجآت نتيجة اجتماع الرياض، فلم يعلن لا ماركو روبيو، وزير الخارجية الأمريكى، ولا نظيره الروسى سيرجى لافروف عن اتفاق تاريخى، بل ما تحدثا عنه عبارات عادية تقليدية، عند الحديث عن احتمال لقاء الرئيسين بوتين وترامب لم يجب لافروف بل قال “ليس الأسبوع القادم”، فى حين أعلن وزير الخارجية الأمريكى إن اللقاء متوقف على سير المباحثات، ورغم أن وسائل الإعلام العالمية تحدثت عن أنه على جدول الأعمال ترتيب الإعداد للقاء الرئيسين، إلا أن المسئولين على ما يبدو غير مستعجلين، وفى الكرملين أعلنوا أنه لم يتم الاتفاق على مكان القمة. فهل هذا يعنى أن المقابلة لم تكن على مستوى من النجاح يسمح بلقاء الرئيسين؟.

على أى حال لم يكن أمام الوفدين مهمة تحقيق نجاح خارق، خاصة أن يورى أوشاكوف مستشار الرئيس بوتين وعضو الوفد الروسى فى الرياض كان قد صرح بمجرد وصوله للعاصمة السعودية بأن “واشنطن وموسكو سيتفقان كيف يبدآن الاتفاق”، من وجهة النظر هذه فإننا يمكن أن نقول إنه تم تحقيق نجاح محدود، وفى كل الأحول لقاء روسيا وأمريكا فى كل الأحوال خفف كثيراً من التوتر فى العالم وهو فى حد ذاته كلقاء يعتبر إنجازا بعد قطيعة لثلاث سنوات، وجعل النزاع الأوكرانى يشهد حلحلة.

ولعل أهم ما توصل إليه اجتماع الرياض بين روسيا والولايات المتحدة هو استئناف عمل سفارتى البلدين، وإقامة آلية تشاورية للتخلص من أسباب التوتر والبدء فى تكوين مجموعات تفاوض خاصة لحل الأزمة الأوكرانية، وبالفعل عقد اجتماع تشاورى غير رسمى فى جنيف. من هنا يمكننا أن ندرك بأن الولايات المتحدة لم تتفاوض باسم أوكرانيا بل إن الرئيس ترامب نفسه أعلن عن ذلك قائلاً إن أوكرانيا مدعوة للتفاوض والجلوس على مائدة المفاوضات وستدعى أطراف أخرى، ربما يقصد الأوروبيين، رغم أن روسيا لا ترغب فى دعوة الأوروبيين وجاء على لسان وزير الخارجية الروسى بأنه لا صفة للأوروبيين لحضور المفاوضات الخاصة بأوكرانيا، واعتبرهم أحد أسباب استمرار الحرب، بينما يعتبر الأوروبيون أنفسهم أصحاب الشأن بالدرجة الأولى على اعتبار أن المسألة تتعلق بالأمن فى القارة الأوروبية، وفى اجتماع لوزراء دفاع أوروبا قرروا مساعدات عاجلة لأوكرانيا، هى على الأرجح لتعويض النقص فى الدعم الأمريكى المتوقع.

غضب الأوروبيون وأعلنوا عن عقد مؤتمر للأمن الأوروبى حضره كبار الأوروبيين على رأسهم ألمانيا وفرنسا وبريطانيا رغم عدم عضوية الأخيرة فى الاتحاد الأوروبى، وأعلنت بريطانيا عن أنها قد ترسل قوات إلى أوكرانيا تقدر بحوالي 30 ألف جندى لضمان أمن الأخيرة فى حال التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار، وهو ما أثار قلق روسيا، أما فرنسا التى ابتدعت فكرة إرسال قوات، تقاعست هذه المرة واكتفت بأن أعلنت أنها سترسل مدربين فقط، وانتهى الغضب الأوروبى بإقرار حزمة (16) من العقوبات على روسيا، وهو ما أظهر الأوروبيين بعدم الرغبة فى إنها النزاع، إلا فى حالة أن يكون لهم تأثير فى سير الأحداث.

جاء الخلاف بين الرئيسين ترامب وزيلينسكى فى وقت كانا فيه يتبادلان المجاملات منذ أسبوع فقط، عندما تحدث الرئيس الأوكرانى عن “الصداقة والاحترام للرئيس الأمريكى ترامب” والإعراب عن الأمل فى أن تقوم الإدارة الأمريكية الجديدة “بدعم أوكرانيا” ومساعدتها على عقد اتفاق سلام قوى وعادل، لكن لم تمر 24 ساعة على هذه التصريحات الوردية حتى نشب خلاف ووصلة من الإهانات على وسائل الإعلام بين الرئيس ترامب والرئيس الأوكرانى، السبب واضح وهو أن الرئيس زيلينسكى رفض صفقة ترامب الخاصة بثروة أوكرانيا من المعادن الأرضية النادرة، والتى رفضها الرئيس الأوكرانى قائلاً: إنه “لن يبيع بلاده” وهو ما دفع الرئيس الأمريكى إلى وصفه بأنه “ديكتاتور غير منتخب”، وأنه خدع الولايات المتحدة واستولى على 350 مليار دولار للدخول فى حرب هو يعرف أنه لن يكسبها، وقال ترامب إن (زيلينسكى) لن يستطيع إنهاء الحرب بدون واشنطن وترامب، واعتبر ترامب الرئيس الأوكرانى مجرد “كوميديان فاشل” ووصفه بأن شعبيته متدنية للغاية، الرئيس الأمريكى وصف الإدارة الأمريكية السابقة (بايدن) بأن زيلينسكى خدعها.

لكن وعلى ما يبدو جوهر الخلاف هو أن الرئيس ترامب وافق على عقد اجتماع الرياض دون دعوة أوكرانيا، رغم أن الاجتماع لم يكن الهدف منه مناقشة المشكلة الأوكرانية، وما أثار حفيظة الرئيس الأوكرانى على أن واشنطن فى مقترحاتها لحل النزاع كانت مبنية على التنازلات مثل لا لعضوية أوكرانيا فى الناتو ولا استعادة الأراضى التى تسيطر عليها روسيا فى الوقت الحالى.

لم يفوّت الملياردير إيلون ماسك الفرصة ليدلى بدلوه إلى جانب رئيسه ترامب عندما أطلق سهامه حول شرعية زيلينسكى وشكك فيها على اعتبار أن الرئيس الأوكرانى كان يجب أن يخوض الانتخابات الرئاسية التى حان استحقاقها فى مايو من العام الماضى، ووصف البعض هجوم ترامب العنيف على أقرب حلفاء بلاده بأنه لم يسبق له مثيل فى تاريخ الرؤساء الأمريكيين، الذى وصف مساعدة بلاده لأوكرانيا بأنها لم تكن من الأعمال الخيرية. ولم ينته الجدل بالخلاف أو تبادل الاتهامات بين نائب الرئيس جى دى فانس الذى هاجم الديمقراطيات الأوروبية ووصفها بأنها تأتى بالشعوبيين للسلطة، وهو الأمر الذى دفع المستشار الألمانى شولتز للدفاع عن الرئيس الأوكرانى ووصفه بأنه ديموقراطى وأن الرئيس الروسى هو غير الديموقراطى.

البعض وصف الخلاف الأوكرانى- الأمريكى أو تبادل الإهانات بين الرئيسين بأنه ربما يكون إيذاناً بالتخلص من الرئيس الأوكرانى، الذى رفض طلب الرئيس ترامب بالكشف عن بعض من فضائح نجل الرئيس بايدن فى أوكرانيا وقيامه ببعض الأعمال غير القانونية فى أوكرانيا، مقابل الاستمرار فى تقديم المساعدات العسكرية لأوكرانيا “خدمة مقابل خدمة”، عند فوزه بالرئاسة، لكن الرئيس الأوكرانى رفض ذلك، وهو ما كان سبباً فى محاولة خلع ترامب فى الأيام الأخيرة من فترة رئاسته الأولى، ويبدو أن الخلاف الحالى له جذور تعود إلى فترة رئاسة ترامب الأولى، كما أن الرئيس الأوكرانى أثناء الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2024 لم يخف تعاطفه مع الرئيس بايدن وكاملا هاريس.

لكن فى الوقت الذى كانت فيها الحرب الإعلامية تدور رحاها بين الرئيسين، كانت روسيا تشاهد وتراقب المشهد وهى فى غاية السعادة. وللتخفيف من وطأة التلاسن زار المبعوث الخاص للرئيس الأمريكى لأوكرانيا كيت كيللوج العاصمة الأوكرانية كييف، ودعاه الرئيس الأوكرانى لزيارة الجبهة، وكانت التصريحات واللقاءات ودية ولا تعكس الصخب والترشق الدائر فى وسائل الإعلام بين الرئيسين، فقد أعلن مبعوث الرئيس الأمريكى إنه تم الاتفاق على التعاون الاقتصادي والأمنى بين البلدين، وفسر البعض كلمة الاقتصادي هنا تعنى الاتفاق على تنازل الجانب الأوكرانى عن 50% من المعادن الأرضية النادرة، والذى وصفه الرئيس الأوكرانى بأنه سيكون اتفاق متوازن ومتدرج بين الأمن والاستثمار، ما يعنى أنها بداية لنهاية الأزمة الحالية، من جانبه تحدث موقع “إكسيوس” بشكل أكثر دقة وأعلن أن الولايات المتحدة عدلت من اتفاقها حول المعادن الأرضية النادرة، وأشار إلى أن الجانبين الأوكرانى والأمريكي اتفقا على ما يخص المعادن الأرضية النادرة، وسلمت الإدارة الأمريكية التعديلات التى أجرتها على الاتفاق يوم الخميس الماضى، ومن المنتظر أن تقدم الولايات المتحدة المقابل وهو عبارة عن ضمانات أمنية.

يجب الأخذ فى الاعتبار هنا أن أوكرانيا مهمة بالنسبة للناتو وللولايات المتحدة الأمريكية من حيث الموقع والموارد والطبيعية والمساحة وهى الثانية فى أوروبا بعد فرنسا، وفى نفس الوقت لم يلغ أحد فى واشنطن التنافس مع روسيا فيما يتعلق بالسيطرة على أوروبا، التى من يسيطر عليها تكون له الهيمنة فى العالم، والسيطرة على أوروبا كانت محور الحرب الباردة التى كانت دائرة بين الاتحاد السوفيتى والولايات المتحدة، إلى أن تخلت موسكو عنها، وتوسع الناتو شرقاً رغم الوعود بعدم فعل ذلك، وهو ما أدى إلى النزاع الحالى.

فى تصورى أن أوكرانيا فى ظروفها الراهنة بالإضافة إلى أنه ليس لديها ترف أن تفقد الدعم الأمريكى تحت أى ظرف من الظروف، ونفس الشيء بالنسبة لأوروبا، التى تتحدث كثيراً عن أن واشنطن أهملتها عند الحديث مع روسيا وتطبيع العلاقات معها، ولا أعتقد أن أوروبا لديها القدرة على التخلى عن الحماية الأمريكية، على الأقل فى الفترة الحالية، خاصة وهى تسمع أصوات المدافع الروسية على بعد كيلومترات قليلة من أراضيها، بل تتوقع أوروبا وفق وزير الدفاع الألمانى أن تهاجم روسيا حلف الناتو خلال فترة من خمس إلى سبع سنوات. أوروبا فى حاجة حالياً للحماية الأمريكية وحتى لو فكرت الاهتمام بهذا الأمر (الحماية) لنفسها فهى تحتاج على الأقل 15 عاما قادما. من هذا المنطلق فإنه سواء على خط الخلاف بين كييف وواشنطن يمكن اعتبار أن الأمر انتهى بزيارة من مبعوث الرئيس الأمريكى كيللوج، وبالنسبة لأوروبا لننتظر حتى بعد الانتخابات الألمانية 23 فبراير.

 

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy