أمين شباب حزب التجمع بالقاهرة يكتب :الوهم والرغبة..ثقافة الحظ والمعجزة في مصر

*بقلم/ أسامة نجيب مهدي..أمين شباب حزب التجمع بالقاهرة ..

في مجتمعات تعاني من الفقر والتفاوت، يصبح انتظار المعجزات الفردية بديلاً عن البحث عن حلول مستدامة. من باب “ليلة القدر” إلى برامج توزيع المال العشوائية، تتجذر ثقافة الحظ والصدفة على حساب العمل المنهجي والتخطيط الجماعي.
اخترع مصطفى أمين وعلي أمين بابًا في الجريدة أطلقوا عليه اسم “ليلة القدر”، حيث كانوا يستقبلون آلاف الرسائل من القراء الذين يطلبون من السماء تحقيق أمنياتهم في تلك الليلة المباركة. وكانا يتدخلان كملائكة رحمة، فينقذان شخصًا من المعاناة أو يرسلان الهدية التي طلبها، أو يعتنون بمريض على عتبة الموت، محاطين بمظاهر الرعاية والحب، وكأنهما يرجوانه أن يطلب ما يشتهيه قبل رحيله.
على صعيد الفكر، ساهم هذا الباب في إشاعة فكرة الحظ والصدفة، رغم أن صاحبيه كانا من دعاة الحداثة والعصرية والحضارة الغربية. وعلى المستوى المجتمعي، تجسد هذا الباب في اختيار فرد تتاح له فرصة النجاة أو السعادة في اللحظة الأخيرة، بينما يبقى الآخرون في انتظار دورهم في “المعجزة”. في سياق كهذا، تحول الفضول إلى دافع يدفع الناس نحو هذه القصص، حيث بدا الخلاص وكأنه ممكن من خلال مجرد رسالة منشورة في الجريدة.
التاريخ يعيد نفسه بأشكال مختلفة. في الماضي، كان برنامج “كلام من ذهب” الذي يقدمه طارق علام يختار بائعًا متجولًا ويمنحه الجنيه الذهب بطرق مختلفة. حاليًا، نرى أحمد العوضي على صفحته يطرح أسئلة على المتابعين ويمنح كل فائز 10 آلاف جنيه، فيما يوزع محمد رمضان الأموال على الفقراء في برنامجه “مدفع رمضان”.
في لقاء للمخرج توفيق صالح، علق على فيلم درب المهابيل الذي يتناول صراع الحارة على ورقة اليانصيب، قائلًا: “فضحت قصة ورقة اليانصيب حالة الفقر والطمع والعلاقات بين سكان الحارة والصراع للحصول على المال داخل المكان الواحد، وكأن الحارة مجسم عن البلد. الكل بحاجة إلى معجزة، مثل فيلم فيتوريو دي سيكا: معجزة في ميلانو (1951)، لكن المعجزة هنا مصدر خلاف لأنها فردية.”
تعكس هذه البرامج والقصص نزعة إلى تعزيز روح الخلاص الفردي، حيث يتمنى الجميع أن يكونوا في مكان الفائز، منتظرين دورهم في حدوث المعجزة. غير أن هذا النموذج يؤدي إلى تكريس التفاوت وتعميق مشاعر الإحباط والغبن الاجتماعي، في ظل غياب فرص أكثر عدالة. في المقابل، يُظهر الواقع أن تعزيز العمل الجماعي وفلسفة الأجر العادل يسهمان في تقليل الفوارق الاجتماعية وإيجاد حلول مستدامة لمشكلات المجتمع.
من هذا المنطلق، يمثل التفكير العلمي بديلًا واضحًا لثقافة انتظار المعجزات الفردية، حيث يعتمد على المنهجية والأدلة ولتحليل المنطقي لفهم العالم وإيجاد حلول لمشكلاته. بدلًا من انتظار هبة من السماء، يعتمد التفكير العلمي على الملاحظة الدقيقة وطرح الأسئلة واختبار الفرضيات من خلال التجارب القابلة للتكرار. فعلى سبيل المثال، بدلًا من انتظار معجزة لعلاج مريض، يعمل العلماء على تطوير أدوية جديدة بناءً على أبحاث مكثفة واختبارات سريرية دقيقة.
يُظهر التفكير العلمي أيضًا أهمية العمل الجماعي، حيث يتم تبادل المعارف والنتائج العلمية لضمان دقة الاكتشافات وصحتها. في المجتمع، يمكن أن يكون هذا النهج أداة فعالة لمواجهة الفقر والتفاوت الاجتماعي، من خلال تطوير سياسات قائمة على البحث والبيانات، بدلًا من الاعتماد على المبادرات العشوائية.
تُظهر تجارب المجتمعات الناجحة أن بناء أنظمة تعليمية وصحية واقتصادية عادلة يسهم في تحقيق استقرار أكبر وتنمية مستدامة، مقارنةً بالاعتماد على الفرص العشوائية أو الحلول المؤقتة.
تعكس تجارب التاريخ والمجتمعات الحديثة أن تحقيق العدالة والاستقرار لا يتحقق بالصدفة أو المعجزات الفردية، بل من خلال التخطيط والعمل الجماعي القائم على أسس علمية واضحة.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy