إبراهيم نوار يكتب:الحكومة تقع في فخ استخدام الأصول لسداد أعباء الديون

80

*بقلم/إبراهيم نوار

من تخصيص آلاف الكيلومترات من الأراضي المصرية على ساحل البحر الأحمر كضمانات للاقتراض بالصكوك الإسلامية، وآلاف غيرها في الساحل الشمالي الغربي للبيع أو التأجير للمستثمرين الأجانب بهدف الحصول على موارد مالية إضافية، تحاول الحكومة تجنب تعقيدات التأخر في سداد مستحقات الدائنين، مع بداية السنة المالية الجديدة، حيث تجري أيضا مع صندوق النقد الدولي المراجعة الخامسة لقرض التسهيلات الممددة. وكانت مصر قد حصلت بعد المراجعة الرابعة على 2.5 مليار دولار من الصندوق، إلى جانب تفاهمات بشأن بعض الإخفاقات في تنفيذ إصلاحات هيكلية كان قد تم الاتفاق عليها في المراجعة الثالثة. وقد اعتبر الصندوق أن ظروف التوتر العسكري المحيطة بمصر تمثل مبررا كافيا لغض النظر مؤقتا عن تأخرها في تنفيذ تلك الإصلاحات. التمويل الذي حصلت عليه الحكومة من الصندوق، ينقسم إلى جزءين:1.2 مليار دولار من قرض التسهيلات و 1.3 مليار دولار من قرض جديد بشروط ميسرة من حيث التكلفة وفترة السداد، من المفترض تخصيصه لزيادة قدرة الاقتصاد على تحمل الصدمات والأزمات الطارئة.

لكن المراجعة الخامسة تصطدم الآن بظروف طارئة جديدة بسبب نشوب الحرب الإسرائيلية- الإيرانية، وما تنطوي عليه من تهديدات اقتصادية تتعلق بمصادر الدخل القومي، خصوصا قناة السويس، واضطراب إمدادات الطاقة بسبب تراجع كميات الغاز التي يتم الحصول عليها من إسرائيل. ويمتد تأثير اضطرابات إمدادات الغاز إلى قطاعات الزراعة والصناعة والتصدير، لأن جزءا من هذه الإمدادات يغذي صناعة الأسمدة، التي تعتمد عليها الزراعة، والصناعات البتروكيماوية التي تسهم مع الأسمدة بنسبة كبيرة من حصيلة الصادرات. ومع حاجة الحكومة لتمويل شراء كميات أكبر من الغاز من السوق الفورية فإن ذلك يضيف ضغوطا أكبر على موارد النقد الأجنبي المتاحة. النتيجة الرئيسية لكل ذلك، على الرغم من الزيادة الكبيرة في تحويلات المصريين العاملين في الخارج، هي اتساع نطاق العجز في الحساب الجاري، الذي يعتبر أحد مصادر قلق الصندوق فيما يتعلق بالتوازن المالي الخارجي. ويقدر خبراء الصندوق أن عجز الحساب الجاري لمصر سيتسع إلى 5.8% من الناتج المحلي خلال العام المالي الحالي قبل أن ينخفض إلى 3.7% في العام المالي المقبل. ولذلك لم يكن هناك خيار أمام الحكومة أسهل من اللجوء إلى إتاحة الأراضي المصرية للمستثمرين الأجانب سواء بالبيع أو حق الانتفاع أو التأجير لمدد طويلة مقابل الحصول على سيولة بالعملات الأجنبية.

 

وإضافة إلى بيع الأراضي أو رهنها كضمان للحصول على تمويل، تتضمن ميزانية السنة المالية الجديدة إصدار أذون وسندات مستحقة على وزارة المالية بقيمة 1.5 تريليون جنيه تقريبا بنسبة زيادة تبلغ 19.4% عن السنة المالية التي تنتهي بنهاية الشهر الحالي. ومن المتوقع أيضا تنفيذ برنامج للاقتراض الخارجي بقيمة 8 مليارات دولار. وهناك تقديرات عامة تشير إلى أن قيمة سداد أعباء الديون الخارجية المستحقة على مصر في عامي 2025 و 2026 تتراوح بين 44 مليارا و 55 مليار دولار، منها 33.2 مليار دولار حتى نهاية العام الحالي فقط. وتستنزف خدمة الديون الخارجية نسبة كبيرة من حصيلة النقد الأجنبي. ومن المتوقع أن تبلغ هذه النسبة في السنة المالية الحالية حوالي 9%  أي ما يعادل ثلاثة أمثال ما كانت عليه خلال الفترة من 2018 الى عام 2023، حيث بلغت 3% فقط من الحصيلة في المتوسط سنويا. وتتبنى الحكومة في الوقت الحاضر إستراتيجية متوسطة الأجل لتخفيض الدين العام المحلي والأجنبي، تستهدف تخفيض نسبة الدين من الناتج المحلي الإجمالي إلى 60% في عام 2030 مقارنة بما يقرب من 90% عام 2023/2024، حسب البرنامج المقدم لصندوق النقد الدولي.

وتركز المناقشات الجارية حاليا مع صندوق النقد على الإصلاحات الضرورية التي من شأنها تحسين بيئة الأداء الاقتصادي بشكل عام. ويعتقد الصندوق أن تنفيذ سياسة ملكية الدولة وبرنامج التخارج من الأصول في القطاعات التي التزمت الدولة بتقليص دورها فيها سيلعب دورا حاسما في تعزيز قدرة القطاع الخاص على المساهمة بشكل أفضل في النمو الاقتصادي. وخلال الزيارة التي قام بها وفد الصندوق إلى مصر في الشهر الماضي لاحظ الخبراء أن حصة الاستثمار الخاص مقارنة بالاستثمارات الإجمالية ارتفعت إلى 60% تقريبا في النصف الأول من السنة المالية مقارنة بحوالي 38.5% في الفترة المقابلة من السنة المالية السابقة. لكن خبراء الصندوق أبدوا قلقهم من زيادة العجز في الحساب الجاري، على الرغم من أن زيادة تحويلات العاملين في الخارج والإيرادات السياحية وحصيلة الصادرات غير النفطية قد عوضت إلى حد كبير تدهور ميزان التجارة غير البترولية وهبوط إيرادات قناة السويس. ومع ذلك فإن تحقيق استقرار مستدام يصطدم بحقيقة أن إسرائيل كعنصر يزعزع استقرار المنطقة يخلق ظروفا اقتصادية غير مواتية لتحقيق نمو مستقر. ولهذا فإن الصندوق يسعى في جولة المحادثات الحالية إلى حث الحكومة على تنفيذ الإصلاحات الهيكلية الضرورية لزيادة صلابة الاقتصاد وقدرته على التحمل. وفي هذا السياق ابدي الوفد ملاحظات صارمة بشأن ضرورة تقليص دور الشركات المملوكة للدولة وأجهزتها في الاقتصاد، وتوفير فرص متكافئة لجميع أطراف السوق.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy