قبل أيام، وقعت حادثة على أحد الطرق في مصر أثارت جدلًا واسعًا. أربعة شباب يقودون سياراتهم يطاردون فتاتين بسيارة أخرى في مطاردة استمرت مسافة طويلة. الضغط النفسي والخوف الذي عاشته الفتاتان دفعهما إلى فقدان السيطرة على السيارة، وانتهى الأمر بحادث. كان من الطبيعي أن يتوجه الرأي العام لإدانة هذا الفعل العدواني الواضح، لكن المفاجأة أن موجة كبيرة من التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي لم تنشغل بإدانة المطاردين بقدر ما انشغلت بمهاجمة الفتاتين. بدأ البعض يطرح أسئلة عن ملابسهما، أو سبب وجودهما في ذلك المكان، أو توقيت خروجهما، وكأن حياتهما وسلامتهما أمر مشروط برضا المجتمع عن مظهرهما وسلوكهما.
هذا المشهد ليس جديدًا. فقد تكرر في أحداث كثيرة، أبرزها حادثة مقتل نيرة أشرف، طالبة جامعة المنصورة، عام 2022. نيرة قُتلت أمام باب الجامعة، وفي وضح النهار، وعلى مرأى من المارة، على يد زميلها بعد أن رفضت الارتباط به. الجريمة كانت واضحة، لكن بدلًا من أن تلتف الأصوات حول المطالبة بالعدالة، انشغل كثيرون بالبحث عن تفاصيل من حياة نيرة لتبرير ما حدث. ظهرت صفحات ومنشورات تشكك في أخلاقها أو تقلل من حقها في الرفض، حتى أن القاتل نفسه تحوّل في نظر البعض إلى ضحية “جرح مشاعر”.
هذه العقلية، التي يطلق عليها عالميًا اسم “لوم الضحية” أخطر مما نتصور. فهي لا تكتفي بعدم مساندة الضحايا، بل تفتح الباب أمام تكرار الجريمة. عندما يعلم المعتدي المحتمل أن المجتمع سيبحث له عن مبررات، ويقلب الطاولة على الضحية، فإن ذلك يشجعه ويدفعه للإقدام على الفعل بلا خوف. وفي المقابل، تدفع هذه الثقافة الضحايا المحتملات للصمت، خوفًا من الإهانة والتشويه إذا تجرأن على الكلام أو الإبلاغ.
المشكلة أن لوم الضحية يتسلل إلى وعينا من خلال عبارات نسمعها يوميًا: “ما هي اللي استفزته”، “أكيد عملت حاجة”، “لو لبسها كويس ماكانش ده حصل”. هذه الجمل البسيطة تبدو للبعض منطقية، لكنها في الحقيقة تبرير للعنف، وإعفاء غير مباشر للجاني من مسؤوليته.
الحلول لهذه الظاهرة ليست سهلة، لكنها ممكنة. أول خطوة هي الاعتراف بأن هناك مشكلة حقيقية في طريقة تعاملنا مع قضايا العنف، خاصة ضد النساء. ثم يأتي دور الإعلام، الذي يجب أن يتوقف عن الإيحاء بأن سلوك الضحية سبب الجريمة. التغطية الصحفية يجب أن تكون واضحة في إدانة الفعل، دون الخوض في تفاصيل شخصية للضحية لا علاقة لها بالقضية.
التعليم أيضًا يلعب دورًا مهمًا. من سن صغيرة، يجب أن نغرس في الأطفال قيم احترام الآخرين، وفهم أن الخلاف أو الرفض لا يبرر الاعتداء. هذه القيم لا بد أن تكون جزءًا من المناهج، لا مجرد حملات موسمية سرعان ما ننساها.
أما القانون، فله دور أساسي في الردع. تطبيق العقوبات بحزم على المعتدين، ومحاسبة كل خطاب علني يبرر العنف أو يشوه الضحايا، هو رسالة واضحة بأن المجتمع يقف في صف العدالة. فالكلمة أحيانًا تكون أقوى من السلاح، وإذا تركنا خطاب التبرير ينتشر بلا رادع، فنحن نشارك في صناعة بيئة خصبة للجريمة.
لوم الضحية ليس مجرد رأي شخصي أو اختلاف في وجهة النظر، بل هو انحياز ضد العدالة نفسها. الجريمة لا تتحول إلى أمر مقبول لمجرد أن الضحية لم تعجبنا ملابسها أو سلوكها. إذا أردنا أن نعيش في مجتمع آمن بحق، فعلينا أن نغيّر هذه الثقافة من جذورها، وأن نتذكر دائمًا أن المسؤولية عن الجريمة تقع على من ارتكبها، بلا أعذار، وبلا تبريرات، وبلا نصف مواقف.

التعليقات متوقفه