ضد التيار ..د. جودة عبدالخالق يكتب :الهروب إلى واحة الغروب
فعلا، إن من أطلق على مدينتنا اسم “القاهرة” قد أصاب كبد الحقيقة. فهى قاهرة فعلا. لكن ربما هي حاليا أكثر قهرًا لساكنيها منها للأعداء. ولم تعد مدينة للبشر، بل للسيارات والحجر. فهى تعج بالزحام والضوضاء والفوضى. وهى أشبه بموقع إنشاءات مهول، تعلوه سحابة غبار اختلط به دخان المصانع وعادم السيارات. إنها مدينة التلوث بامتياز: ليس فقط تلوث الهواء، بل التلوث السمعى والبصرى أيضا. وبالنسبة لى، فإننى بحكم نشأتى الريفية ما زلت أجد صعوبة بالغة في التكيف مع فضائها الاجتماعى. بل أجدنى بحكم انغماسى في الشأن العام عرضة للضغوط من أكثر من اتجاه. ورغم ذلك، فإننى لا أستطيع فراقها! لكنى قررت أن أستعيد نفسى بقضاء ما تيسر من الوقت بعيدا عن صخب القاهرة وضجيجها. يعنى إستراحة محارب، إن جاز التعبير. لم أجد ملاذا أفضل من سيوة، رغم بُعد المسافة. فشددت الرحال إليها برفقة مجموعة من الأصدقاء.
لم تخل رحلتنا إلى سيوة من الإثارة. فأثناء توقفنا في إحدى الاستراحات في الطريق إلى واحة الغروب، انزلقت عصاى التي أتوكأ عليها فسقطت على الأرض وارتطم رأسى بشدة ببلاط الأرضية. كان صوت ارتطام رأسى بالأرضية شديدا. تحسست رأسى وأنا ملقى على الأرض، ودارت في مخيلتى أسوأ الاحتمالات: ارتجاج في المخ أو نزيف حاد. لملمت نفسى مذهولا من هول ما حدث. وأخذت أركز بشدة لمعرفة توابع هذا السقوط المدوى، فلم أشعر بشىء غير عادى. لكن الشكوك والهواجس ظلت تلاحقنى. راجعت ثلاثة من أصدقائي الأطباء في القاهرة فأفادوا أنها “جَت سليمة المَرَّا دى”. ولكنهم طلبوا عمل أشعة مقطعية على المخ، من باب الاحتياط وزيادة في التأكيد. رغم المجازفة، طردت فكرة العدول عن الرحلة والعودة إلى القاهرة. وقررت أن أنتظر حتى نصل إلى سيوة لعمل الأشعة.
في انتظار الوصول إلى سيوة وعمل الأشعة تملكتنى الهواجس وطغت على كل تفكيرى. فقدت الاهتمام بأى شيء. ونسيت أننى تركت قاهرة المعز إلى واحة الغروب للاستمتاع بالجمال والهدوء. وتذكرت قول الشاعر “ولِى هاجِسٌ طَلْقٌ على كل لَذَّةٍ”. ولكن، رُبَّ ضارة نافعة. فقد حظيت بعناية الشيخ عمر راجح، رئيس إحدى قبائل سيوة، الذى رتب لى كل شيء. عرف بالحادث من حسام ناصف أحد تلاميذى. استقبلنى بحفاوة شديدة، اتضح أننى التقيته أثناء زيارتى لمرسى مطروح لافتتاح أحد المشروعات عام 2011، عندما كنت وزيرا للتموين. وذكرنى بواقعة طريفة تعكس أجواء ثورة يناير، عندما قام الأهالى بمحاصرة سيارتى لمنعى من مغادرة المكان قبل تحقيق مطالبهم رغم أنها لم تكن من اختصاصى. قام الشيخ عمر مشكورا باصطحابى الى مستشفى سيوة المركزى. ولم أفق من الهواجس والكوابيس إلا بعد أن أكدت الأشعة المقطعية على المخ أن الله سلَّم. لكن “مش كل مرة تسلم الجرة”، كما يقول المثل. فأنا بطبعى شخص كثير الحركة، عُرْضة للحوادث.
تم إعلان واحة سيوة محمية طبيعية عام 2002. لكنى لاحظت كم تغيرت منذ آخر زياراتى لها قبل حوالى عشر سنوات. ظهرت المباني متعددة الطوابق. وأصبحوا يستخدمون الحجر الجيرى بدلا من الكَرْشيف، والخرسانة بدلا من جذوع النخيل. لكنى علمت أن الحكومة تنفذ مشروعا للحفاظ على الهوية البصرية للواحة، بطلاء واجهات المباني والمحلات بمادة الكرشيف التقليدية ذات اللون البنى الفاتح المنسجم مع جو الواحة. زاد عدد الفنادق والنُزُل المتوافقة مع بيئة سيوة (Ecotel). اختفت الكارتة التي كانت تتهادى بين بساتين النخيل والزيتون وفى أزقة مدينة سيوة وشوارعها لنقل الناس والبضائع. وحل محلها التريسكل. لكن أسعدنى أن الخبز السيوى التقليدي الشهى المصنوع من الدقيق ودبس البلح ما زال صامدا في مواجهة الحداثة! أصبحنا نرى نساء الواحة وبناتها خارج البيوت بدرجة أكبر مما سبق. وسافر العديد من الشباب خارج الواحة للتعليم في الإسكندرية أو للعمل فلى ليبيا والخليج. باختصار، لقد أصبحت واحة الغروب أكثر انفتاحا على .

التعليقات متوقفه