محمود دوير يكتب : على هامش مؤتمر” العريش” .. شجن التاريخ وحتمية التنمية وسلاح الثقافة

137

في أقصى شمال شرق مصر تجلس مدينة العريش كالدُّرة على شاطئ المتوسط، تُضيء بشارات النضال والمقاومة، وتفوح أرضها برائحة الحضارة وعبق التاريخ.

في طريق الرحلة التي بلغت أكثر من 350 كيلومترًا من القاهرة إلى أرض الفيروز – في زيارة هي الأولى لي منذ أن وضعت الحرب الشرسة ضد الإرهاب أوزارها – كان الخيال يسبح في صحراء وجبال وأشجار ومنشآت تحت الإنشاء، حتى قيل لنا: مرحبًا بكم في أرض الفيروز.

كان المؤتمر الهام الذي حمل عنوان *«الصناعات الثقافية والإبداعية وأبعادها التنموية.. سيناء نموذجًا»*، والذي نظمته الهيئة العامة لقصور الثقافة و افتتح أعماله اللواء خالد اللبان – رئيس الهيئة – والدكتور مسعود شومان – رئيس الإدارة المركزية للشئون الثقافية – في إطار مشروع يتبناه الدكتور أحمد هنو وزير الثقافة لتعزيز دور الثقافة في تحقيق التنمية المستدامة ورفع الوعي بقيمة الصناعات الإبداعية.

بمجرد أن تطأ قدمك أرض العريش يمتلكك شعور جارف بالشجن والفخر معًا. تلك الأرض التي روت أشجارها بدماء شهداء الوطن عبر عقود طويلة، وشهدت أعظم معاركنا من أجل التحرير، سواء ضد المحتل الصهيوني منذ عام 1967 حتى عام 1973، أو ضد خفايفش التطرف وجحافل الدواعش الذين أعلنوا منها “إمارة إسلامية” وسعوا لجرّها نحو ظلام العصور الوسطى لكن مصر التي قهرت التتار أجهضت أيضا مشروعهم الظلامي .

تضمن المؤتمر أربع جلسات بحثية وثلاث موائد مستديرة، ذا برنامج مكثف للغاية وشديد التنوع، حول رؤى بحثية جاءت في معظمها ثرية ومتكاملة.

والمؤكد أنه لم يكن من الممكن خروج المؤتمر بهذا الثراء الفكري دون وجود الباحث والشاعر مسعود شومان، الذي تبيّن أنه لا يقل معرفة بتضاريس وتراث وفنون سيناء عن سكانها، وقد قضى أوقاتًا طويلة في جمع كنوزها وتوثيق الكثير من تراثها.

كثيرة هي المحاور البحثية التي تستحق الإشادة والمتابعة والقراءة العميقة، وكل منها يحتاج إلى دراسة متأنية على حدة.

احتضن قصر ثقافة العريش الحدث، وكانت فرصة عظيمة للقاء عدد من مبدعي ومثقفي أرض الفيروز. ولم نُضِع فرصة الحديث في كل شيء، بدءًا من التراث والموروثات السيناوية من عادات وتقاليد وأزياء وأطعمة، وصولًا إلى صعوبة الأوضاع التي شهدتها خلال حربنا مع الظلاميين الذين تلقّنوا درسًا قاسيًا على يد الجيش المصري.

ورغم كل التضحيات التي قدمها الشعب وجيشه في معركة طويلة وعنيفة، فإن الشعور بالأمان الذي يسيطر الآن على أهلنا في سيناء كافٍ لأن نشعر بالرضا عن هذا الإنجاز العظيم.

روى لنا مثقفو سيناء في الموائد المستديرة، مثل حاتم عبد الهادي، وعصام أبو زلال، والشيخ محمود طايل، وسعيد العيسوي، وعبد الله السلايمة، وعزيز الغالي، ومسعد أبو بدر،وحسونة فتحى … عن أشياء كثيرة…ممتن لتلك المحبة التي أحاطونا بها، وسعيد جدا بهذا الثراء الفكري والأدبي الذى تعرفت عليه …. فكل التحية لهم.

كانت مقاهي العريش تحتوينا بكل دفء كل مساء، وأسواقها تبتسم لنا في جولات بحثًا عن تفاصيل الحياة لكل شغوف بمعرفتها. وكانت مفاجأة مبهجة عندما دعتنا جمعية حقوق المرأة السيناوية لزيارة متحف التراث السيناوي، الذي بادرت الجمعية بحمايته وتوفير مكان له بعد أن دمر الهجوم الإرهابي المقر القديم للمتحف، الذي يضم مئات القطع التراثية من ملابس وحُليّ وفخار وغيرها. كما تعرفنا على خطوات إعداد الأكلة الشعبية الأشهر في سيناء وهي “اللميصة”.
و الأمر لم يتوقف على “مؤتمر الصناعات الثقافية، بل امتد إلى خطة متنوعه تتبناها وزارة الثقافة لمدّ جسور التواصل الحقيقي والدائم مع سيناء، ولعل هذا ما طالب به أدباء سيناء بضرورة استمراره وتعزيزه.

منذ سنوات طويلة تعاني سيناء من غياب على الخريطة الثقافية بما يليق بمكانتها في الوجدان المصري، وما تستحقه بما تملكه من تراث غني، وما يجب علينا عمله وفقًا لضرورات الأمن القومي الذي يفرض حتمية دعمها وتعزيز التواصل الفكري والثقافي معها لتجفيف منابع الفكر المتطرف الذي حاول إلقاء بذوره في رمالها.
نجحت مصر – بفضل بطولات مشرفة لجيشنا العظيم – في الانتصار عسكريًا على الإرهابيين، ويبقى أن نستكمل الانتصار على الإرهاب بمقدرات قوتنا الناعمة ولأنني أؤمن بأن الإرهاب يبدأ فكرة، فعلينا أن نسابق الوقت لتعويض سنوات كانت صعبة وقاسية مرت على أهلنا في أرض الفيروز. ولعل التوصيات التي خرج بها مؤتمر العريش تكون صالحة للبدء في ظل اهتمام واضح من وزارة الثقافة، وعلى جميع الوزارات المعنية ببناء الإنسان أن تحذو نفس الحذو الذي قام به الدكتور أحمد فؤاد هنو ومؤسسات الوزارة.
وهنا لابد أن أشير بكل تحية وتقدير إلى قيام الدكتور أحمد أبو الليل، رئيس الهيئة العامة للكتاب، بالموافقة على فتح منفذ دائم للهيئة في قصر ثقافة العريش، وهذا بالفعل مكسب كبير لجمهور الكتاب من سكان العريش.
جاءت التوصيات شاملة ومعبرة عن طموحات أهالي سيناء، وهي الآن على مائدة المسؤولين، وننتظر منهم تفاعلًا واستجابة سريعة، فكل يوم يمر دون تنمية واهتمام يمثل مساحة فارغة قد يملؤها غيرُنا.
ومن بين تلك التوصيات: ضرورة زيادة الفعاليات والأنشطة الثقافية على أرض شمال سيناء بما فيها مهرجانات المسرح، والفنون الشعبية، والموسيقى العربية؛ إقامة معرض كتاب دائم يشمل إصدارات هيئات وزارة الثقافة كافة؛ إقامة برامج تدريبية للباحثين والباحثات من أبناء شمال سيناء لتأهيلهم لجمع التراث السيناوي؛ استمرار إقامة ورعاية مهرجان فنون البادية بمناسبة عيد تحرير سيناء؛ وضرورة جمع وتوثيق المأثور والتراث الشعبي الخاص ببوادي مصر ووضعه موضع الدرس العلمي للإفادة من المكون القيمي والجمالي الذي يحمله.
إلى جانب التأكيد على أهمية جمع تراث ومأثور بادية سيناء الذي يحفل بكنوز ثقافية وجمالية تعدّ بمثابة وثيقة اجتماعية وفنية داعمة لرسم الخطط والبرامج الثقافية والفنية.
كما تم التأكيد على ضرورة دعم متحف تراث سيناء بخبراء في فن تنظيم المتاحف، وإتاحة مكان أكثر اتساعًا ليضم كل العناصر الثقافية المميزة في تلك المنطقة، وزيادة المساحة الإعلامية للأنشطة الثقافية والفنية والتعريف بالتراث السيناوي، بالإضافة إلى البدء في إعداد معجم لغوي يضم مفردات الحياة اليومية وإتاحته للباحثين والمؤسسات العلمية؛ وإنشاء مكتبة متخصصة تضم المصادر والمراجع المتعلقة ببوادي مصر؛ والبدء في إعداد كتالوج مصوّر لأهم المعالم التراثية والحرف التقليدية التي تستعرض دورة الحياة اعتزازًا بقيمة هذا التراث ودعمًا للصناعات الثقافية.
نأمل أن تجد تلك التوصيات طريقها للتنفيذ سريعًا، وأن تتعدد زيارات المبدعين والمثقفين والمفكرين إلى سيناء؛ فهذا – إلى جانب رجال الجيش والشرطة – أكبر تأمين لجزء غالٍ وعزيز من أرضنا وتاريخنا.

الثقافة أيضًا درع قوي ومهم، والاهتمام بالوجدان والعقل ضرورة لنبقى دائمًا وحدة متماسكة صلبة ضد كل محاولات الاختراق.

في أقصى شمال شرق مصر تجلس مدينة العريش كالدُّرة على شاطئ المتوسط، تُضيء بشارات النضال والمقاومة، وتفوح أرضها برائحة الحضارة وعبق التاريخ.

في طريق الرحلة التي بلغت أكثر من 350 كيلومترًا من القاهرة إلى أرض الفيروز – في زيارة هي الأولى لي منذ أن وضعت الحرب الشرسة ضد الإرهاب أوزارها – كان الخيال يسبح في صحراء وجبال وأشجار ومنشآت تحت الإنشاء، حتى قيل لنا: مرحبًا بكم في أرض الفيروز.

كان المؤتمر الهام الذي حمل عنوان *«الصناعات الثقافية والإبداعية وأبعادها التنموية.. سيناء نموذجًا»*، والذي نظمته الهيئة العامة لقصور الثقافة و افتتح أعماله اللواء خالد اللبان – رئيس الهيئة – والدكتور مسعود شومان – رئيس الإدارة المركزية للشئون الثقافية – في إطار مشروع يتبناه الدكتور أحمد هنو وزير الثقافة لتعزيز دور الثقافة في تحقيق التنمية المستدامة ورفع الوعي بقيمة الصناعات الإبداعية.

بمجرد أن تطأ قدمك أرض العريش يمتلكك شعور جارف بالشجن والفخر معًا. تلك الأرض التي روت أشجارها بدماء شهداء الوطن عبر عقود طويلة، وشهدت أعظم معاركنا من أجل التحرير، سواء ضد المحتل الصهيوني منذ عام 1967 حتى عام 1973، أو ضد خفايفش التطرف وجحافل الدواعش الذين أعلنوا منها “إمارة إسلامية” وسعوا لجرّها نحو ظلام العصور الوسطى لكن مصر التي قهرت التتار أجهضت أيضا مشروعهم الظلامي .

تضمن المؤتمر أربع جلسات بحثية وثلاث موائد مستديرة، ذا برنامج مكثف للغاية وشديد التنوع، حول رؤى بحثية جاءت في معظمها ثرية ومتكاملة.

والمؤكد أنه لم يكن من الممكن خروج المؤتمر بهذا الثراء الفكري دون وجود الباحث والشاعر مسعود شومان، الذي تبيّن أنه لا يقل معرفة بتضاريس وتراث وفنون سيناء عن سكانها، وقد قضى أوقاتًا طويلة في جمع كنوزها وتوثيق الكثير من تراثها.

كثيرة هي المحاور البحثية التي تستحق الإشادة والمتابعة والقراءة العميقة، وكل منها يحتاج إلى دراسة متأنية على حدة.

احتضن قصر ثقافة العريش الحدث، وكانت فرصة عظيمة للقاء عدد من مبدعي ومثقفي أرض الفيروز. ولم نُضِع فرصة الحديث في كل شيء، بدءًا من التراث والموروثات السيناوية من عادات وتقاليد وأزياء وأطعمة، وصولًا إلى صعوبة الأوضاع التي شهدتها خلال حربنا مع الظلاميين الذين تلقّنوا درسًا قاسيًا على يد الجيش المصري.

ورغم كل التضحيات التي قدمها الشعب وجيشه في معركة طويلة وعنيفة، فإن الشعور بالأمان الذي يسيطر الآن على أهلنا في سيناء كافٍ لأن نشعر بالرضا عن هذا الإنجاز العظيم.

روى لنا مثقفو سيناء في الموائد المستديرة، مثل حاتم عبد الهادي، وعصام أبو زلال، والشيخ محمود طايل، وسعيد العيسوي، وعبد الله السلايمة، وعزيز الغالي، ومسعد أبو بدر،وحسونة فتحى … عن أشياء كثيرة…ممتن لتلك المحبة التي أحاطونا بها، وسعيد جدا بهذا الثراء الفكري والأدبي الذى تعرفت عليه …. فكل التحية لهم.

كانت مقاهي العريش تحتوينا بكل دفء كل مساء، وأسواقها تبتسم لنا في جولات بحثًا عن تفاصيل الحياة لكل شغوف بمعرفتها. وكانت مفاجأة مبهجة عندما دعتنا جمعية حقوق المرأة السيناوية لزيارة متحف التراث السيناوي، الذي بادرت الجمعية بحمايته وتوفير مكان له بعد أن دمر الهجوم الإرهابي المقر القديم للمتحف، الذي يضم مئات القطع التراثية من ملابس وحُليّ وفخار وغيرها. كما تعرفنا على خطوات إعداد الأكلة الشعبية الأشهر في سيناء وهي “اللميصة”.
و الأمر لم يتوقف على “مؤتمر الصناعات الثقافية، بل امتد إلى خطة متنوعه تتبناها وزارة الثقافة لمدّ جسور التواصل الحقيقي والدائم مع سيناء، ولعل هذا ما طالب به أدباء سيناء بضرورة استمراره وتعزيزه.

منذ سنوات طويلة تعاني سيناء من غياب على الخريطة الثقافية بما يليق بمكانتها في الوجدان المصري، وما تستحقه بما تملكه من تراث غني، وما يجب علينا عمله وفقًا لضرورات الأمن القومي الذي يفرض حتمية دعمها وتعزيز التواصل الفكري والثقافي معها لتجفيف منابع الفكر المتطرف الذي حاول إلقاء بذوره في رمالها.
نجحت مصر – بفضل بطولات مشرفة لجيشنا العظيم – في الانتصار عسكريًا على الإرهابيين، ويبقى أن نستكمل الانتصار على الإرهاب بمقدرات قوتنا الناعمة ولأنني أؤمن بأن الإرهاب يبدأ فكرة، فعلينا أن نسابق الوقت لتعويض سنوات كانت صعبة وقاسية مرت على أهلنا في أرض الفيروز. ولعل التوصيات التي خرج بها مؤتمر العريش تكون صالحة للبدء في ظل اهتمام واضح من وزارة الثقافة، وعلى جميع الوزارات المعنية ببناء الإنسان أن تحذو نفس الحذو الذي قام به الدكتور أحمد فؤاد هنو ومؤسسات الوزارة.
وهنا لابد أن أشير بكل تحية وتقدير إلى قيام الدكتور خالد أبو الليل، رئيس الهيئة العامة للكتاب، بالموافقة على فتح منفذ دائم للهيئة في قصر ثقافة العريش، وهذا بالفعل مكسب كبير لجمهور الكتاب من سكان العريش.
جاءت التوصيات شاملة ومعبرة عن طموحات أهالي سيناء، وهي الآن على مائدة المسؤولين، وننتظر منهم تفاعلًا واستجابة سريعة، فكل يوم يمر دون تنمية واهتمام يمثل مساحة فارغة قد يملؤها غيرُنا.
ومن بين تلك التوصيات: ضرورة زيادة الفعاليات والأنشطة الثقافية على أرض شمال سيناء بما فيها مهرجانات المسرح، والفنون الشعبية، والموسيقى العربية؛ إقامة معرض كتاب دائم يشمل إصدارات هيئات وزارة الثقافة كافة؛ إقامة برامج تدريبية للباحثين والباحثات من أبناء شمال سيناء لتأهيلهم لجمع التراث السيناوي؛ استمرار إقامة ورعاية مهرجان فنون البادية بمناسبة عيد تحرير سيناء؛ وضرورة جمع وتوثيق المأثور والتراث الشعبي الخاص ببوادي مصر ووضعه موضع الدرس العلمي للإفادة من المكون القيمي والجمالي الذي يحمله.
إلى جانب التأكيد على أهمية جمع تراث ومأثور بادية سيناء الذي يحفل بكنوز ثقافية وجمالية تعدّ بمثابة وثيقة اجتماعية وفنية داعمة لرسم الخطط والبرامج الثقافية والفنية.
كما تم التأكيد على ضرورة دعم متحف تراث سيناء بخبراء في فن تنظيم المتاحف، وإتاحة مكان أكثر اتساعًا ليضم كل العناصر الثقافية المميزة في تلك المنطقة، وزيادة المساحة الإعلامية للأنشطة الثقافية والفنية والتعريف بالتراث السيناوي، بالإضافة إلى البدء في إعداد معجم لغوي يضم مفردات الحياة اليومية وإتاحته للباحثين والمؤسسات العلمية؛ وإنشاء مكتبة متخصصة تضم المصادر والمراجع المتعلقة ببوادي مصر؛ والبدء في إعداد كتالوج مصوّر لأهم المعالم التراثية والحرف التقليدية التي تستعرض دورة الحياة اعتزازًا بقيمة هذا التراث ودعمًا للصناعات الثقافية.
نأمل أن تجد تلك التوصيات طريقها للتنفيذ سريعًا، وأن تتعدد زيارات المبدعين والمثقفين والمفكرين إلى سيناء؛ فهذا – إلى جانب رجال الجيش والشرطة – أكبر تأمين لجزء غالٍ وعزيز من أرضنا وتاريخنا.

الثقافة أيضًا درع قوي ومهم، والاهتمام بالوجدان والعقل ضرورة لنبقى دائمًا وحدة متماسكة صلبة ضد كل محاولات الاختراق.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy