فقدان اليقين وتآكل الثقة وتزايد التنافس

تحذيرات دافوس وعمق الأزمة العالمية: قراءة في التقرير السنوي للمخاطر العالمية

54

لا يخفى على أحد الثقل الكبير الذي يمثله منتدى دافوس الاقتصادي وتأثيره على النظام الدولي, وقد تعودنا أن نتعامل مع تقرير المخاطر العالمية السنوي الذي يخرج عن المنتدى باعتباره أحد الوثائق التي ترسم خطًا إستراتيجيا عموميا للنخب السياسية والاقتصادية النافذة عالميًا, باعتباره منصة إجماع دولي قادرة على تصحيح المسار.
هذه المرة يأتي التقرير توصيفها لأزمة عميقة أكثر من كونه صانعًا للمعايير العالمية كما كان الحال سابقًا، حيث يعكس بشكل أكبر مخاوف النخب الدولية من تراجع النمو الاقتصادي وتفاقم الأزمات الجيوسياسية والاجتماعية، ويبرز هشاشة منظومة التعاون الدولي في مواجهة تحديات مثل التضخم، والتغير المناخي، وأزمة الطاقة. وبالتالي فقد تحول المنتدى هذا العام من منصة لتوجيه السياسات العالمية إلى مرآة تعكس حجم التوترات وعدم الاستقرار في النظام الدولي، مع إبراز الفجوات بين الدول الكبرى والاقتصاديات الناشئة، مما يجعل ثقل المشاركين فيه يظهر أكثر في القدرة على التحذير وإطلاق النقاشات الإستراتيجية بدلاً من صياغة القرارات النهائية كما تعودنا.
تقرير شديد القلق
يرسم تقرير المخاطر العالمية 2026 الصادر عن المنتدى دافوس الاقتصادي العالمي صورة لعالم يدخل مرحلة تاريخية عنوانها فقدان اليقين وتآكل الثقة وتزايد التنافس بين القوى الكبرى والمتوسطة، حيث لم يعد النظام الدولي يتحرك وفق منطق قيادة أحادية أو حتى توازن ثنائي واضح، وإنما يتجه نحو تعددية قطبية تنافسية تتراجع فيها قواعد التعاون التي حكمت مرحلة ما بعد الحرب الباردة. التقرير يتعامل مع المخاطر كبنية مترابطة تتفاعل فيها الجغرافيا السياسية مع الاقتصاد والتكنولوجيا والمجتمع والبيئة ضمن شبكة ضغوط متداخلة، ما يجعل إدارة الأزمات أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للحل عبر الأدوات التقليدية. في صدارة المخاطر قصيرة الأجل تبرز المواجهة الجيواقتصادية باعتبارها السمة الأكثر احتمالًا لزعزعة الاستقرار العالمي، حيث تتحول التجارة وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا والعقوبات إلى أدوات صراع مباشر بين القوى الكبرى، وهو تحول يعكس انتقال المنافسة من ساحات عسكرية صريحة إلى ساحات اقتصادية وتقنية ذات أثر ممتد وعميق. وفي سياق التحولات القطبية، يؤكد التقرير أن التعددية الفاعلة لم تعد مصاحبة للتنافس بين القوى الكبرى. فمع تصاعد المواجهة الجيو‑اقتصادية، يتراجع دور المؤسسات متعددة الأطراف لتصبح إدارة الخلافات الدولية أقل فعالية، ما يفتح المجال أمام سيادة الأولويات الوطنية الضيقة على حساب القواعد المشتركة. هذا الغياب للتعددية لا يحول التنافس القطبي إلى وسيلة للتوازن، لكن يرصد التقرير أنه يصبح عاملا إضافيا لزعزعة الاستقرار العالمي، هذا المسار يتزامن مع ارتفاع مخاطر الركود والتضخم والديون وفقاعات الأصول في ظل ضعف التنسيق الدولي وتزايد النزعات الحمائية، ما يخلق بيئة اقتصادية عالمية أكثر هشاشة وأقل قدرة على امتصاص الصدمات المتزامنة.
في البعد التكنولوجي يحذر التقرير من تسارع المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والمعلومات المضللة، إذ تُعرض التكنولوجيا بوصفها عاملًا يعيد تشكيل موازين القوة ويغذي الاستقطاب المجتمعي ويقوض الثقة في المؤسسات السياسية والإعلامية، بخلاف دورها الايجابي كونها محركًا للنمو. هذا الترابط بين المخاطر التقنية والتحولات الاجتماعية والسياسية يعكس طبيعة المرحلة التي تتآكل فيها الحدود بين المجالين الداخلي والخارجي، وبين الاقتصاد والأمن، في سياق استقطاب متصاعد.وفقًا للتقرير.
أما على المدى الطويل فتعود المخاطر البيئية إلى صدارة المشهد، من الأحداث المناخية القاسية إلى فقدان التنوع الحيوي وتغير النظام الإيكولوجي، في مفارقة تعكس انشغال السياسة الدولية بالأزمات الفورية مقابل استمرار التهديدات البنيوية التي تتراكم بصمت. ويؤكد التقرير أن التعددية القطبية الناشئة لا ترافقها تعددية فعالة قادرة على إدارة الخلافات، حيث تتراجع فاعلية المؤسسات متعددة الأطراف وتتصاعد أولوية المصالح الوطنية الضيقة، ما يفتح المجال أمام نظام دولي أكثر تنافسًا وأقل انضباطًا بالقواعد المشتركة. في المحصلة يقدم التقرير تحذيرًا استراتيجيًا مفاده أن العالم يقف عند مفترق طرق: إما أن تتحول التعددية القطبية إلى حالة صراع مفتوح إذا استمر تآكل الثقة وتراجع التعاون، أو أن يعاد ابتكار صيغ مرنة للتنسيق الدولي تستوعب واقع المنافسة وتمنع الانزلاق إلى فوضى شاملة.
هذا عن ما ورد في التقرير بشكل مباشر.
الأمر الملاحظ في هذا التقرير, خصوصًا مع مقارنته بتقرير العام الماضي, هو أن جميع المشكلات والتهديدات الدولية مترابطة وموحدة ضمن أزمة كبرى, على عكس تقرير العام الماضي الذي فصل بين مشكلات الصراعات العسكرية ومشكلات التنافس الاقتصادي, أما هذا العام فالأزمة الشاملة هي العنوان الرئيسي الذي لم يُكتب صراحة.
لكن هل أمسك التقرير بعمق الأزمة فعلًا رغم توصيفها؟
أزمات عالمية أم أزمة رأسمالية؟
حقيقة الأمر أن التقرير يؤكد أن النظام الدولي يواجه تحولات عميقة تعكس أزمة رأسمالية عامة من ضمن حلقات الأزمات المتكررة، حيث تتجلى هذه الأزمة في تعددية قطبية مضطربة تتصارع فيها مراكز القوة الاقتصادية على إعادة توزيع فائض التراكم العالمي. فالولايات المتحدة التي كانت لفترة طويلة قادرة على تنظيم دورة التراكم وفق قواعد واضحة، تواجه اليوم تحديات في الحفاظ على معدلات الربح في قطاعاتها الحيوية، بينما تظهر الصين ومراكز صناعية أخرى كقوى منافسة تضغط على توزيع القيمة عالميًا. هذه التحولات ليست مجرد منافسة سياسية أو عسكرية، الأمر أبعد من ذلك, فهي انعكاس لصراع اقتصادي عالمي يتجلى في إعادة تشكيل سلاسل الإمداد والتحكم في الموارد والتقنيات الإستراتيجية.
المواجهة الجيو‑اقتصادية، التي وضعها التقرير في صدارة المخاطر قصيرة الأجل، تمثل صراعًا على إعادة ترتيب النظام العالمي وفق مصالح الرأسمال الكلي في كل دولة. العقوبات الاقتصادية، والحروب التجارية، والسياسات الصناعية التقليدية ليست مجرد أدوات ضغط، لكن حقيقتها أنها أدوات لإعادة توزيع الفائض بين المراكز الكبرى. الولايات المتحدة وأوروبا تحاولان تقليص الاعتماد على سلاسل توريد خارجية في قطاعات استراتيجية مثل أشباه الموصلات والطاقة النظيفة، بينما تسعى الصين لتعزيز مركزها التكنولوجي والصناعي. إعادة توطين الإنتاج وتحويله إلى مراكز محلية أو إقليمية هو أمر أبعد من التكتيك المرحلي، لكنه يرسم استراتيجية لاستعادة القدرة على التحكم في معدلات الربح وحماية التراكم الرأسمالي في وجه المنافسة المتزايدة مع الصين وخلفها الاقتصاديات النامية.
مع ارتفاع مستويات الدين العام والخاص، وتوسع الفجوة بين الاقتصاد المالي والاقتصاد الحقيقي، يزداد النظام هشاشة أمام الصدمات. مع ضعف الطلب الفعّال الناتج عن ضغط الأجور وتزايد الفوارق الاجتماعية الذي يدفع الدول والشركات إلى الاعتماد على التوسع الائتماني والمضاربة المالية لتعويض النقص، وهو ما يعرض الأسواق لدورات تقلبات حادة. في الوقت نفسه، يشير التقرير إلى المخاطر التكنولوجية، مثل الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، بوصفها أدوات لإعادة هيكلة الإنتاج وزيادة التركيب العضوي لرأس المال، أي رفع نسبة رأس المال الثابت إلى رأس المال المتغير، لتتعزز الإنتاجية, لكن انعكاس ذلك هو ضغط على معدلات الربح في حالة لم تتوسع الأسواق لاستيعاب فائض الإنتاج. الفجوة بين الدول المتقدمة تقنياً وتلك المتأخرة تزيد من اللامساواة وتعزز تبعية الاقتصاديات الأصغر.
الأزمات البيئية الطويلة الأجل تظهر كذلك كتعبير عن حدود الرأسمالية في التوسع المستمر، حيث يتحول السعي وراء الربح إلى صراع مع الطبيعة نفسها، وتتحول التدهورات البيئية إلى مخاطر اقتصادية وسياسية مباشرة. تقرير دافوس يبرز أن تآكل الثقة في النظام الدولي الليبرالي كونه أكبر من حدث عابر، وإنما نتيجة لضعف قدرة مركز مهيمن على تأمين شروط تراكم مستقرة على مستوى العالم.
الأزمة أزمة رأسمالية إذًا, وليست مجرد أزمات عرضية مترابطة في نظام دولي تعددي أو ثنائي.
تصدع التحالف الغربي بين السطور
لم يصرح التقرير بشكل مباشر عن انفصال أو تصدع التحالف الغربي كأمر واقع، إلا أن مضمونه يشير بوضوح إلى توترات متصاعدة بين القوى التقليدية، بما يعكس تراجع القدرة على التنسيق بين الولايات المتحدة وأوروبا في إدارة الأزمات العالمية. من خلال التركيز على الفجوات الاقتصادية والتقنية والسياسية بين هذه المراكز، والتأكيد على ازدياد النزعات الحمائية والسياسات الانفرادية، يعكس المنتدى شعور النخب الاقتصادية والسياسية العالمية بأن القيادة الأمريكية الحالية لا توفر الاستقرار اللازم لإدامة نظام تحالف غربي موحد، وأن الانسجام الذي كان قائمًا خلال العقود الماضية أصبح هشًا ويواجه ضغوطًا متصاعدة بفعل أولويات وطنية ضيقة وإستراتيجية أحادية الجانب.
كما يبرز التقرير أيضًا من خلال تحليله للمخاطر والتوترات الجيو‑اقتصادية أن المنتدى، بصوته النقدي، يمارس دورًا رقابيًا غير معلن على السياسات الأمريكية الحالية، ليمثل صوت النخب العالمية الحارسة للنظام الدولي في مواجهة الانعطافات الانفرادية التي تتخذها القيادة في واشنطن. هكذا يصبح التقرير نوعًا من الإشارة الرمزية إلى انحسار تأثير الولايات المتحدة التقليدي في توجيه التحالف الغربي، ويدعو ضمنيًا إلى إعادة النظر في آليات التعاون متعدد الأطراف، مع الحفاظ على قدرة النخب الدولية على تنبيه الأطراف الحاكمة في أمريكا إلى المخاطر التي قد تنجم عن الإصرار على السياسات الانفرادية على حساب الاستقرار العالمي, الذي هو في جوهره استقرار للتحالف الغربي السائد عالميًا..

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy