محمود دوير يكتب:أن تأتي متأخرًا…حتمية البدء في تبني مشروع ثقافي وطني

بقلم /محمود دوير

57

أن تأتي متأخرًا خير من ألا تأتي… تلك المقولة التي تحمل معنى يصلح تمامًا لمطالب النخبة التي اعتصم بعضها منذ 13 عامًا في مقر وزارة الثقافة المصرية، يحملون ضمير مصر ويرددون بكل قوة: “إن عقل مصر ووجدانها”، رافضين “أخونة” الوطن وتصفية هويته في مشروع كانت ملامحه جلية لكل عين ترى.

كانت ثورة المثقفين والفنانين هي الشرارة الأولى في حراك شعبي نجح في إسقاط حكم المرشد ووقف مشروع استهدف بشكل مباشر “الهوية المصرية”، سعيًا لتفريغها لصالح مشروع “الجماعة” التي لم تنكر يومًا عدم اعترافها بمعنى الوطن، ورأته مجرد “حفنة من تراب عفن”، وردد رموزها بكل وضوح أن المسلم “الإندونيسي” أقرب إليهم من غير المسلم “المصري”.

يطرح هذا الأمر مجددًا ضرورة  وجود مشروع ثقافي وطني يحمي تلك الثورة ويحافظ على استمرارها، ويعزز من مكاسب تاريخية تحققت منذ أكثر من قرن على يد رموز التنوير: رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده وطه حسين، ورموز الفن والإبداع الذين شكلوا وجدان أمة، منذ عبد الله النديم وسيد درويش وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ وصنع الله إبراهيم ومحمد عبد الوهاب ويوسف شاهين وصلاح أبو سيف، حتى يسري نصر الله ومجدي أحمد علي وغيرهم الكثير والكثير.

لعل كل الطاقات الفنية المدهشة التي نجحت في صياغة وتكوين ودعم قوة مصر الناعمة، والتي تبلورت في مشروع ثقافي وطني صاغته وتبنته ثورة 23 يوليو، عندما قررت أن تصبح الثقافة خدمة لا بد أن تصل إلى الناس بالضبط مثل التعليم والصحة، فتشكلت لأول مرة وزارة الثقافة عام 1958. وحينها قال جمال عبد الناصر لثروت عكاشة، وزير الثقافة الأشهر والأهم في تاريخنا المعاصر: “نريد أن نجعل الثقافة حقًا لكل مواطن، لا امتيازًا لفئة محدودة.”

ليمثل هذا التوجه برنامجًا واضحًا ورؤية محددة لأهمية الثقافة وعلاقة الدولة بها. ولعل الإنجازات التي تحققت في الفترة من 1958 حتى 1970 تمثل الأساس الأقوى في مشروعنا الثقافي الذي يمثل ركيزة للوطن حتى الآن. ورغم ما تحقق من إنجازات، خاصة في ظل تولي فاروق حسني للوزارة، وهي بالطبع مهمة، إلا أنها لا تمثل البناء التأسيسي ولا يمكن اعتبارها مشروعًا متكاملًا رغم كل ما تم.

المشروع الذي نأمله ونشدد عليه ونحن نتذكر ثورة 30 يونيو، التي أعتقد أن مطلبها الرئيسي كان حماية الهوية وإنقاذ الوطن من أعداء “مفهوم الوطن والمواطنة”. ذلك المشروع الذي يجب أن يتأسس على قيم الدولة الوطنية الديمقراطية الحديثة، دولة تؤمن حقًا بحرية الإبداع وتوفر كل السبل من أجل حمايته، لا أن تصادره تارة باسم الاختلاف السياسي ورفع شعارات جوفاء ومستهلكة مثل “سمعة مصر”، لا غرض لها سوى المنع، وتارة بدوافع مجتمعية وشعبوية ترفع شعارات الذوق العام والأخلاق وتمارس ذلك بمنتهى الوصاية الشعبية، التي تفتقد أحيانًا الوعي والتخصص.

لقد مر على ثورة يونيو ثلاثة عشر عامًا، ونحن في انتظار ذلك المشروع الثقافي الذي يعمل على مواجهة حقيقية وجادة للإرهاب، الذي نكرر مجددًا أنه يبدأ فكرًا، بعد أن دفعنا حياة خيرة أبنائنا في مواجهة الإرهابيين وانتصرنا للوطن في ملحمة لا يمكن أن تُنسى.

الآن، بل الأمس، جاء وقت تصفية منابع الإرهاب وإعلاء قيم العقل، حتى لا نستيقظ على كابوس لن نتحمل نتائجه إذا رأينا بذور التطرف تخرج لنا برؤوسها من تحت التربة لتأكل كل ما تحقق، وتبدد كل الجهود التي تبذل، وتهدر كل الدماء التي أريقت دفاعًا عن الوطن. حين ذلك لن نغفر، ولا يغفر لنا أبناؤنا، هذا التقاعس أو التردد.

فلن نتمكن من حماية ما تحقق دون مشروع ثقافي شامل يحمي العقل، ويعزز قدرات أبناء الوطن، ويستلهم أفكار قادة التنوير العظماء، ومن مشروع “ثروت عكاشة” أهم ملامحه وفق رؤى عصرية تناسب اللحظة.

ويمكن الإشارة إلى بعض ملامح هذا المشروع الذي أتمنى أن يتبنى رموز مصر صياغته، وأن تتوفر الإرادة السياسية للبدء فيه، لعلَّه يكون العاصم الأساسي لهذا الشعب وتلك الثورة من مخاطر الأفكار الظلامية التي أثق أنها ما تزال في أرضنا ومؤسساتنا بقوة، فقط تنتظر لحظة الانقضاض على كل شيء.

بعض هذه الملامح أو رؤوس الأقلام التي يمكن البدء فيها: حتمية النظر في موازنة وزارة الثقافة المصرية التي تعاني من ضعف شديد وسوء توزيع داخل الوزارة بشكل لافت. والنظر بشكل عاجل في ملف صناعة السينما والدراما التلفزيونية باعتبارهما الأكثر تأثيرًا على العقل والوجدان الجمعي، وتقديم سبل الدعم وتخفيف قبضة الحصار الفني والاقتصادي عن صناع الفن، ودعم الأعمال والأفكار الجادة، والعمل على فتح أسواق جديدة للفن المصري وإعادة النظر في القرارات التي تعيق الإنتاج.

وتطوير صناعة الكتاب حتى يكون أكثر حداثة، سواء من حيث الشكل أو المضمون، والإسراع في “الرقمنة ” وصناعة محتوى يناسب الأجيال الشابة، يقاوم التطرف بأدوات عصرية ويعزز الانتماء دون تلقين أو مباشرة

ولعل الأهم في هذا المشروع أن يصنعه المثقفون، ويشارك في إدارته المبدعون من أصحاب الكفاءات الإدارية.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy