ماجدة موريس تكتب: كرة القدم وموازين المحبة
برغم كل تاريخها معنا أصبحت كرة القدم هذه الأيام (أمرًا مختلفًا) عنها كما عرفناها طوال حياتنا، أمر لم تعد له حدود البلد أو الملعب أو الانحيازات للأهلي أو الزمالك، أو أي فرقة مصرية، وإنما تجاوز الأمر كل هذا الآن، فالفريق الذي نقف كلنا وراءه يلعب باسم الوطن، مصر، وليس باسم نادي، أيا كان صاحبه، والفريق يلعب وفقا لقواعد الڤيڤا، أي الاتحاد الدولي الذي يقيم مباريات كأس العالم، وليس وفقا للاتحاد المصري للكرة، والفرق المنافسة له ليست من مصر وإنما من كل العالم، ولها جماهيرها التي تحضر لتشجعها على الفوز على فريقنا المصري، وكل هذا يحدث بعيدًا عن ملاعبنا، ولكن في ملاعبهم في أقاصي الكرة الأرضية في ثلاثة بلاد بعيدة عنا، فما الذي حدث؟ ويحدث؟؟.
متي ذهبوا إليها؟
أول ما لفت انتباهنا ونحن جالسون في بيوتنا ومقاهينا نتابع فريقنا في مبارياته هو الجمهور الذي يشجعه في الملعب، فمتي ذهب هذا الجمهور إلى أمريكا ليشجع الفريق بهذه القوة وكأنه في مصر؟ الاجابة بالطبع اكتشفناها لأهميتها، ففي أمريكا وكندا أو (بلاد المهجر) يعيش آلاف مؤلفة من المصريين الذين هاجروا علي دفعات، وكبرت عائلاتهم، وأصبحوا عددًا وقوة، ولكن حنينهم للوطن الأم لا ولم ينتِه، ومن هنا خرجوا جميعًا لاستقبال فريق مصر ودعمه بكل الطرق، فهم في أهم مقاعد للمشجعين في الملعب ومعهم علم مصر يرفعونه دائما تأكيدا لانحيازهم لبلدهم، وهم يعيشون بقلوبهم مع كل حركة للفريق المصري في الملعب، وترتفع أصواتهم وتصفيقهم مع كل كرة مهمة لفريقهم، نعم، أصبحوا جمهورا ثانيا لمصر، ولفريقها، في الملعب البعيد وكأنهم حراس الفريق في ملعبه الجديد، وهو ما أضاف إليه الكثير في تقديري، فالملايين من المصريين تهتف في مصر بالطبع، لكن صدي صوتها لا يصل للملعب، عكس المشجعيين المصريين في الملعب، ولتتحول المباريات، وتشجيعها هنا وهناك إلى استفتاء على محبة الوطن قبل محبة الكرة، ويتسع هذا الميزان حين تنتقل المحبة والدعم إلى الأشقاء في بلاد أخرى قريبة منا بحكم التاريخ واللغة مثل الأردن وسوريا ولبنان وغيرهم، أما إخوتنا في فلسطين -وغزة تحديدا -ووفقا لأدوات السوشيال ميديا من بوستات وڤيديوهات وغيرها -فقد شجعوا فريق مصر برغم تدمير جيش الاحتلال لمدينتهم، وهكذا ترتفع موازين المحبة في أصعب لحظات كأس العالم لتعيد إلينا الثقة في الإنسانية برغم الخراب المتعمد، ومن هنا لم يكن صعبا ولا عيبا، أن يرفع حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، العلم الفلسطيني بعد رفعه للعلم المصري في نهاية مباراة فريقنا مع فريق استراليا، ففي هذه الأوقات الثمينة التي تجمع مئات الملايين من البشر يصبح دعم الحق مهمًا، والإعلان عنه إشارة إلى أهمية رفض ما حدث ويحدث من إبادة جماعية وتطهير عرقي لشعب شقيق تدعمه شعوب العالم كلها اليوم في كل مكان، فالإنسانية لا تتجزأ وفقا للأهواء، وكذلك الحق والمحبة كلها موازين يعرفها العالم، ويعترف بها اليوم، وغدا، وإلى آخر أيام البشرية.

التعليقات متوقفه