د. هدى أبو رميلة تكتب:أضواء على تناقضات العنف المجتمعي مع مخرجات التنمية.. الحالة المصرية

ضرورة فتح آفاق الحراك الاجتماعي الطبقي لطبقة "الفقراء الجدد"...تطوير رأسمال البشري كعماد أساسي لتنمية حقيقية تتسم بالشمولية

94

بقلم ..د. هدي أبورميلة

في عصر عدم الاستقرار الاقتصادي والسياسي تفترض أن رفاهية أي بلد وقدرته على تحقيق تقدم اقتصادي مستدام لصالح الأجيال القادمة تتوازى بشكل وثيق مع مواقفه الأخلاقية الاجتماعية وعمق معتقداته بقيم الترابط الاجتماعي والالتزام والعدالة والعمل الانتاجي.

ورغم أن تحقيق طفرات من النمو اقتصادي لا تشترط ذلك التوازي، إلا أن المجتمعات التي  تُقدَّم القيم الاجتماعية والثقافية كمصدر للهوية الوطنية والوعي الذاتي بالسيادة يكون ذلك محركًا للنمو الاقتصادي المستدام الخالق للتوظيف وإنتاج فرص عمل.

وقد اكتسبت القيم المجتمعية والسلام الاجتماعي اهتمامًا متزايدًا كعاملٍ يُحدد نوعية النتائج الاقتصادية المتوسطة والطويلة الأجل واثبتت الدراسات وجود علاقة سببية وتبادلية بينهما. و تم تقدير الأثر الاقتصادي المباشر الكلي  للعنف 19.97 تريليون دولار في عام 2024، أي ما يعادل 11.6% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، أو 2455 دولارًا للفرد. وفي الدول العشر الأكثر تضررًا من العنف، بلغ متوسط التكلفة الاقتصادية للعنف 27.8% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024، مقارنةً بـ 2.5% فقط في الدول العشر الأقل تضررًا. وتمثل أيسلندا الدولة الأكثر سلماً في العالم، وهو وضع حافظت عليه منذ عام  2008 يليها النرويج، فنلندا، اليابان، وسنغافورة، بينما كانت أقل خمس دول سلماً: تشمل الكونغو، السودان، أفغانستان، وجنوب السودان بحسب معهد الاقتصاد والسلام.

في هدا السياق أثبتت الدراسات أنه لا توجد علاقة خطية بين العنف المجتمعي ومستويات الفقر المطلق بل كانت العلاقة خطية مع اتساع هامش الفوارق الطبقية وعدم المساواة في مستويات الدخول.

وتنعكس سلامة منظومة القيم الاجتماعية الثقافية علي حالة السلام المجتمعي الذي يتم تقديره من خلال مؤشر السلام العالمي، والذي أظهر تراجعا علي المستوي العالمي  في أخر عشرين عاما مما يعكس حقيقة أن العالم أصبح أقل سلامًاعلي الرغم من نجاحه في تحقيق معدلات نمو اقتصادي هائلة, حيث تراجع مؤشر السلام العالمي  بنسبة 5.4% منذ 2008 بالنسبة إلى ٢٠٢٤ و من  بين 163 دولة سجلت 94 دولة تراجعًا، بينما سجلت 66 دولة تحسنًا.

بالنسبة للحالة المصرية فقد كانت مصر من الدول الأكثر تحسناً، حيث ارتفع مؤشر السلام فيها بنسبة 13.5% منذ عام 2014. لتحتل المرتبة 107 على مؤشر السلام العالمي بعد أن تقدمت 38 مركزاً من المرتبة 146 قبل عشر سنوات. وكان مجال السلامة والأمن هو المجال الذي شهد أكبر تحسن في مصر منذ عام 2014، حيث تحسن بنسبة 21.5%. وقد نتج هذا التحسن عن تحسنات كبيرة في تصورات الجريمة، والمظاهرات العنيفة، ومؤشرات الجريمة العنيفة. كما تحسن مجال النزاعات المستمرة بنسبة 9%، مع انخفاض ملحوظ في الوفيات الناجمة عن النزاعات الداخلية ومؤشرات حدة النزاعات الداخلية. وعلى الرغم من تحسن مصر في العديد من مؤشرات مؤشر السلام العالمي.

إلا أن الحالة المصرية تتسم حديثا بنوع من التناقض يتمثل في فجوة ملموسة بين الإحصاءات الرسمية وإدراك الجمهور لحالة السلام المجتمعي مما يحتاج وقفة من علماء الاجتماع والنفس وقبلهم وعي صانعي القرار، حيث أن التحسن في مؤشرات السلام الاجتماعي و العالمي يُجحفها رواج اجتماعي و«سوشيالي» لمظاهر قاسية من العنف المجتمعي، ليدق في آذاني ناقوس خطر حول تداعيات تلك الفجوة. والمثير للانتباه ليس الكم  بل نوعية مظاهر العنف المجتمعي، حيث أن معظمها يحدث داخل جدران المنازل التي كانت دومٱ هي الحصن الأمن للأسرة المصرية والتي اتسمت علي مر العصور بالترابط الاجتماعي والصبر والايمان بقيمة العمل والحياة.  للتتنامي معدلات العنف عامة ولاسيما العنف الأسري حيث تظهر إحصاءات وزارة العدل المصرية حول عدد القضايا المتداولة في اخر تحديث علي موقعها الرسمي وفي سنة واحدة  2022-2021 أن عدد قضايا العنف الزوجي على مستوى الجمهورية بلغت 9538 قضية . بينما خلال النصف الأول من عام 2025 رصدت مؤسسة إدراك عدد 495 جريمة عنف ضد النساء نصفها جرائم عنف أسري علي يد فرد من الاسرة 24.24% منها افضت إلى الموت و12.53%  اعتداء جنسي و 11.92 % تحرش جنسي .

والجدير بالملاحظة في الحالة المصرية ظهور طبقة من “الفقراء الجدد” التي تناقض طبقة “الفقراء الكلاسكيون” التي عملت عليها خطط التنمية في ستينيات القرن والتي كانت تتسم بمحدودية الدخل والفقر المدقع اقتصاديا وتعليميا وصحياً حيث ارتفاع مستويات الأمية والأمراض بها وكذلك تمركزها بالمناطق الريفية الزراعية. لتظهر طبقة اجتماعية جديدة من “الفقراء الجدد” وهي طبقة اجتماعية ليست أمية بل لديها قدر من التعليم والمعرفة الرقمية وكذلك بقدر من “التمدين” حيث تعيش علي أطراف المدن الكبرى.

تستشعر هذه الطبقة بحكم احتكاكها “الهامشي” بالطبقة المتوسطة العليا حالة من “الحرمان النسبي” الناشيء من ارتفاع شعورهم بعدم المساواة متمثلة في معاناتها في الحصول علي وظيفة مستقرة في القطاع الرسمي تحقق لها درجة من الامان المادي والقدرة علي تخطيط المستقبل، فتلجأ معظمها للالتحاق بسوق العمل غير الرسمي والموسمي، يترتب علي ذلك تداعيات من تعميق شعور التهميش المجتمعي والمؤسسي وعدم الأمان وينتج نمط عشوائي ذهني سلوكي تجاه أفراد المجتمع والدولة، وينسحب ذلك علي نمط العلاقة الأسرية والاجتماعية وهشاشة شبكة الترابط الاجتماعي بين أبناء نفس الطبقة وهو ما كان يميز اجتماعيا طبقة ” الفقراء الكلاسكيون ”

تداعيات تبادلية بين سياقات السلام المجتمعي و مخرجات التنمية المستهدفة:

عندما نتحدث عن اشكالية خطورة العنف المجتمعي سواء بدنيا أو سلطويا ضد فرد أو جنس او جماعة أو ضد الفرد (49 % من حالات الوفاة الناجمة عن العنف كانت حالات انتحار) وعلاقته بالمسار الاقتصادي الاجتماعي فإن الخطورة تتلخص في الاتي :

  1. التحول إلى حالة “عنف مزمن” عندما تتضاعف معدلات الوفيات الناتجة عن العنف ويستمر ذلك المعدل خمس سنوات علي الأقل ( بيرس 2008)
  2. يهدد ذلك النوع من “عنف مزمن” الفئات المهمشة والضعيفة نفسيا ومعرفيا ليحد من قدراتها علي تحمل المسئوليات المدنية ويضعف الدعم الاجتماعي للتنمية مما يؤثر علي مخرجات سياسات التنمية لتكون دائما اقل من الحجم الامثل المتوقع
  3. يحدث العنف المزمن تآكلا للقوي البشرية ليس في الوقت الحالي فقط بل عبر الاجيال القادمة ايضا , حيث يتسم بذاتية الانتاج ” التوريث ” ويؤدي إلي تغيير منهجي في منظومة القيم الاجتماعية لتتوراثها الاجيال القادمة, وهذا التوارث لا يهدد فقط مخرجات أداء الحكومات الحالية بل يعيق الحكومات المستقبلية.

4.خلق ديناميكية اجتماعية جديدة تسمي “المنطقة الرمادية” تتغير فيها القيم الاجتماعية من استنفار مجتمعي للعنف إلى تقبل ( طبيعيا) وهي منطقة قيمية ذات تداعيات مختلفة معقدة يحتاج إصلاحها إلي عقود من خلال تجارب دولة مشابهة،  تختلط فيها المؤسسات المشروعة وغير المشروعة ويتلاشي فيها التمييز الواضح بين ما هو أخلاقي وغير أخلاقي وما هو قانوني وغير قانوني وبين الخطأ والصواب.

ومن دلائل اشتباك السلام المجتمعي مع مخرجات السياسات الاقتصادية نظرية الاعتماد  المساري للتنمية الكلية The Path Dependence Problem والتي تناولها الحائزون على جائزة نوبل  Daron Achemoglou and James Robinsonفي كتابهم “لماذا تفشل الأمم”، والذي خلصوا فيه إلي أن مسار أي دولة يتأثر بتطورها السابق، حيث اثبتوا أن القيم الثقافية والمواقف السلوكية تعمل كعوامل مؤثرة (معوقات أو محركات) للتنمية الاقتصادية الشمولية والمستدامة.

وقد فسروا بمفهوم الاعتماد المساري للتنمية الفشل المزمن لبعض الحكومات في الحصول علي نتائج ومخرجات تنموية دون المستوى الأمثل المتوقع للسياسات المطبقة. ويعزي ذلك للارتباط القوي بين المخرجات التنموية الحالية بالسياسات والخيارات التنموية السابقة أكثر من ارتباطها بالخيارات الحالية, أو حتي بالتغييرات العالمية الحديثة سواء كانت محفزة او مثبطة للنمو الاقتصادي العالمي, وهو ما فسروا به سبب نجاح بعض الدول في التطور بينما تتخلف دول أخرى.

في العودة للحالة المصرية نخلص أن حجر الأساس لتقدم البلاد ليس هو نجاح حكوماتها في جلب تدفقات استثمارات خارجية وتوسعات استثمارية عقارية ولا في حجم جذبها للأموال ساخنة ولا حتي في تحقيق طفرات نمو اقتصادي زائف, بل يكمن في حجم تطوير رأسمال البشري كعماد أساسي لتنمية حقيقية تتسم بالشمولية.

وفي هدا الاطار لابد من وقفة عاجلة من الحكومة وصانعي القرار بوضع خطط ملزمة لها بتحقيق تحسين ملموس ليس فقط في حجم الموارد المخصصة تجاه قطاعات التأهيل والتعليم والصحة (الجسدية والنفسية) والقطاع الثقافي الجماهيري، بل وضع خطة تطوير برفع معدلات ومعايير كفاءة توزيع تلك المخصصات وجودتها مع تكثيف تمكين الجهات الرقابية ورفع كفاءتها. فتح آفاق الحراك الاجتماعي الطبقي لطبقة “الفقراء الجدد” ليستبدل اليأس المجتمعي والركود بالأمل سوف يدفع نحو تفعيل قدرات ومشاركات قدرات مصر البشرية الهائلة من الشباب لتستعيد ثقتها في نفسها وحكوماتها وإلا سيتحول ناقوس الخطر إلى كارثة صعب معالجتها.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy