محمود الحضري يكتب :سياسات صندوق النقد والناس في مصر
بقلم: محمود الحضري
في نهاية يونيو وأوائل يوليو الماضيين وافق خبراء صندوق النقد الدولي على المراجعة السابعة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي المتفق عليه مع الحكومة، وتمت إحالة الملف إلى المجلس التنفيذي، والذي أصدر بيانًا في نهاية يوليو ومطلع أغسطس الجاري، معلنًا الانتهاء من المراجعة السابعة بموجب اتفاقية التسهيلات الممتدة للصندوق، والمراجعة الثانية بموجب اتفاقية تسهيلات المرونة والاستدامة لمصر، ليصبح أخر مرحلة قبل نهاية اتفاق الحكومة مع صندوق النقد الدولي أواخر العام الجاري 2026.
وسمح الصندوق بموجب الموافقة على المراجعة للاتفاق مع مصر للحكومة سحب حوالي 1.8 مليار دولار (تسهيلات وقروض)، إلا أنه ما جاء في بيانه يؤكد أن الصندوق ما زال يصر على ضرورة تطبيق السياسيات التي تمس الناس وحياتهم اليومية، باعتبارها الطريق الأسهل لحل الأزمات.
وهذا البيان جاء بعد حوالي شهر من بيان سابق عن انتهاء مفاوضات الخبراء، ويرى الصندوق أن إعلان الحكومة عن استئناف آلية التسعير التلقائي للوقود يُعدّ أمرًا بالغ الأهمية للحدّ من دعم الطاقة غير الموجّه والتقدّم نحو استرداد تكاليف الطاقة، وهذا يعني أن أسعار المحروقات تحت (مدافع رفع الأسعار) في أي وقت، وهي السياسية التي تؤثر على مختلف أسعار الخدمات اليومية، والنقل والشحن، والزراعة.
رفع أسعار المحروقات لن يقف تأثيرها على أسعار النقل والمواصلات العامة والخاصة فقط، بل يمتد كالسرطان إلى كل شيء حي، ليأكل الأخضر واليابس، ويتغلل في شرايين، المجتمع الإنتاجي بكل أنوعه الصناعي والزراعي، والاستهلاكي والخدمي، فكل القطاعات مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالمحروقات كمكون رئيسي عام في الإنتاج والخدمة.
وانطلاقًا من هذا فإن التأثير المباشر وغير المباشر لسياسة لآلية التسعير التلقائي للوقود، يمكن أن نسميه بسلاح فتاك اقتصاديًّا بحياة المواطن، إلا أن صندوق النقد الدولي يرى سياسة مهمة لتعزيز أوضاع الاقتصاد الكلي، وتعزيز إدارة المالية العامة وتخفيف المخاطر المالية، بما في ذلك تلك الناجمة عن الشركات المملوكة للدولة والهيئة المصرية العامة للبترول، أمرًا بالغ الأهمية، إلا أن تأثيرها على حياة الناس وتكاليف معيشتهم خطيرة.
ومن المهم أن نقرأ ترحيبات صندوق النقد، ومنها أن الإشادة بالتزام الحكومة بالانضباط المالي الرشيد، واستمرار ضبط أوضاع المالية العامة وتعزيز تعبئة الإيرادات، بما في ذلك من خلال توسيع القاعدة الضريبية، وذلك انطلاقًا من أنها أمر أساسي لتعزيز استدامة الدين وإعادة بناء القدرات الاحتياطية المالية، ولكن في المقابل فإن توسيع القاعدة الضريبية تعني مزيدًا من الأعباء على المواطن، خصوصًا في ظل غياب مفهوم (العدالة الضريبية).
ويبدوا أن سياسة تقليص دور الدولة في الاقتصاد والتخلص من الشركات والبنوك العامة تلقى مزيدًا من التوافق بين صندوق النقد الدولي والحكومة، ولكن سيبقى السؤال المهم يتمحور حول انعكاسات هذه السياسة على حياة الناس، ومدى توفير السلع والخدمات بأسعار مناسبة، خصوصًا وسط مؤشرات عن التوسع في تخارج الدولة من معظم القطاعات، بما في ذلك الخدمات العامة واللوجستية.
وما يقلق هو الترحيب من الصندوق بهذا عندما قال “لا تزال سياسة الملكية العامة التي تم اعتمادها مؤخرًا خطوة مهمة نحو تعزيز إطار الملكية العامة، مع الترحيب بالخطوات الحكومية لتحسين بيئة الأعمال وتعزيز المنافسة، بما في ذلك تبسيط إجراءات التخليص الجمركي وإدارة الضرائب.
وفي ذات الوقت مطالبة الصندوق بتسريع وتيرة الجهود المبذولة لتقليص دور الدولة في الاقتصاد وإتاحة مساحة أكبر لاستثمارات القطاع الخاص، بما في ذلك من خلال برنامج التخصيص، وبصورة أعلى مما تم الإحراز الذي يراه أبطأ مما كان متوقعا، منوهًا إلى أهمية انتهاء صفقة جبل الزيت، وبيع وزارة المالية لأسهم في شركات مختارة مدرجة في البورصة، وتحقيق عائدات تخارج الدولة منها بحوالي 520 مليون دولار.
وبعض ما جاء في بيان صندوق النقد الصادر في 31 يوليو الماضي يحتاج إلى مناقشة، للتخفيف من الأعباء الناجمة عن توقعاته، خاصة تلك التي تمس الحياة اليومية للناس، ونتوقف عند بعض التوقعات، حيث يتوقع أن يؤدي انخفاض الاستثمار، وارتفاع تكاليف المدخلات، واستمرار حالة عدم اليقين، إلى تباطؤ النمو إلى 4.4% في السنة المالية 2026/2027.
ومن المهم وضع سياسات تعالج التوقعات بارتفاع التضخم إلى 16.7% في النصف الثاني من عام 2026، نتيجة لارتفاع أسعار الطاقة، وانخفاض قيمة العملة، وتأثيرات المقارنة غير المواتية، مع تأخر التقارب مع النطاق المستهدف للتضخم من البنك المركزي المصري لمدة عام تقريبًا، مع العلم أن معدل التضخم الرئيسي انخفض إلى 14.3% في يونيو 2026، فيما ارتفع التضخم الأساسي إلى 14.3%، مع تقديرات صندوق النقد الدولي تشير إلى أن معدل التضخم الأساسي على أساس شهري سيظل مرتفعًا بنحو 1.5%.
ولا ننظر لكل الأمور من جانب السلبي، فحتمًا هناك بعض الأمور التي حققت جوانب إيجابية، فعلى الرغم من الضغوط التي تعرض لها الحساب الجاري في مارس في أعقاب ارتفاع أسعار النفط والغاز، إلا أن التدفقات القياسية للتحويلات المالية، وعائدات السياحة القوية، والتعافي التدريجي لإيرادات قناة السويس ساهمت في احتواء الأثر، وتم تقدير العجز بالحساب الجاري بنسبة 4.5% من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية 2025/2026، كما ساهمت عقود التحوط النفطي واتفاقيات توريد الغاز طويلة الأجل في تخفيف أثر ارتفاع أسعار الطاقة.
بيان صندوق النقد الدولي، يحتاج إلى قراءة أخرى قد نعود لها في بعض ما ورد فيه، فقد أضافت مراجعة المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي ديونًا جديدة بقيمة 1.8 مليار دولار، لتصل ديون الدولة للصندوق، بناء على أخر اتفاق مع الحكومة إلى نحو 7.3 مليار دولار.

التعليقات متوقفه