محمود الحضري يكتب:ترامب يستدعي التاريخ لصناعة مجد القلاع العسكرية

بقلم: محمود الحضري

رغم عدم وجود علاقة تاريخية مباشرة بين “أقواس النصر والنُّصب التذكارية، والقلاع القديمة، فكل منهما له خصوصية ومهام منفصلة، إلا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يسعى إلى إيجاد ربط جديد بين القلاع العسكرية القديمة لصناعة تاريخ لنفسه أولًا وأخيرًا، مع مشروعه (قوس النصر).

فقد طلب الرئيس الأمريكي من الجيش تحويل قوس النصر الذي اقترح بناءه قرب مقبرة أرلينجتون الوطنية في واشنطن إلى مجمع مخصص لتخزين ونشر الطائرات المسيرة وذخائر القناصة، معتبرًا مشروعه “المثير للجدل” أمرًا يتعلق بالأمن القومي، لمواجهة تهديدات هو وحده يراها دون غيره، ودون أن يوضح ماهية تلك التهديدات.

حاولت أن أجد ربطًا تاريخيًّا بين القلاع وأقواس النصر، فلم أجد سوى توضيحات بعلاقات غير مباشرة، ولكن المؤكد أن ترامب يسعى بالفعل لمشروع في رأسه، وصناعة تاريخ يرتبط بالقلاع الحصينة، ولكن من خلال ربطه بمشروع “قوس النصر” المزعوم.

والمعلومات تقول إنه لا توجد علاقة معمارية أو وظيفية مباشرة بين القلاع وأقواس النصر، فكل منهما ينتمي إلى عالم مختلف تمامًا من العمارة والتاريخ، فالقلاع تُبنى لأهداف وأغراض دفاعية وعسكرية، بينما تُشيد أقواس النصر لأغراض تذكارية واحتفالية.

إلا أن مشروع ترامب هو محاولة لصناعة مجد، للدمج بين القلعة وقوس النصر، فالأولى الهدف الأساسي منها الحماية والدفاع العسكري والسيطرة على الأراضي، وهو ما توضحه تصريحاته، بقوله: “المشروع يأتي لاعتبارات تتعلق بالأمن القومي” الأمريكي طبعًا، وهو في الوقت نفسه يهدف لتخليد الانتصارات العسكرية “الترامبية”، بدون أي علاقة مع هدف “قوس النصر” المتمثل في “الاحتفاء بالقادة”.

في كثير من دول العالم التاريخية كانت القلاع والأسوار تحمي حدود المدينة القديمة، وعندما توسعت المدن، وسقطت أو تلاشت الأسوار، تحولت بعض البوابات القديمة إلى أقواس نصر، أو من خلال تشييد أقواس في ساحات عامة قريبة من مراكز الحكم القديمة.

وفي مشروع دونالد ترامب، قرر اختيار موقع بالقرب من مقبرة أرلينجتون الوطنية وجسر النصب التذكاري على ضفاف نهر بوتوماك، مكلفًا الجيش بتحويل القوس إلى منشأة لتخزين ونشر الطائرات المسيرة، مع تخصيص مساحات لانتشار القناصة على السطح والساحات وتخزين الذخائر، وهو بالمفهوم القديم “قلعة”، وبارتفاع حوالي 76 مترًا.

ومن المهم التمعن في مفهوم كل من القلاع وأقواس النصر، لنفسر ما أراه في قرار (قوس نصر ترامب”، فكلاهما مرتبط بالحروب والجيوش، فالقلاع أداة حرب، ومنشآت دفاعية وعسكرية تحصينية، وتم بناؤها وفق إمكانات عصرها لإدارة المعارك، وحماية الحدود، وتوفير ملجأ آمن للجنود والقادة، فيما أن أقواس النصر هي أداة الاحتفال، ما بعد الحرب، لتصبح نُصبًا تذكارية بهدف استقبال الجيوش العائدة منتصرة، حيث يمر القادة والجنود من تحتها في موكب احتفالي مهيب.

ويسعى مشروع ترامب إلى تحويل “قوس النصر” إلى قلعة لإدارة الحرب والمعارك، معتبرًا أن هناك تحديات أمن قومي، تتطلب هذا المشروع، ليصبح “قلعة” تضم أحدث أنوع الأسلحة والمعدات العسكرية، والتكنولوجيا العسكرية الجديدة، في العصر الحالي، علاوة على أنها تكون مخزنًا للأسلحة.

ووفقًا لما ذكره موقع “أكسيوس” الأمريكي فإن “قوس النصر” سيتحول إلى منشأة ذات استخدام مزدوج تضم قناصة ومسيرات ومخازن ذخيرة، بل سيكون له استخدامات أخرى، وهو ما ذكره دونالد ترامب نفسه، حيث وضع المشروع في دائرة الأهمية الخاصة، ليتحول قوس النصر إلى مجمع عسكري، في استدعاء تاريخي بالفعل لمهام القلاع، ومحاولة بناء تاريخ جديد ينسبه لنفسه.

من تحليل طريقة تفكير الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فإن مشروع هو نفسه ما كان يفكر فيه الحكام تاريخيًّا من القلاع بصناعة “البروباجندا السياسية” لأنفسهم، حيث كانوا يستخدمون القلاع وأقواس النصر، لإظهار الهيمنة، فالقلعة تخيف الأعداء في الخارج والخارجين عن القانون في الداخل، وقوس النصر يستعرض القوة أمام الشعب ويسجل التاريخ لصالح الحاكم.

وفي هذا التفسير جاء ما ذكرته وكالة “أسوشيتد برس” بأن قوس النصر يُعد واحدًا من مشروعات عديدة يسعى الرئيس الأمريكي إلى تنفيذها لترك بصمته الدائمة في واشنطن، ومن بين مشروعاته، قاعة الاحتفالات في البيت الأبيض، وإعادة تسمية مركز كينيدي وتجديده، وترميم بركة لينكولن التذكارية العاكسة، وإعادة بناء ملعب جولف في حديقة “إيست بوتوماك”.

مشروع ترامب في واشنطن، اعتبره أمريكيون يأتي خطة ضمن مساع أوسع للرئيس لإعادة تشكيل المشهد التذكاري في واشنطن، وأقام محاربون قدامى دعاوى قضائية لوقف المشروع، معتبرين أنه سيدمر خط الرؤية التاريخي بين نصب لنكولن التذكاري ومقبرة أرلينجتون الوطنية، هذا بخلاف ما أثاره خبراء في مجال الطيران من مخاوف تتعلق بالسلامة بسبب قرب الموقع من مطار رونالد ريجان الوطني في واشنطن.

وأمام كل هذا ظهرت نرجسية دونالد ترامب، بقراره ببناء “قوس نصر” واشنطن، بل صوره على أنه قضية أمن قومي، وأدخل الجيش طرفًا في المشروع، حيث كتب “بناء على طلب قوي من الجيش الأمريكي، ولأغراض الأمن القومي، وافقت على تحويل قوس النصر الرائع، الذي تم التخطيط له منذ حقبة الحرب الأهلية منذ سنوات عديدة، في الدائرة الاستقبالية المجاورة لجسر أرلينجتون التذكاري، إلى مجمع عسكري”، ومن الواضح أن تعبيرات ترامب استهدفت ضمان عدم اتساع معارضة مشروعه.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy