خَبَّرني العندليب ..رؤية للشارع المصري

أحمد على بدوى

ناقشت الندوة التى انتظم حزب التجمع فى عقدها كل يوم سبت، كتاب الإعلامى النابه عمر قناوى “خبرنى العندليب” و”الثورة المصنوعة”. والأول منهما عن ثورة الخامس والعشرين من يناير، وثانيهما عن ثورة الثلاثين من يونيو.

والمألوف أن الكتابات التى تتضمن شهادات عن أحداث تاريخية، تتخذ عادة واحدا من قالبين أولهما تُصَبُّ فيه شهادات من لمعت أسماؤهم فى ارتباطها بالأحداث التى يكتبون عنها، وبات الجمهور يتطلع إلى معرفة المزيد من تفاصيل مشاركتهم فى الأحداث. وفى الكتابات الغربية نماذج على هذا القالب من أشهرها مذكرات تشرتشل وأيزنهاور وديجول التى أرضت فضول الجماهير العريضة التائقة إلى معرفة تفاصيل الحرب العالمية الثانية، والتى تتصور أن أولئك الأفراد هم وحدهم أصحاب الفضل فى انتصار الحلفاء! وعلى أرضنا نجد فى القالب نفسه أعمالا من طراز كتاب محمد نجيب “كلمتى للتاريخ” وكتاب خالد محيى الدين “الآن أتكلم”. وكل من صاحبى الكتابين كان له فى ثورة سنة 1952 دور يوقن جمهور القراء أنه لولاه لاتخذت الثورة مسارا مختلفا!

أما القالب الآخر فهو للبيان الجاد البرىء من تضخم الذات، وحيث يتوارى المؤلف خلف المعلومات التى يوردها بأمانة وصدق، حتى إن كان معاصرا للأحداث ومؤثرا فيها. وهو القالب الأصلح لأن يصب فيه عملهم من يعلمون أن أسماءهم ليست بعد معروفة لجمهور من قراء مهتمين بمعرفة الأحداث نفسها – لا الدور الذى لعبه فيها من يقرأون له – ومقتنعين بأن أفعال الفرد هى نتاج تركيبة العلاقات الاجتماعية لا المسببة لها.

ويحاول كاتبنا بأقصى ما يستطيع إيراد معلومات تفى بالموضوعية المنشودة من الكتابات الواجب أن تصب فى هذا القالب. ويوردها فى عمله من خلال ما يخاطب به نفسه، قائلا فى موضع: “تنتبه إلى أنك…”، وفى آخر: “تمنيت أن تنشق الأرض وتبتلعك لأنك لست فى الميدان”! فيذكرنا بأعمال لعل من أشهرها رواية كتبها الأديب ميشيل بوتور سنة 1957 بعنوان “التعديل” La Modification وذلك العمل الآخر الذى نشره الكاتب جورج بيريك سنة 1967 ثم عالجه بنفسه للسينما: “الرجل الذى ينام” L’homme qui dort، وهذا على مستوى العالم. أما فى بلادنا فنعرف للشاعرة والكاتبة جولبرى أفلاطون ما كتبته باللغة الفرنسية كذلك وسجلت فيه سيرتها الذاتية بمثلما فعل بيريك.

فى عمله راعى الكاتب الفرنسى إشراك القارئ فى شهادته عن حياته، إذ قام بتصفيتها من كل تفاصيل قد يعد البوح بها شكوى مما لا يعانى القارئ مثله. واستخدامه ضمير المخاطب خدم غرضه من عمله.

وفى عمل كاتبتنا كان أروع الأجزاء هو “واسطة العقد” الذى بعنوان “نزهة السجون” La Balade des gôeles، حيث تصف انتظام ترددها على المعتقل لزيارة كل من زوجها الدكتور إسماعيل صبرى عبد الله وشقيقتها الفنانة إنجى أفلاطون، طيلة ما عرف باسم “السنوات الخمس السيئة” (1959-1964)، والتى كانت هما مشتركا لكثير ممن يحتمل أن يقرأوا العمل. واستخدامها ضمير المخاطب خدم غرضها من عملها.

وفى عملية عن المرحلة الراهنة من تاريخ مصر، أعاد كاتبنا عمر قناوى نشر ما دونه – والأحداث لا تزال بعد ساخنة – على صفحته الشخصية فى “الفيسبوك” والتى يطلع عليها عدد محدود من أصدقائه المقربين، بمثلما كرر ما ذكره لأولئك الأصدقاء فى لقاءاته بهم ومكالماته التليفونية معهم. ولا شك فى أن استخدامه ضمير المخاطب خدم غرضه من عمله، والواضح أنه لم يكن إشراك أكبر عدد من القراء – الذين لم يعرفوا اسمه بعد – فى شهادته!

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy