كل هذا العنف الدرامي !
من يعيش وسط عالم الدراما الرمضانية طوال شهر بأكمله مقسما بين قصص وحكايات عديدة لأبطال المسلسلات التي أصبحت ضمن التاريخ الفني والثقافي ، وأيضا الاقتصادي لمصر في هذا العام ، سوف يكتشف ملامح عامة تخص جزءا من هذه المسلسلات الجديدة مثل التعامل مع موضوعات كانت محظورة في الماضي مثل ” ظل الرئيس ” الذي يعاني بطله يحيي ( ياسر جلال) من محاولات قتل متعددة غامضة له استطاعت اقتناص زوجته وطفله الوحيد في البداية وحتى الحلقة الثالثة والعشرين حين جرح هو وذهب للعلاج أما السبب فهو كونه كان أحد حراس الرئيس (مبارك) أثناء رحلته الشهيرة إلى أثيوبيا والتي تعرض فيها لمحاولة اغتيال ، ويأبي صناع المسلسل أن يقدموا لنا وضوحا أكبر من أي أحد (الكبار) يريد الخلاص من يحيي ، وأن هذا الكبير طلب هذه الخدمة من الوزير ( اشرف ذكي) الذي طلبها من زوج ابنته الضابط صديق يحي القديم(محمود عبد المغني) وهكذا يضعنا المسلسل الذي كتبه محمد سعيد أمين وأخرجه أحمد سمير فرج في حالة استنفار مستمر طوال الوقت بسبب هؤلاء الذين يخرجون من أي موقع بسياراتهم ومدافعهم وراء البطل ، أما مسلسل ( وضع أمني) تأليف حسين حمدي واخراج مجدي أحمد علي فيضعنا في وضع القلق طوال الحلقات بسبب حروب بطله حسن (عمرو سعد) خريج الفنون الجميلة الذي يتعرض هو الآخر لضغوط كبيرة تحوله إلى مقتحم لمستشفى يعالج فيها أحد الكبار فيستولي عليهما تحت تهديد السلاح في بداية الحلقات ليبدأ العمل بعدها في سرد قصته وقصص من حوله وخطيبته (ريهام حجاج) التي يعاديه أهلها والاعلام الذي وجد في استيلائه على المستشفى فرصة ذهبية للتجمع والبحث عن قصص تعرضها الشاشات ولا يخلو الأمر بالطبع من وجود قيادة أمنية تحاول التنسيق بين القوة القادمة معها للمستشفى وبين رغبات مراسلي ومراسلات القنوات الفضائية التي تحاصر المستشفى ..(رياض الخولي).
من كلبش .. إلى أرض جو
ونأتي إلى المسلسل الثالث الذي يسيطر عليه الهاجس الأمني وهو (كلبش) الذي يقوم ببطولته أمير كراره في دور ( سليم الانصاري) الضابط الذي يتعرض لخطة محكمة لإدانته بتهمة تعذيب مواطن حتى الموت فيقرر الهروب لإثبات براءته وقصة العمل هنا لا تخص كاتب المسلسل باهر دويدار ، فهو من كتب المعالجة الدرامية فقط وليس القصة ، ولكن كم المطاردات واستخدام السلاح يخص مخرجه الصاعد بيتر ميمي الذي قدم قبله مباشرة مسلسل ( الاب الروحي) في بداية بث شبكة dmc مؤكدا على هذه الملامح في تناول أي موضوع اجتماعي أو بولسي ، العنف والعنف المضاد ، ولكنه هنا ليس وحده فسلوك العنف في المسلسلات هذا العام ، والمطاردات ، واستخدام السلاح أصبح شائعا في الدراما وكأنه شائع في الحياة وهو أمر محير بالفعل ، فهل يأخذ هؤلاء الفنانون سلوكيات أبطالهم من الحياة أم يزايدون ويزيدون علينا ؟ .. أن ملف مسلسلات رمضان يتضمن مسلسلين غير هذا يسيران في نفس الاتجاه هو ” الحالة ج” والثاني ” أرض جو” الذي يبدأ بعملية خطف طائرة من قبل راكب شاب أخرج مسدسه يتضح أنه شقيق أحد المضيفات على نفس الطائرة (غادة عبد الرازق) وبالرغم من أهمية البداية ، إلا أننا بعدها نكاد نفقد أثر هذا الشقيق الذي أصبح إرهابيا لأن شقيقته هى نجمة العمل التي يجب الاهتمام بها أولا ودائما منذ أن نزلت الطائرة إلى مشاكلها في العمل مع الرئيس ( أحمد عبد الوارث) وزميلها الطيار (محمد كريم) وكلاهما طامع فيها إلى مشاكلها الأسرية ومشاكل زميلاتها وقصة أبيها ( أحمد فؤاد سليم) الذي لايريد بيع مكتبة تركها له والده وأوصاه بها.
وعنف الأسرار على الموبايل
من جانب أخر .. فإن أشكال العنف الأخرى ، بدون المسدسات والبنادق والأسلحة البيضاء ، تبدو هي الأخرى شديدة الوطأة فيما نراه من أعمال درامية جديدة ، وأولها عنف التكنولوجيا ووسائط السوشيال ميديا ، وهو ما يمثل جزءا مهما في مسلسل “هذا المساء” الذي يعمل جزء من أبطاله في اصلاح أجهزة الموبايلات وحل مشاكل زبائنهم معها ، خاصة النساء ، ليصبح في إمكان الشاب سوني (محمد فراج) ومعه الصغير تريكه الشقيق الاصغر لشريكه في المحل سمير ( أحمد داود) ليصبح في إمكانهم النفاذ إلى أسرار الناس عبر الأجهزة التي تسجل كل شئ وليصبح الطريق ممهدا لممارسة العنف ضد من ترفض رغبة أحدهم فيها ، لو ضبط على جهازها ما يمكن تحويله إلى فضيحة ، وهكذا تقع فتيات ونساء عديدات في حبائل هذا العنف الذي لا يفرق هنا بين الاخلاقيات والنوايا ، وإنما يصبح القادر على سبر أغوار حسابات غيرة قادر على ابتزازه وفضحه بحق وبدون حق ، في أمثلة متعددة يحتل بها هذا العمل الذي كتب قصته مخرجه تامر محسن وكتب المعالجة أحمد جمال وورشة من أربعة ، وغير هذا العمل فإن تأثير استخدام الأجهزة الذكية والتعامل معها يبدو واضحا في أعمال أخرى على شاشات رمضان منها ( لأعلى سعر) الذي تدور الحرب فيه بين الطامعين في المال والقوة من خلال ” صور” و”فيديوهات ” تصل إلى الشخص الملائم في اللحظة الصعبة لتصنع واقعا جديدا وهو ما يحدث في موقفين أولهما حين أصدر القاضي حكما بنزع حضانة الطفلة ” شوشو” من أمها جميلة ” نيللي كريم” بعد فيديو وصله ظهرت فيه الطفلة وهي “ترقص” في حضرة امها وحدها! والثاني حين قررت العروس ” فيدرا” الغاء زواجها من كريم” أحمد مجدي” قبل العقد مباشرة بعد أن تلقت صورة على الموبايل له وهو في أحضان أخرى .
أما في مسلسل ” الحساب يجمع” فإن العنف اللفظي ينتشر ، لكن العنف السلوكي يأخذ بعدا أكبر حين تحرق سماح (بوسي) ميكروباس الشاب الذي ستتزوجه بعد أن رأت فيه فتاة غيرها ، وهناك بالطبع عنف الألفاظ والإيحاءات المتداول بشدة في عدد كبير من المسلسلات سواء كان الموقف الدرامي يسمح أو لا يسمح .. غير أن تناول هذا الملمح من خلال بعضها هو أمثلة وموجود ماهو أكثر منها في أعمال أخرى مثل (30يوم) و(كفر دلهاب) مثلا .. لكن الاغرب من هذا كله هذا العنف في مسلسل مثل (واحة الغروب) لا علاقة له بالحاضر وإنما تدور أحداثه في القرن الماضي ، وحيث يقتتل رجال القبيلتين المكونين لشعب الواحة ـ واحة سيوة ـ ويتم ممارسة عنف مستمر ضد النساء ، من العزل والحكم بعدم الخروج إلى عقاب من مات زوجها بحبسها فترة ( لأنها شؤوم) إلى قتل المأمور القادم من العاصمة ممثلا للحاكم .. برغم هذا التاريخ الطويل البعيد عن الحاضر بكل أسلحته ، فإن (واحة الغروب) المأخوذ عن رواية الكاتب بهاء طاهر الشهيرة وأخرجته كاملة أبو ذكرى يبدو وكأنه يؤصل لتاريخ العنف في مجتمعنا .ويؤكد أن العنف الحديث هو ابن للعنف القديم والتاريخي ، وأن ما كنا نردده حول هدوء وتجانس مجتمعنا أمر مشكوك فيه ، ويحتاج إلى دراسة حقيقية .. وبالتالي ، فإن الدراما لم تفعل شيئا إلا قيامها بفضح مجتمع يدعي غير ماهو عليه .

التعليقات متوقفه