الشاعر محمد السيد إسماعيل: أعيش الشعر قبل أن أكتبه
الإخلاص سمة أساسية فى تجربته الإبداعية، سواء فى الشعر او النقد، يعيش الحالة كما تأتي، يسجلها بتفاصيلها التي تجمع بين الهم العام والهم الخاص منذ ديوانه الأول « كائنات فى إنتظار البعث » مروراً بـ « الكلام الذي يقترب» و «تدريبات يومية » و «استشراف إقامة ماضية» بالإضافة إلى أعماله النقدية مثل « الحداثة الشعرية » و «الرواية والسلطة » و « الخروج من الظل ».. عن القصة النسائية فى مصر، وما بين الإبداع والنقد مساحة للتلاقي والاختلاف تصل بتجربته فى النهاية إلى المعنى الذي يرى به نفسه فى مرآة الحياة إنه الشاعر والناقد د. محمد السيد إسماعيل.
● للبدايات دائماً سحر خاص كيف كانت بداياتك مع عالم الشعر ؟
·· بدأت علاقتي بالشعر من المرحلة الثانوية، بالتحديد من خلال مكتبة المدرسة التي كانت زاخرة بالأعمال الكاملة لعدد كبير من الشعراء مثل أحمد شوقي، وعبد الرحمن شكري، وإبراهيم ناجي وغيرهم، ثم تطور الأمر من خلال علاقتي ببيت ثقافة « شبين القناطر « ومن خلال تشجيع بعض معلمي اللغة العربية لمحاولاتي الأولى.
وأذكر أنه فى تلك الفترة قد صدرت مجلة بسيطة مع الأستاذ « فوزي حمزة « اسمها « الرسالة « وهي التي نشرت فيها أولى قصائدي التي لم يكن بها خطأ عروضي أو لغوي، وذلك قبل أن أنهى دراستي الثانوية.
وأذكر بالتحديد أن كتاب الشاعر الراحل حسن توفيق عن إبراهيم ناجي بعنوان « إبراهيم ناجي قصائد مجهولة « كان له أثر كبير على، حيث أطلعت من خلاله على رواد قصيدة التفعيلة فى مصر وشعراء جيل الستينيات، وأذكر أنني فتنت بهذا الشعر وبدأت كتابته بالفعل وأنا طالب بالصف الثالث الثانوي.
وبهذا أكون قد قطعت مسافة كبيرة فى تطوير قصيدتي قبل إلتحاقي بالجامعة، إلى درجة أن رائد جماعة الشعر بكلية دار العلوم كان شديد الإعجاب بمستوى هذا الطالب الذي كان لا يزال بالفرقة الأولى، ويكتب بهذا المستوى الفني المتطور
● كان لجماعة الشعر فى كلية دار العلوم، أثر واضح بعد ذلك فى حركة الشعر المصري خاصة فى جيل الثمانينات إلى أي مدى ترى هذا الأثر ؟
·· لحسن حظي أنني التحقت بكلية دار العلوم فى سنة تزامن فيها وجود مجموعة متميزة من الشعراء أذكر منهم الشاعر فتحي عبد الله، والشاعر الراحل المتميز مشهور فواز، ومن الأجيال التالية محمد عليم ورضا العربي، ومصطفى عبادة وكنا نمثل ظاهرة، واضحة فى الكلية حيث كنا نكتب جميعاً قصيدة التفعيلة بأحدث تقنياتها الفنية، الأمر الذي لفت نظر د. صلاح رزق، فكتب دراسة عنا جميعاً نشرت فى مجلة « الشعر « تحت عنوان « شعراء دار العلوم الشبان « وأذكر أننا كنا نقيم ما يشبه الورشة الأدبية نقرأ فيها أعمال أمل دنقل وإبراهيم أبو سنة، وسعدي يوسف.. وعندما عملت مقرراً للجماعة حرصت على دعوة شعراء السبعينيات، وكان على رأسهم الشاعر الكبير حلمي سالم، الذي ألقى إحدى قصائده التفعيلة عند « حصار بيروت « وقدمته بنفسي قائلا « إن من مآثر هذا المهرجان استضافة الشاعر الكبير حلمي سالم ».. مع ذلك هناك مرارة من جيل الثمانينات الذي يرى أنه ظلم من تأثير جيل السبعينيات واستحواذه على الساحة الثقافية، مما عاد بالسلب على أبناء جيل الثمانينات.. ·· الحقيقة أن جيل الثمانينات لم يظلم فقط من استحواذ جيل السبعينيات على منابر النشر فقط، بل من الجيل التالي له والذي عرف بجيل التسعينيات الذي خطف الأضواء بمقولات كانت خارجة عما هو مستقر من جماليات شعرية مثل معاداة المجاز والتركيز على تداولية اللغة، والتركيز على اليومي والهامشي، والشخصاني، وكسر التابوهات. وقد وجد هذا الجيل من النقاد من يقف وراءه، وأنا بالمناسبة لست ضده إطلاقا وكتبت عن بعض شعرائه ولكنني أرصد هذا المأزق الذي وقع فيه جيل الثمانينات، وهو حصاره بين جيلين صاخبين، لكن الوقت أثبت أن جيل الثمانينات من أهم الأجيال الشعرية التي أثبتت وجودها، وحققت كثيرا مما كان يفتقده الشعر فى جيل السبعينيات،، دون أن ينزلقوا إلى هذه المقولات التي راجت فى جيل التسعينيات، والتي للأمانة مثلها مجموعة قليلة من هذا الجيل.. ومع ذلك فإن أول قصيدة نشرتها على المستوى الرسمي أنا وفتحي عبد الله وعبد الفتاح شهاب الدين كانت فى مجلة « إضاءة 77» التي قدمت ملفاً عنا بعنوان « شعراء العقد الثامن «.
● ما بين ديوانك الأول « كائنات فى انتظار البعث « و» ديوانك الأخير « تدريبات يومية « مساحات شاسعة من الرؤية، والاختلاف، كيف تقيم تلك المسافة الزمنية والروحية ؟
·· اعتقد أن ديواني الأول كتب فى سياق يختلف كثيراً جداً عن سياق الدواوين اللاحقة له، فقد كتبته متأثراً بمقولات التغيير والالتزام، ربما بأثر من بعض القناعات اليسارية التي اعتقدت فى صحتها، فتجد الهم العام مسيطراً على هذا الديوان.
وكنت كثيرا ما أحاول الإجابة على سؤال محدد وهو كيف أكتب قصيدة تتوالي مع قارئها دون أن تسقط فى المباشرة، ودون أن تتخلى عن جمالياتها ؟
وأعتقد أنني قدمت اجتهاداً جيداً فى هذا الديوان لتحقيق هذه المعادلة، فالقصيدة لم تكن مبذولة للقاريء دون جهد، ولم تكن مغلقة عليه فى الوقت نفسه، فكنت دون عمد لتوظيف التراث والاستفادة من تقنية الحوار الذي رأيته فيما بعد إرهاصا لما كتبته بعد ذلك من مسرحيات.. فى الديوان الثاني « الكلام الذي يقترب « إنحاز إلى كثافة المجاز واللغة الشعرية المكتنزة بالمعنى والرؤية الحسية للوجود دون أن تبتعد عن هواجس الديوان الأول، وإن كان بصورة أكثر نضجاً وتطويراً، حيث بدأ ظهور النزعة الصوفية بوصفها رافداً أساسياً فى الديوان، وفى « استشراف إقامة ماضية « بدأ الحضور الفردي للقصيدة التي جنحت إلى القصر والكثافة وإن ظل هاجس الكتابة عن الشخصيات العامة التي تتسق مع رؤيتي موجودا وهو ما سوف يتضح أكثر فى ديوان « تدريبات يومية « وهو ما يعد تطويرا لما عرف فى جيل الستينيات بقصيدة القناع، وأصبحت القصيدة فى هذا الديوان متخففة من ثقل المجاز محاولة التأثير على قارئها بالمشهد الكلي، واللغة الحميمة البسيطة.. ·فى ديوان « تدريبات يومية « اعتمدت على التكثيف عبر لغة إشارية مركزة وبناء تراثي أحيانا فى بنية النص الشعري.

التعليقات متوقفه