هواء نقى: هيكل ظاهرة مصرية
مرت منذ أسابيع قليلة الذكرى الثالثة لرحيل الكاتب الصحفى الكبير محمد حسنين هيكل، الذي لم تكن تجربته فى الصحافة المصرية مجرد تجربة صحفية كان لها تأثير على أكثر من مستوى، بل كانت تجربة فى الوعي الإنساني والسياسي والاجتماعي والفكري.
تأسست هذه التجربة على الطموح اللامحدود، والاستكشاف لآفاق المستقبل، والبحث عن صيغ لا محدودة لتجاوز الصعوبات، إنها كاريزما الحضور، وصناعة التاريخ، فلم يكن « هيكل، هو ذلك الصحفى الكبير صاحب الخطاب السياسي، والمؤثر فى الأحداث فقط، بل وصانع للحدث السياسي فى بعض الأحيان، بل تجاوز كل ذلك إلى البعد الجماهيري، فلم يرتبط القاري المصري بمقال صحفي، مثلما ارتبط بمقالات « هيكل « سواء فى «الأخبار « أو « الأهرام «، وتحليلاته السياسية لأكثر من سبعين عاماً من الكتابة والرؤية، وانفتاح الوعي على آفاق رحبة من التغيير والتحولات والثورة، والعواصف فمنذ أن لامست يداه القلم كان حلم الكتابة يراوده، ذلك الطفل الذي ولد فى 23 سبتمبر فى قرية باسوس بمحافظة القليوبية عام 1922، دخل الصحافة عام 1942، ولم يكمل عامه العشرين.
وكان اختيار «هيكل» من جمال عبد الناصر رهاناً مهماً ليكون أحد أهم الأصوات المبشرة بثورة 23 يوليو، فظل وفياً لهذه الثورة، ناقداً لها أحيانا،وقد صدر له عدة كتب عن الحقبة الناصرية منها «عبد الناصر والعالم» و«نحن وأمريكا» و «وثائق عبد الناصر» وهو عبارة عن مجموعة من الأحاديث والحوارات والتحليلات السياسية.
أما علاقة هيكل بالرئيس الراحل محمد أنور السادات فكانت فى معظم الوقت علاقة متوترة، ومع تزايد هذه الخلافات بينهما أصدر السادات قراراً بنقل «هيكل» من رئاسة مجلس إدارة الأهرام إلى قصر عابدين للعمل كمستشار لرئيس الجمهورية، لكنه اعتذر عن تنفيذ القرار، ثم كتب بعد ذلك كتاب «خريف الغضب» والذي قدم فيه نقداً حاداً للسادات وسياساته، ثم ألف فى عام 1980 كتاب «السلام المستحيل والديموقراطية الغائبة» وقد تميزت حياة هيكل بصفة عامة بالثراء المعرفى والعقلي والسياسي.
فقد عاش طوال حياته مناصراً للحرية، وداعياً لمبادئها. وصارت حياته ما بين الشد والجذب، ومابين الاتفاق والاختلاف.
امتاز بجسارة الموقف وقوة الرأي، وعمق التحليل السياسي والاجتماعي.
هو ظاهرة مصرية تستحق الدراسة لتأثيرها على أجيال متعددة، رغم أننا نختلف كثيراً مع بعض مواقفه السياسية.

التعليقات متوقفه