قام أنصافُ الموتى الحالمون بالنوم السرمدى فوق أعناقنا، ورأوا نصف حياة والهلال أوشك أن يكتمل، نهضوا من ثباتهم لأن أرض الإله لم يسير بها ما بداخل التابوت، لكن شياطين سليمان برعوا فى نقلها ، وكانوا أمهر البنائين وأقوى الغواصين وقال الرب هذا حين كان يروى للرسول العربى أن : ” ومن الشياطين كلٌ بناء وغواص” .
نهض الموتُ واستدعى البناءون وقالوا مصرايم بنى تلك الرقعة الجغرافية لنا هذا مكتوبنا الذى آمنا به، نحن بنو أنفسنا بنو نبيّنا إسرائيل نحن بنو الشتات، دأبنا نسير فى صحراء قُدّر لنا أن نسير فيها، لكننا كتبنا لأنفسنا موعداً لن نخلفه أبداً.
سيسقط المطر من عين السماء ليروِ بذور الأرض، وإن لم يكن فلترويها دمائنا، نحن أبناء الثرى الطاهر، لا نقسو على أحدٍ لكنهم يريدون قطع وريد الأرض لا ماء ولا سماء، لماذا لأنهم أرادوا قطرة ماء من نهرٍ نسوا أنه مُحرّم عليهم، هكذا ذُكر فى أحد الأسفار، سفرٌ تم إلقاء تعويذة خفية من قرون لتختفى أحرف كلامه، كلام الرب لنبيّه الذى سفط مغشياً عليه، لكن الرب تحدّاهم وألقى كلماته التامات مرات ومرات، فالآلهة لا يُصيبها اليأس، هى تتسم بحكمة القول والتعقيب، ورسائل الرب تقول أن مصر فى رحم الحياة وعنق الخلود مهما تتطلب الأمر، جنودٌ لم يروها فقط تحارب فى الليل ونسورٌ لم تهاجم بعد، وصقورٌ ترى ما لا يرى وجاهزةٌ للاحتفال فى أى وقت.
نعود فوق أعلى قمم السحر، نُلقى الألواح فلا فائدة منها الآن، نحن أبناء الوجود أبناء التميّز والخلود، والرب يرعانا فنحن أولى به من الجميع هو من شاء هو من اختارنا، والآن الشمس ينكسر تعامدها على رمسيس سنكسّر قوقع جمجمة حورس لتبكى أمه ونستمتع بنحيب الأجداد.
يريدون توريطها ؟!!! فى حربٍ لم تُخلق من أجلها، قومٌ من رعاةِ الأغنامِ وجدوا الخلاص من فيض غبائهم، يريدون توريطها، كلكامش رفض إغوائها وتشبث بأفكاره، من أين أتى التاسوع المُقدس من هنا أم من هناك، لكننى على يقينٍ من أن أودن يقبع فى عقول الأذكياء يصنع ما يصنع من مؤمرات، لتتكامل أوديسة من جديد فى زمنٍ بعيد لا تملئه الأساطير.
“اهوراماذا” و”أهرمان” ليس إلا تجلٍ واضح للحقيقة، ليبقى الصراعُ صراعاً فليشهد التاريخ على ضحاياه، ولنتعرّف على دورِ الحصان فى الوشاية والتمويه، الذئب البرئ قد ينتقم ليعيد بناء الماضى من جديد، كنعان يبكى ولا يجد من يُسديه النصائح فرائحة الكراهية والغدر والخديعة امتلأ بها الهواء، إلى أين يسير الحصان؟!
مصر لا تخرج خارج سياق التاريخ، إلا بإرادة إلهية أمرٌ قطعى وليست إرادة بُناة الموتِ، فالموت أمر حتمى ومصير أبدى لكننا لن ندفن أنفسنا بأنفسنا، كنا دوماً دروعاً خفية دمنا إلى النهاية أوفياء للأرض وللتاريخ، مصر التاريخ ليس لها علاقة بأفراد بل تعترف بقوة المنطق وثبات الحجة والدليل.
حاولوا خنقها لكن آش دافع باستماته محاربٍ ارتقى لمنزلة الإله، والآلهة لا تكذب ولا تخدع ولا تخون، فهناك تركت أمنتت وليدها الميت وحفظت ترابه فى أرض الموتى، يحيا الغد المأمولِ ولذا لم يتركها أنوبيس المخلص، أما عن أوزوريس فقد اتسقت صفات الموت عنده واكتمل به التاسوع، أبناء حورس فى يقظةٍ كاملة وفى أى وقتٍ يشاء الرب ابتلائنا ستنهض باخت من جديد ليعلن نفير الحرب فى أبواقنا المسمومة ويحيى رفات الموتى من تلك الجبانة، وليأمر حابى بالفيض الغزير ولتتجلى ماعت بزيّها البديع فى أضواء السماء.
مصر يبنيها المخلصون المتحابون الأقوياء، جميع الممتلئة أوردتهم بالغباء وكل الخونة راحلون ، راحلون تحت أقدام الثرى فجميعهم سيان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام، هو وحده أمهلهم ولم يهملهم، لكنهم أهملوه فلينتظروا عقاباً جماعياً، ليرتوا بالدمِ ويتحرروا من خطاياهم.
ونحن لها،،، نحن أبناءُ الأرضِ الطيبة أرض آمون وحورس وأجداده، أرض الله الخالصة له، أودعها لنا ونحن لها، مصر لنا ونحن لها، وليتجه بناةُ الموتِ لمقابرٍ أخرى فنحن لم يحن موعد موتنا بعد، لا لم يحن خروج سكين سليمان أو عصا موسى أو سر
داوود أو روح يحيى أو جسد عيسى.
أتوم الحقيقة يتنفس ، وآتون النور سيترك عبر أودية النيلِ قناديلاً مضيئة، لا خوفٌ عليه ولا يحزنون.
مصر لا تموت مصر لن تمت.
*الباحثة في “الإعلام السياسي” دينا محسن تكتب: بناةُ الموتِ ..ورائحةُ الخديعةِ الكبرى

التعليقات متوقفه