أمينة النقاش تكتب:وهى الأحزاب  فين وبتعمل ايه؟

ضد التيار

وهى الأحزاب  فين وبتعمل ايه؟

أمينة النقاش

لا تعقد ندوة تليفزيونية أو بحثية أو عامة فى أى مكان غير حزبى ، لمناقشة الأوضاع السياسية، إلا و ينبرى جهبذ من الجهابذة ممن يظن نفسه عالما ببواطن الأمور الحزبية وغير الحزبية ،أو متحدثا باسم الدولة ومدافعا عنها بمهاجمته الأحزاب والاستهانة بأدورها، دون أى أمارة تكشف لنا سبب هذا الظن ، بطرح السؤال المتكرر : هى الأحزاب فين وبتعمل ايه؟!

كان آخر “الافتكاسات “فى هذا السياق، ما ورد فى الحلقة النقاشية التى قدمتها قناة تن الفضائية الأحد الماضى، للتعليق على  قرار الرئيس “السيسى “بالغاء مد حالة الطوارئ ، واستضافت نخبة من الكتاب والمثقفين والباحثين والنواب ، معظمهم لا ينتمى لأى حزب، ولم تشأ الحلقة أن تفوت الفرصة، دون أن تطرح السؤال الاستنكارى السابق، فى معرض التقليل من شأن الأحزاب ،والتحسر على ما تقول  أن 3% من الشعب المصرى، هم  فقط من يهتمون بالعمل الحزبى . 

ولأن الأجابة عن السؤال المذكور أعلاه ، معروفة ومحفوظة عن ظهر قلب ، لولا أن الجهل والادعاء والغرض، الذى هو مرض، يعمد إلى تجاهلها، فإن نظرة إلى صيغة التجربة الحزبية فى العهد الجمهورى، قد تفيد من لا يعلم، ويريد أن يعلم .

وكما هو معروف، ألغت  ثورة 23 يوليو الأحزاب، وأقامت التنظيم السياسى الواحد متمثلا فى الاتحاد القومى ثم الاتحاد الاشتراكى، طبقا لما كان سائدا فى الدول الوطنية التى تحررت من عهود الاستعمار. ومع ذلك وبعد نكسة يونيو 1967 اعترف الرئيس جمال عبد الناصر بفشل التجربتين معا.

وحين تغيرت الأجواء السياسية، أعاد الرئس السادات تجربة التعدد الحزبى، مشروطة بمحدودية الحركة ، وبمنح الحزب الحاكم بها كل الامتيازات على حساب الأحزاب الأخرى، فيما أطلق عليه نظام الحزب الواحد فى قالب تعددى . وفى عهدى الرئيسين السادات ومبارك، أحيطت التجربة الحزبية العائدة بمناخ عدائى واسع النطاق فى أجهزة الإعلام الرسمى الأكثر انتشارا، وفى أحاديث المسئولين التنفيذيين، يحاصر أنشطتها، ومقارها ويشهر بقادتها، ويشكك فى نواياها ، ويصادر صحفها، ويتهمها بالخيانة، وينكل بأعضائها  فى أماكن عملهم بالنقل ووقف الترقى الوظيفى، وغير ذلك من المضايقات الأمنية التى أخافت المواطنين من الأحزاب ليس فقط من  الاقتراب منها، والمشاركة فى انشطتها، بل أيضا من أن يكونوا أعضاء بها، بالإضافة إلى اسقاط مرشحيها فى الانتخابات العامة .وأصبح التكالب على عضوية الحزب الحاكم، الباب الملكى للترقى الاجتماعى والصعود السياسى ، فضلا عن أن عضويته باتت سبيل المواطنين البسطاء  قليلى الحيلة فى الريف والأحياء الشعبية، لتيسر لهم شئون حياتهم وتضمن لهم إدخال الأبناء  للمدرسة وإدراجهم فى الوظائف عند التخرج، وغير ذلك من الخدمات التى يتيحها فى العادة من يمسكون بزمام الأمور .

وأسفر ذلك الحصار على الأحزاب المدنية ،عما هو معروف، إذ سيطرت جماعة الإخوان على النقابات والاتحادات الجماهيرية والأندية الرياضية، وحولتها إلى مقار حزبية لها ولكل تيار الإسلام السياسى، كما فرضت سطوتها على مفاصل المجتمع المصرى، وهو ما تعانى منه البلاد حتى اللحظة الراهنة.

ومع  كل ذلك الخلل الجذرى فى البناء الحزبى، وفى قلب هذا الحصار المعادى أصلا لفكرة الحزبية، لعبت أحزاب المعارضة أدوارا مهمة لاينكرها سوى متنطع.وسعت المعارك التى قادتها الأحزاب  داخل البرلمان وخارجه من نطاق الحريات الديمقراطية فى المجتمع.وكان التصويت ببطاقة الرقم القومى وتنقية جداول الانتخابات من اسماء الموتى والمهاجرين، والتعديلات الدستورية التى أباحت التنافس على موقع الترشح لرئاسة الجمهورية، والتعديلات الأخرى على قوانين اجراء الانتخابات فى النقابات المهنية، واسقاط القوانين التى اعدت لتقيد حريات الصحافة والرأى والتعبير، وفضح قضايا الفساد المالى والسياسى، هى بعض من  جهودها.هذا فضلا عن التصدى لتغول جماعة الإخوان قبل توليها الحكم وبعده ،والتحذير من مخاطر الخلط بين الدين والسياسة . وما المظاهرات التى طالبت بالعدالة الاجتماعية فى يناير 2011 ، والأخرى التى نددت  بحكم المرشد وقادت إلى ثورة 30 يونيو إلى ثمرة من ثمار عملها وبرامجها وشعاراتها طول العقود الماضية .

هل معنى ذلك أن الحالة الحزبية تمام التمام؟ بالطبع لا . هى تجربة لاتزال تتسم بالهشاشة  والضعف، ومسئولية ترسيخ أوضاعها ،لاتقع فقط على القائمين عليها ، بل تحتاج لأجواء عامة حاضنة وداعمة ، تؤمن فيها الدولة عن حق أن الديمقراطية لا تتحقق إلا بالتعدد السياسى  الحقيقى لا المصنوع ، وأن الأحزاب قاطرة فى بناء الجمهورية الجديدة، وليست عبئا عليها ، وآنذاك فليتنطع المتنطعون!

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy