د. جودة عبدالخالق يكتب :الكتاب الأبيض لملكية الدولة

859

لقطات

الكتاب الأبيض لملكية الدولة

*بقلم د. جودة عبدالخالق

في ظروف تاريخية معينة، قد تطرأ قضية هامة تثير أسئلة كبرى تحتاج الى إجابات. وفى مثل هذه الظروف، جرى العرف على أن تقوم الحكومات بإصدار ما يسمى الكتاب الأبيض. مثل هذه الوثيقة تشرح أبعاد القضية وتحدد العناصر والأسباب وتقترح استراتيجية للمواجهة. والغرض هو تبصير الرأي العام بالجوانب المختلفة للقضية المطروحة تمهيدا لوضع استراتيجية المواجهة موضع التطبيق. ومصر الآن تواجه ظرفا مماثلا تشتد فيه الحاجة الى توضيح وتحديد دور الدولة في الاقتصاد، ووضع النقاط فوق الحروف. فها هو اقتصادنا يعانى بين مطرقة جائحة كورونا وسندان الأزمة العالمية الناتجة عن الحرب في أوكرانيا. ولذلك فإن رئاسة مجلس الوزراء قد أحسنت صنعا بإصدار كتابها الأبيض بعنوان: “وثيقة سياسة ملكية الدولة”. كانت أول إصدارة في مارس الماضى في شكل مسودة أولية، ثم ظهرت الصورة النهائية منها في يونيو. والأخير هو النص الذى سنتناوله هنا بالعرض والتعليق، استجابة لرغبة الحكومة للمساهمة بالرأى في  الحوار المجتمعى حول الوثيقة، والمخطط أن يستمر ثلاثة شهور.  

 تبدأ الوثيقة بما يسمى السياق العام، بتوضيح أنها تصدر لكى تواكب النصوص الدستورية والعديد من التغيرات العالمية.

 يلى ذلك صلب الموضوع موزع على ثمانية أقسام: الأهداف والموجهات، المنهجية، آليات التنفيذ، دور صندوق مصر السيادى، تعزيز الشراكة بين العام والخاص، حواكم وجود الدولة في الاقتصاد، الحياد التنافسى والتشريعات، والإطار التنفيذي. ولا بد أن نحيى الجهد المبذول في إعداد الوثيقة، والكم الكبير من البيانات والمعلومات التي تضمنتها. ويضيق المقام عن تناول كل ما جاء في الوثيقة من تفصيلات. والأهم في رأيى هو التعليق على “الصورة الكلية”، ان جاز التعبير. وعلى هذا الأساس، لدينا الملاحظات التالية.

أولا: أفضل أن يتم توسيع نطاق الوثيقة لتكون عن دور الدولة في الاقتصاد، وليس فقط عن ملكية الدولة. هذا موضوع استراتيجى بامتياز، حيث إنه يتفرع عن النظام الاقتصادى للدولة. هل نحن نتبع نظام اقتصاد الحر، كما نطالع في تصريحات المسئولين؟ أم أنه يجب أن نتبع نظام اقتصاد السوق الاجتماعى؟ هذه قضية تحتاج إلى حسم، انطلاقا مما جاء في الفصل الثانى من الباب الثانى من دستور 2014 . طبعا دور الدولة في الاقتصاد يشمل الملكية، ولكنه يتسع ليشمل تنظيم الساحة الاقتصادية بما يضمن تكافؤ الفرص بين جميع اللاعبين في تلك الساحة (عام وخاص، وطنى وأجنبى، مدنى وعسكرى) لتحقيق الكفاءة في استغلال الموارد. كما يتسع دور الدولة أيضا ليشمل الرقابة، لمنع كافة صور الانحراف. 

 ثانيا: مطلوب تدقيق المصطلحات لإحكام الصياغة. فهناك خلط بين الدولة والحكومة في سياق الوثيقة. وهناك إفراط فى استخدام لفظ “الدولة” حيث يتكرر على صفحاتها 138 مرة- حين يكون المقصود الحكومة في حالات كثيرة. أما لفظ “الحكومة” فيظهرر 18 مرة فقط. ولذلك اقترح عند إعادة صياغة الوثيقة تدقيق النص باستخدام كل مصطلح في سياقه الصحيح.

ثالثا: لكى يحقق إصدار هذه الوثيقة الأهداف المرجوة منها فيما يتعلق برفع معدل النمو وتمكين القطاع الخاص وتحقيق استدامة المالية العامة، لا بد أن تتكامل معها مجموعة من السياسات الاقتصادية الكلية والإصلاحات الهيكلية المحفزة لنشاط القطاع الخاص. وبهذه المناسبة، فإنى أطالب بمراجعة السياسة الحالية للإدارة الكلية للإقتصاد. فطبقا للسياسة المطبقة منذ سنوات، وبالذات منذ ما يسمى برنامج الإصلاح الاقتصادى 2016-2019، تم الأخذ بنظام تعويم العملة مع ربط الجنيه المصرى بالدولار الأمريكي. وتسعى هذه السياسة الى تحقيق ثلاثة أهداف معا: استقرار سعر صرف الجنيه وحرية دخول وخروج رؤوس الأموال واستقلالية السياسة النقدية. وهذا غير ممكن، ولذلك يعرف بالثالوث المستحيل IMPOSSIBLE TRINITY)). فإذا ما ارتفع سعر الفائدة في الخارج تندفع رؤوس الأموال الى الخارج للاستفادة من سعر الفائدة المرتفع، فيضطر البنك المركزى الى رفع سعر الفائدة.  وفى ظل هذا الوضع تصبح السياسة النقدية في الداخل رهينة للسياسة النقدية في الخارج.  وقد رأينا ذلك مؤخرا بعد اندلاع الحرب فى أوكرانيا.  فعندما رفع بنك الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة لاحتواء التضخم، اندفعت خارجة رؤوس الأموال المستثمرة في أدوات الدين في مصر، مما أرغم البنك المركزى لرفع سعر الفائدة وتخفيض قيمة الجنيه. 

رابعا: إن جذب الاستثمار لا يرتبط أساسا فقط بتحديد نطاق ملكية الدولة، بمعاملة مشروعات الأعمال في الواقع. ورغم بعض التحسن الذى حدث، لا يزال أمامنا الكثير لتحسين بيئة الأعمال، كما يتضح من تقرير ممارسة الأعمال الذى يصدره البنك الدولى.  

خامسا: الوثيقة استخدمت تعبير “التخارج”، وهو يعنى الخصخصة. وقبل تطبيق العديد من صور الخصخصة الواردة في الوثيقة تحت مسمى التخارج، مثل الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص، أدعو الحكومة إلى دراسة تجاربنا السابقة لتجنب الأخطاء التى حدثت في الماضى. وهى كثيرة وخطيرة.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy