ضد التيار
فى محبة عبد الحليم حافظ
أمينة النقاش
غمرتنا إذاعة الأغانى بفيض من أغانى «عبد الحليم حافظ» الوطنية احتفالا بثورة يوليو فى عيدها السبعين، وذكرى تأميم قناة السويس الغالية. وأرفقت الإذاعة مع البهجة التى منحتنا إياها، بعض خطب الزعيم جمال عبد الناصر الملهمة فى تلك المناسبات التاريخية الحبيبة، فهاجت مشاعرنا واسترجعنا مع تلك التسجيلات، جزءا حميما من تاريخ مجيد عاصره جيلى، وردد أناشيده، وامسك بأنامله الغضة، بأهداب أحلام كبرى حلقت به نحو السما السابعة، رسم له ملامحها عبقرية «صلاح جاهين» بجانب غيره من شعراء كبار هذا الجيل، مرسى جميل عزيز وحسين السيد ومأمون الشناوى واحمد شفيق كامل، وعذوبة ألحان كمال الطويل، وصوت عبد الحليم الشجى الحساس الذكى، الحافل بالرقة والمشاعر الحقيقية الصادقة.
فى الاحتفال الفنى بالعيد العاشر لثورة يوليو عام 1962، الذى كان يحضره الرئيس عبد الناصر، غنى عبد الحليم حافظ أغنية مطالب شعب التى كتبها «أحمد شفيق كامل» ولحنها «كمال الطويل». وربما تنطوى كلمات الأغنية، للمرة الأولى فى تاريخ الغناء العربى، على مقاطع صوتية من خطب «جمال عبد الناصر»، تحكى تطور مراحل الثورة بعد العقد الأول من إندلاعها.
بدت الأغنية كما لو أنها قصة درامية فى مسرح غنائى، مصحوبة بتوزيع أوركسترالى بالغ الرقة والجمال للموسيقار المبدع «على إسماعيل»، وكأنها موسيقى تصويرية لكلمات الزعيم، التى كان من بينها: لقد كان 23 يوليو سنة 52 بدء تاريخ جديد لهذه الأمة الثائرة المناضلة. نجحنا فى القضاء على الاستعمار وأعوان الاستعمار. باسم الأمة، تأمم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية، شركة مساهمة مصرية. أيها الإخوة لقد فرض علينا القتال، ولكن باسم شعب مصر، باسمكم جميعا، أعلن للعالم أجمع، أنه لن يوجد من يفرض علينا الاستسلام.
يبدأ «حليم» غناء عريضة المطالب التى تحملها كلمات الأغنية، من الشعب، إلى الزعيم، والتى التقط الشاعر بنودها من أحوال الوطن والأمة، وتستند إلى دعائم من الثقة الجماهرية فى. قوة القائد، وقدرته على الفعل، المستمدة من مشروعه الوطنى، لينتزع لها وبها، حقوقهم المغدورة. وينتقل التأثير الذى يحمله صوت حليم الحماسى منه إلى جمهوره، بجانب حركة من الذهاب والإياب بين المطرب والمجموعة، وبينهما وبين الجمهور، على نحو يعجز عنه الوصف، فيغنى على تدفق نغمات اللحن الموسيقى بقوة ملهمة: عايزين عايزين عايزين ياجمال عايزين، عايزيين عايزين يا أمل ملايين، الوحدة الكبرى نعيش بيها، وحدة إشتراكية عربية، بكفاية وعزم نقويها،.. قدها وقدود، يا بطل موعود يا حبيب الكل ياناصر.
لم أعد أذكر من هو القائل أن «عبد الحليم حافظ» كان صناعة سلطوية. وعلى غرار هذا القول التبسطى المخل، لظاهرة فنية مازالت تحيا وتؤثر حتى الآن، نشر الدكتور «جلال أمين» قبل سنوات، مقالا فى مجلة اليسار، الذى أنشأها عن حزب التجمع ورأس تحريرها «حسين عبد الرازق»، اختزل فيه فن موسيقى وغناء محمد عبد الوهاب عقب موته، الذى شكلت ظاهرته ثورة تجديدية فى الموسيقى العربية، طبعت فى تاريخ الغناء العربى بصمة لا تمحى، بأنه مجرد مطرب للملوك والأمراء!
لم يكن «عبد الحليم حافظ» إلا صناعة نفسه. صناعة ظروفه الشخصية المؤلمة التى أنشأته فى ملجأ للأيتام، فلم يهزمه فقره ويتمه ويدفعه إلى هوة اليأس، بل تمكن بمثابرته وإرادته الصلبة، من اكمال دراسته، حين التحق بمعهد الموسيقى العربية ليدرسها بعد أن أفتتن بها، ثم يقوم بتدريسها. صناعة مناخ فنى يحفل بالثراء والتعدد والتنوع، ويواصل الازدهار بدعم من مؤسسات الدولة ومسئوليها. صناعة مناخ سياسى يتسم بالحيوية والإنجاز، ويؤمن بحفز العمل الجماعى، وينتصر لمن هم مثله من الفقراء، فى المزارع والمصانع والمدراس والجامعات.
كان حليم فى واقع الأمر يغنى نفسه، وهو يغنى لعبد الناصر وانجازات الثورة التى منحته مع كل فرد فى الوطن أملا فى الترقى والصعود الاجتماعى بالعمل، والجهد، لا بالثروة والنسب.
ظاهرة «عبد الحيلم حافظ» التى نكتشف فى كل مناسبة، أنها راسخة البقاء والحضور فى عقل ووجدان كل منا، فى مصر وفى خارجها، ولاتزال ملهمة على امتداد 45 عاما من رحيله، ساهم فى بزوغها وانتشارها كل ماسبق. فضلا عن أن حليم أدرك منذ البداية أن الموهبة وحدها لا تكفى، وأن حضوره الآسر على خشبة المسرح الذى نسج من خلاله علاقة خاصة ومتفردة مع جمهوره، ليس بمقدوره أن يستمر وينمو، ما لم يتمكن من إدارة موهبته بمسئولية فائقة، تدقق بذكاء خارق فى اختيار الكلمات، وتميز فى الألحان بين الجيد والرائع ، وتسعى للتنوع، وتتجاوب مع كل مرحلة، مع المتغيرات التى تطرأ على الذوق العام. وفى كل تلك الحالات، وفى عهدى الرئيسين عبد الناصر والسادات، لم يكن «حليم» يتخلى أبدا عن إيمانه الصادق العميق، بأن للفنان دورا وطنيا، يلزمه سياسيا وأخلاقيا القيام به. لذلك افتتن بصوته الحنون، محبوه، وغنوا معه فى أوقات الفرح والوجع، وفى زمن النصر والهزيمة، فجدد لهم ومعهم بغنائه الأمل، فإذا كان كل هذا المجد والألق الذى أحدثه «حليم» فى الفن والحياة «صناعة سلطوية» فما أجملها من صناعة، وألف مليون مرحبا بها.

التعليقات متوقفه