د. جودة عبدالخالق يكتب:ذكريات أكتوبرية

18

لقطات
ذكريات أكتوبرية
*بقلم د.جودة عبد الخالق

مؤخرا تنادى الكثيرون ببناء الوعى وتأكيد الهوية. ولكن مربط الفرس هو الذاكرة. فهى محدد رئيسى لهوية الإنسان. ومن هنا فإن موضوع ذاكرة الأمة يجب أن يكون شغلنا الشاغل. فالملاحظ أن ذاكرتنا الوطنية تتعرض الآن للكثير من “عوامل التعرية”، بمفعول ضواغط شتى. على سبيل المثال، إسأل أي طفل الآن عن عبد المنعم رياض. الأرجح أنه لن يعرف. أو ربما يقول لك أنه الميدان الذى يقع تحت كوبرى 6 أكتوبر خلف المتحف المصرى! ثم اسأله عن ترتيب الفِرَق أو أسماء اللاعبين فى دورى كرة القدم فى بلاد مثل انجلترا أو أسبانيا. سيجيبك على الفور. هناك إذن مشكلة فى ذاكرة الأجيال الجديدة. وهذا يهدد أمننا القومى. ومن قبيل النقش في الذاكرة الوطنية، أطرح السؤال الآتى: هل تعلمون أن شهر أكتوبر هذا العام حافل بخمس مناسبات مهمة؟ حسنا. إليكم هذه التواريخ: 6 أكتوبر، 8 أكتوبر، 14 أكتوبر، 21 أكتوبر، و 24 أكتوبر.
ففى أسبوعه الأول هلت علينا الذكرى 49 لحرب أكتوبر المجيدة. وفى أسبوعه الأخير تحل ذكرى نجاح شعب السويس في صد الهجوم الإسرائيلى على مدينتهم الباسلة يوم 24 أكتوبر 1973 (الذى أصبح عيد محافظة السويس). وبين هذه وتلك، ثلاث مناسبات أخرى. أولاها ذكرى المولد النبوى يوم السبت 8 أكتوبر (الموافق الثانى عشر من ربيع الأول عام 1444 للهجرة). وثانيتها ذكرى معركة المنصورة الجوية، في 14 أكتوبر1973 (الذى أصبح عيد القوات الجوية المصرية). وثالثتها ذكرى قيام لنش الصواريخ “أسيوط” بتفجير وإغراق المدمرة الإسرائيلية إيلات داخل المياه الإقليمية المصرية على بعد 11 ميلا بحريا شمال شرق بورسعيد يوم 21 أكتوبر1967 (الذى أصبح عيد القوات البحرية المصرية). إذن أكتوبر هو شهر الأعياد؛ حيث تتعانق فيه خمس مناسبات وطنية ودينية خالدة!
ولكنى لاحظت أن أغلب رسائل التهنئة في هذا الشهر ذكرت المولد النبوى، أما نصر أكتوبر فكان الاهتمام به قليل. وهذا يعنى أن لدينا مشكلة في ذاكرتنا الوطنية. وطبقا لعلماء النفس، فإن ذاكرة الانسان تعمل بطريقة انتقائية. فالإنسان لا يتذكر كل المعلومات التي يلتقطها بنفس الطريقة؛ إذ يتم تخزين عناصر معينة جيدا في الذهن وتذكرها تمامًا، بينما لا يتم حفظ عناصر أخرى بشكل جيد وبالتالى يمكن نسيانها بسهولة. ومعنى ذلك أن المناسبات الدينية عندنا يتم تخزينها جيدا في الذهن فيسهل تذكرها. أما المناسبات الوطنية، فلا يتم تخزينها جيدا فيسهل نسيانها. فلماذا هذه الانتقائية؟ وكيف نصحح هذا الخلل؟ واضح أننا في حاجة إلى التعامل مع هذه القضية الهامة من خلال التدخلات الملائمة. وهنا يأتي دور خبراء علم النفس في تحديد نوع التدخلات المطلوبة، حتى نزيد من فرص التخزين الجيد للمناسبات الوطنية فيسهل تذكرها.
قد كتبت من قبل عن تجربتى الشخصية يوم 6 أكتوبر 1973 أثناء بعثتى للدكتوراه فى كندا، كما كتبت عن معركة المنصورة الجوية. وسأكتب اليوم عن ملحمة السويس، عندما تعانقت السمسمية مع البندقية. كنا ندرس في كندا، في المراحل الأخيرة للدكتوراه. فى يوم 24 أكتوبر 1973 تصادف أننا كنا نقضى بضع أيام من إجازة الصيف في مخيم بإحدى الغابات. وقرب الغروب سمعنا فى المذياع (الراديو) أن رئيسة وزراء إسرائيل في طريقها إلى السويس لتتسلم مفتاح المدينة من المحافظ. كان لهذا الخبر المرَوِّع وقع الصاعقة علينا. وغطانا صمت رهيب، مُحَمَّل بأصوات القنابل ورائحة البارود مختلطة مع نغمات السمسمية، وكأننا نشارك بالفعل في معركة السويس من مسافة آلاف الأميال. ظللنا ننتقل بين المحطات لنتابع التطورات. وفجأة جاء النبأ العظيم: لقد ردت المقاومة الشعبية قوات الجيش الاسرائيلى المهاجِمَة، وحولت حلم اسرائيل باحتلال مدينة السويس غلى سراب. عندئذ استغرقنا في نوم عميق، بعد أن تأكدنا أن علمنا يرفرف فوق السويس.
تهنئة: إلى كل المتطلعين إلى الحرية والسلام في ذكرى نصر أكتوبر ومولد خير الأنام.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy