في ذكري ميلاد الزعيم جمال عبد الناصر

*صلاح الدين سلمان

في 15 يناير 1918 ولد الزعيم جمال عبد الناصر، وفي ذكري ميلاده هذا العام نذكر معا إحدى ملاحم بطولاته وبريق زعامته، ألا وهي معركته الكبري ضد الغرب الاستعماري وتأميم قناة السويس 1956.
يقول الدكتور مصطفي الحفناوي (المستشار المصري) والمتخصص الأول في تاريخ ووجود وشركة قناة السويس – يقول في مذكراته: في أواخر أغسطس أو أوائل سبتمبر 1952 دق جرس الهاتف بمكتبي وجري الحديث الآتي:
هنا القيادة العامة, إلى أي وقت تستمر في مكتبك؟
أنا: حتي الساعة الثامنة والنصف, الضابط المتكلم: سنزورك في مكتبك الليلة, ثم تم تعديل مكان اللقاء، وتم في مقر القيادة العامة بمنشية البكري، وقابلني ضابط برتبة صاغ اسمه إبراهيم الطحاوي وقدمني لضابط شاب فارع القامة برتبة بكباش، وقال وهو يقدمني هذا هو الأخ جمال عبدالناصر الذي يتقدمنا في صفوف ضباط الثورة.
كان جمال عبدالناصر- رحمه الله- يشغل وظيفة اسمها مدير مكتب القائد العام للقوات المسلحة, كان في عينيه بريق ينم عن حدة ذكاء وقوة إرادة وقوة شخصية، وكان الناس يقولون همسا إنه القائد الحقيقي للثورة, لكنه متنكر خلف منضدة مكتبه المتواضع وخلف ستار اسمه اللواء محمد نجيب, تكلمت طويلا مع المرحوم جمال عبدالناصر الذي طلب مني أن أفسر موضوع قناة السويس الذي أنا مشغول به ليلا ونهارا.
شرحت له في إيجاز تاريخ القضية ومشكلات قناة السويس المعاصرة بالتفصيل, كان شديد الاصغاء لكل كلمة قلتها وقال عبارة واحدة دلتني على صفاء ذهنه ودقته في وضع خططه, قال لي – رحمة الله- وهو جالس بحجرته في القيادة العامة بمنشية البكري, وبعد قيام الثورة ببضعة أسابيع العبارة التي أذكرها تدوي في أذني الآن: اسمع يادكتور علينا أن نركز جهودنا في جلاء الاحتلال البريطاني عن قاعدته في قناة السويس، وإني أعدك بتأميم شركة قناة السويس بعد الجلاء مباشرة, لكن إذا تعرضنا لموضوع الشركة قبل الجلاء سوف تتعقد المسائل ولن نستطيع أن نفعل شيئا.. الذي راعني في السنوات التالية هو ان جمال عبدالناصر حافظ على خطته هذه وحدث جلاء الإنجليز عن القاعدة, ورفع عليها علم مصر بعد جلاء آخر جندي بريطاني في يونيو 1956 وأمم شركة قناة السويس في يوليو 1956.
ونعود مع عجلة التاريخ الثوري لمصر وقائدها العظيم جمال عبدالناصر في تلك المرحلة التاريخية المهمة من مراحل النضال الوطني المصري.
في بداية 1956 -ومع الرغبة في بدء برنامج واسع للتصنيع – ومع إحساس ناصر بأن البنوك المصرية الواقعة تحت سيطرة رأس المال الأجنبي تحجم عن تمويل المشروعات الاستثمارية- اقترح على وزارة التجارة والصناعة ان تفاوض شركة القناة في استثمار جزء من أموالها في مصر, وتمت هذه المفاوضات فعلا رغم محاولات عنيدة من شركة القناة أن تتلكأ وتعرقل, ثم تبين ان الشركة استجابت لهدف سعى به الرسل الي مصر وهو أن تقوم مصر بمد امتياز شركة القناة حتي تستطيع الشركة أن تطمئن الي مستقبلها وتدخل في مشورعات ضخمة لتوسيع قناة السويس بتمويل من بنوك أمريكية, وكان بين من حدثوه في موضوع مد امتياز الشركة وزير خارجية فرنسا في ذلك الوقت كريستيان بينو، وكان رفض ناصر قاطعا. ولقد دار حوار بين جمال عبدالناصر وسلوين لويد وزير خارجية بريطانيا وقتها خرج جمال عبدالناصر منه بفكرة.. بدأت كبذرة ثم راحت تختمر في ذهنه وتنمو يوما بعد يوم, قال سلوين لويد: إن الجلاء البريطاني عن قاعدة قناة السويس سوف يتم في موعده- 18 يونيو 1956 ولكن مصر عليها أن تدرك أهمية القناة بالنسبة إلى بريطانيا وكونها فعلا جزءا من استراتيجية البترول. ورد جمال عبدالناصر اذا كانت القناة جزءا من إستراتيجية البترول ولها نفس اهمية منابعه فلماذا لا يكون لمصر نصيب من دخل القناة، كما ان لأصحاب منابع البترول نصيبا من قيمة بترولهم. ان الدول المنتجة للبترول تأخذ 50% من دخله، ومصر هي صاحبة قناة السويس -التي هي جزء من عملية البترول الشاملة في المنطقة– لا تأخذ من دخل قناة السويس إلا حوالي مليون جنيه سنويا. بينما دخل هذه القناة ستة وثلاثون مليونا، وتمضي أحداث التاريخ النضالي للقائد المصري العظيم ويطرح مشروع تمويل السد العالي (في إطار التنمية الشاملة) التي تسعي اليها مصر- وبعدما يفشل الغرب في احتواء ناصر وترويضه لخدمة مصالحه في المنطقة- يسحب جون فوستر دالاس وزير خارجية أمريكا عرض تمويل مشروع السد العالي، واعتبر هذه الخطوة هي اللعبة الكبري في لوحة الشطرنج الهائلة التي يشملها العالم، وان هذه اللعبة الكبري تدفع جمال عبدالناصر الي الحافة وتهوي به وراءها. يقول الاستاذ محمد حسنين هيكل في معرض حديثه عن النقاش الذي دار بينه وبين جمال عبدالناصر حول الرد علي خطوة دالاس وهي ضربة المعلم (حسب المأثور الشعبي المصري) بتأميم قناة السويس.
يقول ناصر في هذا الحديث الوارد (في كتاب هيكل الوثائقي قصة السويس): إنها خطوة كبيرة جدًّا وخطيرة جدًّا بالفعل، ولا بد أن نحسب كل شيء فيها بدقة، ولو فعلنا ذلك وتحملنا مسئوليتها ومخاطرها فإنها في اعتقادي تكون الحل الأمثل من عدة نواحي.
نستطيع بدخلها تمويل السد العالي. نسترد بتأميمها حقا مصريا يراود أحلام كل المصريين, مؤكدًا بذلك استقلالنا الكامل واستقلال إرادتنا السياسية, نضيف قيمة القناة إلى أرصدة مصر الإستراتيجية.
يقول المعادون لمصر ولجمال عبدالناصر- إن امتياز القناة كان سينتهي في نوفمبر 1968 وكانت مصر تستطيع تحمل تلك السنوات وتوفر على نفسها المعاناة والمعارك والمشاكل التي نجمت عن عملية التأميم.
يرد علي ذلك د. مصطفي الحفناوي المتخصص في مشكلات قناة السويس, الأول في العالم, في مذكراته التي شرح فيها كيف دخل إلى الارشيف السري لشركة القناة في باريس, يقول الدكتور الحفناوي: ذات صباح في خريف 1950 كنت جالسا بالحجرة الصغيرة التي كنت استعملها (في مقر ارشيف الشركة) فإذا برئيس الشركة (شارل رو) يدخل فجأة باشًا ومحييًا، فامسك بذراعي وقال يا صديقي العزيز، وطلب مني مصاحبته إلى غرفته لنتحدث في أمر هام، وقدم لي عرضا أكون البادئ به وصاحب أول نداء يدوي به في مصر والعالم، وهو حراسة القناة بقوات دولية تُعينها الأمم المتحدة وتتواجد في منطقة قناة السويس تحت راية الأمم المتحدة، ذلك ان القناة ممر مائي يستعمل في خدمة التجارة الدولية وواجب الأمم المتحدة أن تحرس هذا الشريان وتدافع عنه ضد أي اعتداء, هذه مهمة الجماعة الدولية, ولا ينبغي مطلقا ان تنفرد دولة بعينها بهذه المهمة الدولية. وقال رئيس شركة القناة بالحرف الواحد بعد انتهاء امتياز الشركة في 16 نوفمبر 1968 بل يمكن أن يكون قبل انتهاء الامتياز, وباتفاق خاص يعقد مع شركتنا ويعوضها عن الأضرار, تقوم الأمم المتحدة بتعيين لجنة دولية تحل محل الشركة في ادارة قناة السويس واستغلالها تمثل الدول العظمي في هذه اللجنة، ويكون لمصر مقعد واحد وعضو يمثلها في اللجنة الدولية. هكذا كان يفكر رئيس مجلس ادارة الشركة (شارل رو).
وفي ختام مذكراته يقول هذا العالم الجليل لقد قامت ثورة 23 يوليو 1952 وحكم مصر جمال عبدالناصر الذي توفرت له الجرأة والشجاعة بالقدر الذي لم يتوافر لحاكم سبقه وضرب ضربته وجعل العمل الذي وصفوه بأن جنون هو بعينه الحقيقة الواقعة التي ركع أمامها الاستعمار وسلم بها العالم كله.
وفي ذكري ميلاد ناصر- نحيي روحه الخالدة ومع مزيد من البطولات والنضالات في تاريخ هذا الزعيم الوطني العظيم.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy