أمينة النقاش تكتب :المواطن الذى لاتعرفونه

توقفت بإعجاب أمام اللقطة الذكية التى كتبها على موقع الفيس بوك زميلى فى الأهالى والحزب “أحمد مجدى” معلقا فيها على من يحذرون المواطن من غيبة الوعى، ومن مخاطر الإنصات للشائعات على أمن الدولة وعلى سلامة مؤسساتها. وموجز تعليقه أن المصريين أوعى شعوب الأرض، مدللا على ذلك بأنهم قد تحملوا خلال نحو 15 عاما بعناء وجسارة وتضحيات جسيمة تلك السياسات التى أفقرتهم، وحرمتهم من أبسط حقوق العيش الكريم التى توفر للإنسان فرص التعليم والصحة والسكن، وتحفظ له كرامته، وتحميه من ضنك المعيشة ومن ضغوط يومية بحثا عن لقمة العيش، وهى ضغوط من فرط عنائها تقصر العمر، وتفقد الحياة معناها .

وينتهى التعليق إلى القول، وأقول معه، أن المواطنين هم أكثر وعيا من كثيرين ممن يسدون إليهم النصح ،لأنهم برغم تجاهل حقوقهم الدستورية، وعدم رضاهم عن سياسات الإفقار وافتقادهم لمناخ عام يحنو على ألم معاناتهم، لم يستجيبوا للدعوات التى تحاصرهم ليل نهار لاستثمار غضبهم فى إشاعة الفوضى ، والتمرد على تلك السياسات القائمة. وتلك فضيلة كبرى يتجاهلها من يواصلوان بإمعان تنفيذ تلك السياسات الاستهلاكية الطائشة التى أسماها المفكر عادل غنيم نموذج الرأسمالية الطفيلية التابعة، وهم يظنون أن الوعظ والدروشة الدينية ومناشدة ضمائر التجار والمحتكرين، هى آليات تحمى البلاد من المخاطر التى تحيط بها، وليس التراجع عن تلك السياسات والتصدى للاحتكارات التجارية ومراقبة الأسواق لوقف غلاء الأسعار المفتعل، ووعى المواطنين وعملهم الشاق آناء الليل وأطراف النهار، وصبرهم على منغصات الحياة اليومية، وخوفهم على أمن وطنهم وسلامته .

يقدم فيلم الإرهاب والكباب الذى كتبه وحيد حامد وأخرجه عام 1992شريف عرفة، ويعد واحدا من أهم أفلام عادل إمام، تحليلا عميقا لشخصية المواطن العادى أحمد فتح الباب –عادل إمام-الذى يذهب إلى مجمع التحرير لكى يقدم طلبا لنقل طفليه من مدرسة بعيدة عن المنزل لأخرى قريبة منه، فيرتطم بمجموعة من الاجراءات البيروقراطية الفاسدة، تفقده صبره وهدوءه. ومع تطور الأحداث، يجد نفسه بغير قصد منه، متهما من قبل قوات الأمن بالإرهاب واحتجاز عدد من المواطنين والموظفين داخل مبنى المجمع كرهائن.

وحين يبدأ التفاوض حول مطالبه مع وزير الداخلية –كمال الشناوى فى واحد من أجمل أدواره وأكثرها ظرفا –لإنهاء الأزمة، يقول لمحتجزيه: اطلبوا أللى انتم عايزينه من الحكومة ستسجيب لكم، فيخيم عليهم الوجوم ويعجزون عن الكلام، ويصيبهم الارتباك، فهم فى الواقع راضون ببؤسهم، مطالبهم بسيطة وأولية وبديهية: عدل فى ساحات المحاكم وفى سن القوانين، دواء متوفر بأسعار ممكنة، وقف كل أنواع القهر والإجبار. أما المواطن أحمد فتح الباب فيقول لمحتجزيه:أنا زى زيكم، ماشى جنب الحيط وراضى وقانع، طول عمرى باسمع كلام الحكومة، الحكومة دى واللى قبلها. بأروح الشغل محشور فى المواصلات والأسعار نار، طب وماله. باسمع كلام الحكومة فى تنظيم الأسرة ،عندى طفلين فى المدارس والفصل فيه 84 تلميذ زى بعضه، مفيش حاجة تعبانى، أنا بس مش عايز اتهان فى البيت ولا فى الشغل ودى مطالب لايمكن حد يتعاقب عليها !

لكن المفارقة أن المواطن أحمد فتح الباب القانع الراضى، فى سياق بحثه عن حقوقه البسيطة الممثلة فى العدل ورفضه للقهر والكذب والغش والخداع, وسعيه ببسالة لكى تستقيم الحياة ، وتحمله فى سبيل ذلك مشاق لا تطاق ، لم يكن مجردا من الحول أو القوة . فمثله مثل ملايين غيره من المواطنين، تبدو وديعة وداعة الحملان ، لكنها تموج كالبحار، وتهدر بغضب لا توقع لمدى عنفه، حين تتراكم أسباب قهرها وإحباطها، وتصم الآذان وتغلق العقول، أمام تلبية احتياجاتها العادلة والمشروعة .

هذا هو المواطن العادى الذى لا تعرفونه. لكن أحمد فؤاد نجم يعرفه ويوصفه لكم فيقول: حكيم عليم، مخلص جسور، طاير على جناح العصور، داير، كما يدور الدولاب، ورا التاريخ، من الجدور، يطلع جبال، يقطع شعاب، يغوص فى أغوار البحور، ينبش بعينه فى الكتاب ، يقرا الشواهد،ع القبور، ولما عاد السندباد، رمى السلام وقال كلام ، اسمع كلامه وحلله، تلقاه بسيط من أوله ، تعمل حويط وتأوله ، تطلع غشيم. قال الحكيم، العمر ماشى ، وكل ماشى وله مداه، وكل فرد، وله بدايته ومنتهاه، الشعب هو الباقى حى، هو اللى كان ،هو اللى جى ، طوفان شديد، لكن رشيد، يقدر يعيد، صنع الحياة، والشعب لما يقول، يا اصحاب العقول، نسمع ، ونوعى ، ونحترم صوت الإله. 

فهل تستجيبون  ؟!

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy