متى تكون السياسات التقشفية مخرجا آمنا؟
خطط الحكومة المصرية السابقة فشلت في التقشف لضعف التخطيط والتنفيذ وعدم الشفافية
*د.هدي أبو رميلة استاذ الاقتصاد الدولي
الدين الخارجي لمصر ارتفع من ٨٢ مليار دولار عام ٢٠١٧ إلي ١٥٨ مليار دولار
السياسات المقترحة:
إصلاح ضريبي تصاعدي يراعي التضخم .. توجيه الإيرادات الضريبية الجديدة للإنفاق على نشاطات إنتاجية تضمن زيادة معدلات الإنتاج والتشغيل
الحد من الإنفاق الحكومي وتوجيهه إلى المجالات المحفزة للاستثمار.. توزيع عادل للاستثمار الرأسمالي بين القطاعات غير التجارية والتجارية
دعم الاستثمار في العنصر البشري من خلال دعم الإنفاق العام الرشيد لقطاعات التعليم
دعم للمزارعين فى توفير مدخلات الإنتاج بتكلفة أقل من الأسعار السوقية.. إعادة هيكلة الصناعات خاصة التى تتمتع بميزة تنافسية فى السوق العالمى
توفير الدعم لازم للمشروعات الصغيرة والمتوسطة للحد من معدلات البطالة
«سياسة ترشيد الإنفاق العام إذا كانت تؤثر على الخدمات الأساسية التي يعتمد عليها المواطنون وزيادة الضغط على الاقتصاد المحلي تؤدي إلي بطء النمو الاقتصادي يصل إلي حالة من الركود التضخمي المصاحب لزيادة البطالة علي المدى الطويل»
رغم أن سياسات التقشف المالي قد تكون أحد الحلول التي تلجأ لها الدول للتعامل مع الخلل المالي الهيكلي وارتفاع معدلات الدين العام، والتي تستهدف كبح جماح الطلب الكلى من أجل الحد من معدلات التضخم، إلا أنه ” قد تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن ” حيث تمتد أثارها الانكماشية إلى الحد من الإنتاج، وبالتالي تراجع المعروض من السلع، مما ينعكس علي مزيد من ارتفاع أسعارها.
تتوقف نتائج سياسات التقشف على الاقتصاد الكلي علي مجموعة من العوامل (1) حالة الاقتصاد الكلي،(٢) آليات التقشف المستخدمة (3) حجم التقشف، (٤) مدي شفافية سياسة التقشف الاقتصادي ،(5) مدي التفاعل بين السياسة النقدية والمالية.
شفافية سياسة التقشف الاقتصادي هي الشفافية التي ينبغي أن تظهر في الإجراءات التي تتخذها الحكومة لتطبيق التقشف الاقتصادي. هذا يعني أن الحكومة يجب أن تكشف عن كيفية التخطيط وتطبيق الإجراءات التي تخص التقشف الاقتصادي، بما في ذلك الأهداف التي تحاول تحقيقها والإجراءات التي ستتخذها، والأثر المتوقع على الاقتصاد والمجتمع. هذا يجعل الشعب قادرا على التحليل والنقد الشامل للخطط الاقتصادية التي تتخذها الحكومة، ويمكنه التعبير عن رأيه بشأن الخطط الاقتصادية المختلفة.
تعني سياسة التقشف المالي مجموعة من الإجراءات التي تتخذها الدولة للحد من خلل عجز الموازنة، ويكون ذلك من خلال آليتين أحدها هو زيادة معدلات الضريبة، والاخر من خلال خفض الإنفاق الحكومي، أو كلاهما معاً.
مصر والأزمة
تتمثل أهم معالم أزمة الاقتصاد الكلي والأزمة المالية التي تتعرض لها مصر في:
1.ارتفاع معدل التضخم، ، يعتبر معدل التضخم أحد أهم مؤشرات الأزمة المالية. ففي السنوات الأخيرة، والتي تزامنت مع انخفاض حاد في قيمة العملة وانخفاض الجنيه المصري أمام الدولار بمقدار 75% تقريبا، ارتفع معدل التضخم ليقترب من 22 في المائة أو يزيد, طبقا لتقارير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء المصري في بيان 10 يناير الماضى معدل التضخم السنوي بلغ 21,9 % في شهر ديسمبر 2022 مقابل 6,5 % في الشهر نفسه من العام السابق” 2021. وأرجع الجهاز الزيادة في معدل التضخم إلى ارتفاع أسعار “الطعام والمشروبات” بنسبة 38 % والتي تمثل سلعا أساسية.
الارتفاع المتزايد لمعدلات التضخم يعد واحداً من أهم المشكلات الاقتصادية التي تؤثر في الأداء الاقتصادي للدول، حيث يؤدى إلى إضعاف القوة الشرائية للمستهلكين، وإعاقة الاستثمار التجاري، وارتفاع معدلات المخاطر والغموض مما يعوق الاستثمارات الأجنبية والمحلية ، والأهم أنه يؤدي إلي إعادة توزيع غير عادل للثروات مما يؤثر علي خفض معدلات العدالة الاجتماعية بشكل حاد .
السياسة المالية قد تلعب دوراً محورياً في الحد من معدلات التضخم، من خلال سياسات مالية ذات تأثيرات محفزة لإعادة الاستقرار مثل خفض الإنفاق الحكومي تؤدي الزيادة في الإنفاق الحكومي إلى زيادة الناتج القومي الإجمالي (GNP)، ومن ثم الطلب الكلى، ورفع العوائد الضريبية تؤدي إلى انخفاض الناتج القومي الإجمالي.
في حين تؤدي الزيادة المتوازنة في مستوى الميزانية، مع ارتفاع كل من المصروفات والضرائب بنفس المقدار، إلى تغيير مستوى الناتج القومي الإجمالي، مما يؤدي عادةً إلى زيادته، لذا فإن الميزانية المتوازنة يمكن أن تحفز النشاط الاقتصادي بشكل أفضل وأكثر استدامة.
2.الاحتياطي النقدي أقل بكثير من المطلوب سداده، حيث لا يتجاوز الاحتياطي النقدي34 مليار دولار، من بينها 28 مليار دولار ودائع من دول الخليج العربية الحليفة.
وقد وافق صندوق النقد الدولي الشهر الماضي، على منح مصر قرضا بقيمة ثلاثة مليارات دولار تسدد على 46 شهرا، فيما يبلغ عبء خدمة الدين الذي يتعين على مصر سداده خلال العام المالي 2022/2023 حوالي 49 مليار دولار، حسب بيانات الصندوق.
- إدارة أزمة الدين العام
تمر مصر بمنعطف جديد لأزمة الدين الخارجي حيث خلال الست سنوات السابقة زادت بنسبة ٩١٪ و ارتفعت من ٨٢ مليار دولار عام ٢٠١٧ إلي ١٥٨ مليار دولار نهاية مارس ٢٠٢٢، بمعدل ارتفاع سنوي ٨,٢ ٪ بزيادة ١٣ مليار دولار عن العام السابق.
خطط الحكومة المصرية السابقة قد فشلت في التقشف لعدة أسباب، مثل الضعف في التخطيط والتنفيذ، والصعوبة في الحد من النفقات الحكومية، والصعوبة في الحد من التوسعات النقدية، وضعف الإيرادات الحكومية وعدم شفافية الإجراءات التي تتخذها الحكومة.
وقد تؤدي سياسة ترشيد الإنفاق العام إلى العديد من التحديات الاقتصادية إذا كانت تؤثر على الخدمات الأساسية التي يعتمد عليها المواطنون، وزيادة الضغط على الاقتصاد المحلي، مما يدفع إلي بطء النمو الاقتصادي يصل إلي حالة من الركود التضخمي المصاحب لزيادة البطالة علي المدي الطويل، ومع ذلك، يعتبر الخبراء أن سياسة التقشف الاقتصادي الجيدة يمكن أن يكون لها مردود إيجابي إذ تضمنت الآتي:
1.التحكم في النفقات الحكومية غير الضرورية لتحسين الميزانية العامة.
2.التركيز على النفقات الضرورية في الميزانية العامة، مثل التعليم والصحة والأمن القومي.
3.تحسين الإدارة المالية للحكومة، مثل التشغيل الإداري الذكي والرقابة على الإنفاق الحكومي.
4.وضع سقف للديون الحكومية لتحسين الأداء المالي.
5.التركيز على الإنفاق الضروري لتشجيع النمو الاقتصادي.
تجربة الصين
تجارب الدول النامية في سياسات خفض الإنفاق الحكومي قد تختلف من دولة إلى أخرى. ومع ذلك، يشير البعض إلى أن بعض الدول النامية كان لديها نجاح في التحكم في الإنفاق الحكومي، بينما كانت بعض الدول كانت فاشلة في الوصول إلى هدفها في هذا الشأن. مثلا, الصين أظهرت تجربة في التحكم في الإنفاق الحكومي الذي قد نجح في الحد من الازدياد المستمر في الدين الحكومي.
تجربة الصين في التحكم في الإنفاق الحكومي تشمل العديد من الملامح، بما في ذلك:
1.التركيز على التمويل الذاتي والمخصص للتطوير والنمو الاقتصادي.
2.التحديد الجيد لأولويات الإنفاق، مثل التطوير الاقتصادي، والتأهيل الشامل، والتغيير المناخي.
3.التحكم في الإنفاق الحكومي: تحديد الحدين الأدنى والأعلى للإنفاق الحكومي، وكذلك التحكم في الإنفاق الحكومي المخصص للشركات الحكومية.
4.التشغيل الذكي للإنفاق الحكومي، مما ساهم في زيادة شفافية ورقابة الإنفاق الحكومي.
السياسات المقترحة لتكون السياسات التقشفية مخرجا آمنا:
- إصلاح ضريبي تصاعدي يراعي التضخم الفئوي ونسب الفوارق الداخلية، ومحاولة استهداف الفئات الأعلى فى مستوى الدخل، خاصةً فيما يتعلق بضريبة القيمة المضافة، فرغم أثر الضريبة السلبى على معدلات التضخم من خلال خفض معدلات الإنفاق، إلا أنه يجب الحرص على عدم مساس السلع الأساسية، ورفع معدلات هذه الضريبة على السلع الترفيهية والكمالية.
- توجيه الإيرادات الضريبية الجديدة للإنفاق على نشاطات إنتاجية تضمن زيادة معدلات الإنتاج والتشغيل.
- الحد من الإنفاق الحكومي وتوجيهه إلى المجالات المحفزة للاستثمار، أو النشاطات الإنتاجية لخلق أثر تعويضي عما يخلفه الإنفاق الحكومي من آثار تضخمية.
- مزيد من الدعم والرقابة نحو تطبيق برامج الشمول المالي لدعم الجهاز المصرفي واستقرار سعر الصرف.
- توزيع عادل للاستثمار الرأسمالي بين القطاعات غير التجارية والتجارية بالشكل الذي يضمن ارتفاع المخرج الكلي المحلي.
- دعم الاستثمار في العنصر البشري من خلال دعم الإنفاق العام الرشيد لقطاعات التعليم والتدريب والصحة، كأحد أولويات المرحلة للخروج الآمن.
- الإصلاح المؤسسي الإداري لخلق منظومة مؤسسية عامة تحافظ علي الأنشطة الاقتصادية القائمة وتدعم وتحفز الاستثمار المحلي والأجنبي بشكل متوازن عبر القطاعات وبشكل عادل جغرافيا نحو المناطق الجغرافية الأقل حظا تنمويا.
8.تحفيز الإنتاج الكلي ودعم زيادة الناتج الحقيقي، تحفيز النشاط الاقتصادي لقطاعات الإنتاج السلعي كالزراعة والصناعة وتبنى الآليات التى تساعد على ذلك مثل:
أ- دعم للمزارعين فى توفير مدخلات الإنتاج بتكلفة أقل من الأسعار السوقية، ومساعدتهم فى تسويق منتجاتهم بإتباع ودعم نظام الزراعة التعاقدية.
ب- تشجيع الصناعات وإعادة هيكلتها ودعمها، وخاصة تلك التى تتمتع بميزة تنافسية فى السوق العالمى، مثل صناعة الغزل والنسيج، صناعات الأدوية والأثاث.
ج- توفير الدعم لازم للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، للحد من معدلات البطالة، وزيادة المعروض السلعي، وتخفيف العبء عن الفئات الأكثر فقراً.
د- توفير المرافق الملائمة والخدمات بما يتوافق مع أهداف التنمية المستدامة المتعلقة بالقضاء على الفقر، والصحة والرفاهية، والتعليم الجيد، والمساواة بين الجنسين، والمياه النظيفة والصرف الصحي، لتوفير حياة كريمة للمواطنين.
ه- مراعاة العدالة فى توزيع الإنفاق العام على مستوى الإنفاق الجاري والإستثمارى بحيث يصل إلى الفئات الأكثر احتياجاً، وتحقيق العدالـة فى التوزيع الجغرافي بين المحافظات، بالإضافة لإقامة شبكة للحماية الاجتماعية، وزيادة نسبة العمالة فى المشروعات العامة.

التعليقات متوقفه