إبراهيم نوار يكتب:كعكة مصر على مائدة المستثمرين الأجانب

104

*بقلم /إبراهيم نوار

مصر كعكة شهية ومربحة جدا، اسألوا السيد محمد العبار البليونير الإماراتي صاحب الاستثمارات الواسعة في مصر، خصوصا في القطاع العقاري. ويجب أن نقول لكل مستثمر: “بارك الله لك في كل جنيه تربحه من مصر بالحلال”. وإذا كنا قد عجزنا عن تنمية مواردنا وتوفير احتياجاتنا بأنفسنا، فمن الطبيعي أن يأتي إلينا العبار وغيره لمساعدتنا، فنحن في نهاية الأمر أشقاء. لكن ما يثير القلق عندما تقرأ الأرقام، وتنظر على الخرائط، وتتطلع إلى الإنجازات هو أنك لا ترى ما يحتاجه الشعب المصري (أقصد أغلبيته) على قائمة الإنجازات التي تتفاخر بها الحكومة وترقص لها قلوب المستثمرين الأجانب ومن معهم من الوكلاء والسواتر الأمامية أو واجهاتهم المستترة.

المستثمرون الأجانب يحققون المليارات، سواء حسبتها بالمصري أو بالدولار، في قطاعات العقارات والخدمات الصحية، ومرافق البنية الأساسية. لا بأس، فحكومة الإنجازات تقول لنا أن هذه المشروعات تعود بالخير على المواطنين الذين يقع عليهم عبء سداد الديون. وأنت لا تعلم على وجه الصواب لماذا نتحمل الديون طالما أن المستثمر الأجنبي الكريم يأتي إلى مصر وفي ذيله طائرات أو شاحنات تحمل مليارات الدولارات يدفعها راضيا في “أم الدنيا” محبة فيها وطلبا لإرضائها. وما على الراغب في شراء منتجات المستثمرين الأجانب التي تتراوح بين شقق تصل أسعارها إلى 10 ملايين جنيه أو أكثر للشقة، و فيلات تصل أسعارها إلى 50 مليون جنيه أو أكثر إلا أن يفتح تليفونه المحمول ويتصل بمدير حسابه في البنك لتدبير مقدم المبلغ المطلوب وترتيب شيكات السداد البنكية للأقساط، فالمال وفير والحمد لله وأسعار الفائدة في الحضيض!

المحزن أن المستثمرين الأجانب وواجهاتهم المحترمة الذين يتربعون على عروش قطاع العقارات على وجه التحديد لا يهتمون ببناء غرف صغيرة للشباب الراغبين في الزواج وإنشاء أسرة (بافتراض انهم يعملون). هؤلاء يمثلون قطاعا كبيرا من قوة العمل والطاقات التي تبني مصر، ومن حقهم الحصول وظيفة ملائمة لائقة، وعلى سكن بسعر مناسب، وعلى دخل يلزمهم للإنفاق على أسرهم. للأسف لا يوجد في سوق الإسكان، خصوصا بعد فرض قيود شديدة على البناء في مصر الأصيلة (الدلتا والوادي والمدن الأصلية غير المرتبطة بالمستوطنات البشرية الجديدة التي يبنيها المستثمرون الأجانب وغيرهم). ومع توسع أنشطة المستثمرين الأجانب إلى قطاعات أخرى حيوية مثل العلاج والتعليم، فإن مأساة السكن ستشمل أيضا قطاعي الصحة والمعرفة.

وربما لا تظهر الصورة على حقيقتها حتي ندلل على ما فيها ببعض الأرقام.

نقول أولا أن شركات قطاعات العقارات والمقاولات تستحوذ وحدها على نسبة تقترب من 25% من المعاملات في البورصة المصرية. من المفهوم طبعا أن بعض الشركات التي يعمل من خلالها المستثمرون الأجانب هي شركات مغلقة. لكن استحواذ تلك القطاعات على هذه النسبة من التداول تعكس تشوهات حقيقية في بنية الاقتصاد.

ونقول ثانيا أن السنة المالية 2023/2024 سجلت صعود دولة الإمارات العربية المتحدة إلى المركز الأول للعام الثالث على التوالي في قائمة صافي تدفق الاستثمارات الأجنبية في مصر حسب الدول. في السنوات الخمس الأخيرة جاءت في المراكز الخمسة الأولى بريطانيا وأمريكا والإمارات وهولندا والسعودية. ومن البديهي أن يكون قطاع النفط والغاز هو أهم القطاعات التي تعمل فيها الشركات البريطانية والأمريكية والهولندية، أما الإمارات والسعودية فإن قطاع العقارات هو أكثر القطاعات جذبا للاستثمارات القادمة من كل منهما. هذه التخصصات لا تضيف كثيرا إلى الثروة الإنتاجية المصرية. فتصدير النفط والغاز هو نشاط استخراجي أولي ضعيف الارتباط بقطاعات الإنتاج المحلية، وصناعات البناء والتشييد تستورد نسبة كبيرة من مدخلاتها من الخارج، وقطاع العقارات يولد قيمة مضافة محدودة، من خلال حلقات نقل الملكية، إضافة إلى النشاط الموسمي خلال أعمال البناء والتشطيبات. هناك بالإضافة إلى ذلك صفقات الاستحواذ وشراء أنصبة من الحكومة في قطاع الخدمات المالية وقطاع المصارف، وهي صفقات تدخل أيضا في نطاق نقل الملكية وليس استحداث قيمة مضافة جديدة.

ونقول ثالثا، وهو الأهم أن المدفوعات التي تتحملها مصر على صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر تكشف عن تكلفة باهظة يتحملها الاقتصاد تتجاوز كثيرا العائد من هذه الاستثمارات. ففي السنة المالية  2023/2024 بلغ صافي مدفوعات مصر لصالح المستثمرين الأجانب في الخارج حوالي 17.5 مليار دولار، في حين كانت قيمة صافي التدفقات إلى مصر في العام نفسه حوالي 46 مليار دولار. وعلى ذلك فإن تكلفة الاستثمار الأجنبي التي تعود للخارج تعادل 38% من صافي التدفقات التي دخلت إلى مصر. فأي استثمار ذلك التي يعود على مصر بعائد يصل إلى هذه النسبة؟

الخطير الذي نستنتجه من هذه الملاحظات أن المستثمرين الأجانب يأتون إلى مائدة الاستثمار في مصر وهم مطمئنون إلى عائد مرتفع ومضمون من خلال الاتفاقات التي يعقدونها مع الدولة، ويحصلون من خلالها على امتيازات هائلة. وطبقا لأرقام وزارة المالية والبنك المركزي المصري المتطابقة فإن المدفوعات للمستثمرين الأجانب بلغت نسبتها 173% من صافي دخل الاستثمارات الأجنبية المباشرة  في السنة المالية 22/24 (تدفقات صافية بقيمة 10 مليارات دولار يقابلها مدفوعات من مصر للمستثمرين الأجانب بقيمة 17.3 مليار دولار). هذه الأرقام تبين أن مصر هي التي تعمل وهي التي تدفع للمستثمرين الأجانب وليس العكس.

المسؤولية هنا لا تقع على المستثمر الأجنبي الباحث عن أقصى ربح ممكن، ولكن على الدولة التي لا تهتم بالحصول على أعلى عائد ممكن للموارد المتاحة، طالما أنها ليست هي التي تتحمل التكلفة.

 

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy