محمود الحضري يكتب :سليمان شفيق والانحياز الدائم للفكرة
بقلم : محمود الحضري
في آخر اتصال بيننا بعد أزمته الصحية الأخيرة، قال كلمات جديدة غير تلك المعتادة بيننا، شعرت بحالة من التسامح، وربما التبرئة، ولكنه كان حريصًا كعادته أن يقول كلمات طمأنة عن صحته وأوضاعه المرضية، ليرسل رسائل تطمين للجميع.
اعتاد الصديق والزميل الكاتب الصحفي والباحث سليمان شفيق في كل رسائله عبر وسائل التواصل الاجتماعي على مدى آخر 3 سنوات أن يضع جميع الأصدقاء في صورة حالته الصحية، خصوصا عندما كان يغيب عن الساحة لبعض الأوقات، انعكاسًا لحالته المرضية التي أخذت أوجهًا مختلفة، وجاء حرص سليمان انعكاسًا لشعار قال لي مرارًا عنه أن “الأمراض لا يمكن إخفاؤها”، فالحياة حتمًا ستنتهي، وسيأتي يوم تكون فيه النهاية.
سليمان شفيق الذي ترجع علاقتي به قبل ما يقارب من 45 عامًا، وعلى مدى هذه السنوات، ظلت العلاقات ممتدة، إلا في سنوات محدودة، اختفي فيها معتكفًا، وعندما سألت عنه الدكتور رفعت السعيد، على اعتبار أن لديه أرشيف المعلومات عن كل تلاميذه، ففاجأني بأنه (في الدير)، فقلت له (لن تطول الأيام)، وقد كان درس وخرج للحياة المدنية برؤى، فقد كانت فترة دراسة وتعليم على يد عدد من المفكرين الأقباط في أديرة مصر.
البداية مع سليمان في روسيا، عندما سافرت للدراسة التقينا مرة أو مرتين، ولكن تفرقت بنا السبل، إلى أن انضم لفريق “الأهالي” في منتصف الثمانينيات ليصبح واحدًا من أهم الجيل الذي حمل عبء جريدة اليسار المصري، الصادرة عن حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، ولا يخفي على أحد دور سليمان قبل ذلك في أنشطة الحزب وإعلامه.
وخطف قطاع البحث سليمان شفيق منذ البداية، لينضم إلى مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية، منذ بداية تأسيسه في العام 1988، ليبحر أكثر في مجال البحث بمختلف قطاعاته الاجتماعية، ومع الوقت كان همه البحث التاريخي للأقباط في مصر، والذي نتج عنه جوهرة مؤلفاته كتاب “الأقباط.. 2000 عام بين المشاركة والعزلة”، والذي سلط فيه الضوء على الدور الوطني للأقباط في مصر، مع ملاحظات مهمة تضمنها هذا الكتاب.
ظل دور سليمان محوريًّا في التصدي لكل محاولات إشعال الفتنة في مصر المحروسة، وكلما جاءت أي محاولة كان لها بالمرصاد، غير منحاز لأي طرف، وهدفه هو الوحدة الوطنية، ومصالح هذا البلد، ودون أي مواربة، ولم ينجح أحد في استقطابه لطرف هنا أو هناك.
كل من اقترب من سليمان، سيلمس من الوهلة الأولى منبته اليساري في رؤاه، وظل محافظًا على هذا المبدأ، لم تنجح أي تيارات أو انحيازيات في استمالته لها، ولم يتراجع عن مبادئه، وظل متعففًا عن استقطابات البعض من هنا أو هناك، وتحدى كل الظروف، ممسكًا على الجمر، فذات مرة في السنوات الأخيرة، تناقشنا حول السياسة والمال والسلطة، فكان تعبيره “أنا منحاز للفكرة أولًا” فقلت له: بالفعل “المبادئ السياسية تقتلها السلطة، وأخطر سمومها المال”.
ظل الهمّ الوطني على رأس اهتمامات سليمان شفيق، مدافعًا عن فكرة “المواطنة” كأساس جوهري لحياة المصريين دون تمييز لطرف عن الآخر، ومن هنا ظل في غالبية كتاباته، مشيرًا إلى الحق لكل أبناء الوطن المصري دون أي شكل من إشكال التفرقة، ولهذا دافع ودعا كثيرًا إلى مفهوم دمج الأقباط في معترك الحياة المصرية، محذرًا من أن الانعزالية هي الخطر الذي قد يدفع به البعض، وربما ينزلق إليه محبو الانعزال داخل الكنيسة، أو الأديرة.
غاص سليمان في هذا المحور كثيرًا، ودافع عنه في كتاباته، وأحاديثه في المنتديات والمؤتمرات، وكانت شواهد التاريخ هي الأساس، ومن هنا ظل هو المرجعية في قضايا الأقباط الشائكة في مصر، وعندما عملنا معًا في “البوابة”، كان يكثر الجدل في بعض الأمور، وكنتُ منحازًا لوجهة نظره في أي نقاش، بل في بعض الأحيان كنا نضطر لحذف موضوعات وأخبار بعد نشرها على الموقع وقبل نشرها في الجريدة، بعدما يتضح مخاطرها المجتمعية، ومنها موضوعات وأخبار تتعلق بحج الأقباط إلى القدس في ظل العدوان الصهيوني على الفلسطينيين والمقدسات في القدس، وانتهاكات المستوطنين والمتطرفين للمسجد الأقصى.
وقد كان لسليمان فهم واسع بين أفكار الطوائف المسيحية، ويدرك خطورة الخلط، والذي يفسد كثيرًا من المفاهيم، وكان حاضرًا في كل لحظة، ومنقذ الأزمات، حال طلب معلومات، أو موضوعات عن قضايا بعينها، بل أكثر من ذلك، ظل مبادرًا في الكتابة عن تاريخ شخصيات قبطية ويسارية، عند رحيلها، أو في مناسبات الرحيل.
من يقرأ أرشيف سليمان شفيق ويتابعه سيقف عند كثيرٍ من المحطات، بل هو أرشيف لمن لا يملك أرشيفًا، ومصدر معلومات للكتاب والباحثين، وأتذكر هنا مقالًا مهمًا عن الأسقف، الدكتور، والمفكر والفيلسوف والأديب “حنا قلته” عند رحيله قبل ثلاث سنوات، ومقاله الرائع عن الوجه الآخر للفنانة تحية كاريوكا، والمعروفة بـ “أم اليساريين”.
الكتابة عن سليمان شفيق تحتاج إلى صفحات طويلة، وهذه السطور هي مجرد نقطة في بحر عن سليمان الباحث والصحفي، بينما هناك الكثير عن سليمان السياسي والمناضل العروبي، والإنسان والصديق، وفيها كثير، والذي رفض أن يدخل في كثير من الأمور التي تفسد صداقات بدأت في مطلع العقدين الأخيرين من القرن الماضي.
وداعًا يا قديس.

التعليقات متوقفه