بقلم: محمود الحضري
لا شك أن توقف الحرب الأمريكية الإيرانية عامل مؤثر على الاقتصاد العالمي والإقليمي، ومصر في القلب من هذا، وأي توتر من شأنه أن يؤثر سلبًا على الأوضاع الاقتصادية، والتي يتحمل عبئها الرئيسي المواطن في الشارع بشكل عام.
ومن هنا فإن جاءت تخوفات صندوق النقد الدولي في تقريره الأخير عن نتائج المراجعة السابعة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي مع الحكومة، فلا تزال المخاطر السلبية قائمة، التوترات الإقليمية والضغوط التضخمية العالمية المتجددة قد تؤدي إلى التأثير سلبًا على النمو، وتشديد الأوضاع المالية، ووضع ضغط كبير على الوضع الخارجي.
بيان صندوق النقد الدولي الذي جاء عقب انتهاء المراجعة السابعة لبرامج الإصلاح الاقتصادي، وعشر سنوات من الإصلاح (2016 – 2026) حمل الكثير من النقاط، التي أشاد بها نتيجة تنفيذ الحكومة ما تم الاتفاق عليه، وأوصى بها الصندوق، وإجراءات أخرى نفذتها الحكومة ذاتيًا، قبل أن ينتهي دور الصندوق مع مصر وفقًا لما هو معلن في ديسمبر المقبل.
وبقراءة ما جاء في بيان الصندوق، فهناك إجراءات يتحمل عبئها المواطن، ويتحمل تبعاتها على مدى السنوات المقبلة، وسداد أعبائها، خاصة القروض والتي بلغت بالمراجعة الأخيرة 7.2 مليار دولار، وفي المقابل هناك ما يؤكد قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة المتغيرات والتحديات الناجمة عن الحرب الأمريكية الإيرانية.
ويضاف إلى ذلك ما يمكن وجود آفاق مبشرة بعد (صمت المدافع) إقليميًّا، فمن المتوقع أن يساهم اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران في تخفيف الضغوط الناجمة عن أسعار الطاقة العالمية، وتحسين معنويات المستثمرين، ودعم زيادة التدفقات الداخلة إلى مصر.
ومن أهم النقاط التي يجب التنويه إليها، والتي وردت في بيان صندوق النقد الدولي، هو ما يتعلق بكون تأثير الحرب في الشرق الأوسط على الاقتصاد المصري ظل محدودًا نسبيًّا، ولكن هذا لم يأتِ إلا من خلال الإجراءات السياسية الحاسمة، وتحمل عبئها الرئيسي المواطن، مثل تعديل أسعار الوقود والكهرباء، مع اتخاذ إجراءات تخص الحكومة، تمثلت في ترشيد استهلاك الطاقة من قبل الجهات الحكومية، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق للتخفيف من الضغوط الخارجية والمالية، إلا أن هناك نقطة إيجابية تمثلت في زيادة الإنفاق الاجتماعي للتخفيف من الأثر على الفئات الأكثر ضعفًا، ويبقى أن مسألة ترشيد الإنفاق الحكومي تحتاج إلى إجراءات أكثر.
ومن الأمور التي وردت في بيان مراجعة صندوق النقد الدولي، وبحاجة لمعالجة هو ارتفاع معدل التضخم العام، واتساع عجز الحساب الجاري حتى لو كان طفيفًا، لأن ذلك ينعكس على ارتفاع فاتورة الواردات، بالرغم من نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 5% في الربع الثالث، محققًا خلال الأرباع الثلاثة الأولى من السنة المالية 5.2% معدل نمو عام.
ومن النقاط اللافتة للنظر هي إشادة صندوق النقد بالإجراءات الحكومية، في اتجاه تعبئة الإيرادات المحلية عن طريق الضرائب، والتي في الغالب يتحملها المواطن في نهاية المطاف، حيث عملت وتعمل الحكومة على توسيع القاعدة الضريبية وتحسين الإدارة الضريبية.
فقد حققت من وجهة نظر الصندوق نتائج ملموسة، من المتوقع أن ترتفع نسبة الضرائب إلى الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1.2% هذا العام، ومن المتوقع أن تُعزز ميزانية السنة المالية 2026/2027 والحزمة الضريبية المصاحبة لها هذه التوجهات، كما يرى الصندوق أن مثل هذا الإجراء بالغ الأهمية نظرًا لانخفاض نسبة الضرائب إلى الناتج المحلي الإجمالي في مصر مقارنةً بالأسواق الناشئة الأخرى.
بيان الصندوق به كثير من التطمينات، مثل: الأداء المالي القوي، فبحلول نهاية مارس 2026، تم تجاوز كل من أهداف الميزان الأولي والإيرادات الضريبية، مما يعكس قوة تعبئة الإيرادات المحلية وبقاء الإنفاق الإجمالي ضمن سقف الميزانية المخصص.
وتوقع أن يرتفع الفائض الأولي من 4.8% من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية 2025/2026 إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية 2026/2027، مشددًا على أهمية الحفاظ على هذا الجهد لضمان خفض الدين العام بشكل مطرد، كما ستكون هناك حاجة إلى بذل جهود متواصلة لاحتواء المخاطر المالية، بما في ذلك تلك المتعلقة بحجم الضمانات الحكومية الكبير.
توافق الحكومة مع صندوق النقد الدولي على مستوى الخبراء على اتفاق بشأن المراجعة السابعة في إطار الترتيب الممتد لمدة 48 شهرًا ضمن آلية الصندوق الممتد، والمراجعة الثانية في إطار آلية المرونة والاستدامة، هو بمثابة قرار نهائي قبل موافقة مجلس الإدارة، للحصول على 1.11 مليار وحدة حقوق سحب خاصة (1.5 مليار دولار) بموجب آلية الصندوق الممتد، و100 مليون وحدة حقوق سحب خاصة (136 مليون دولار) بموجب آلية المرونة والاستدامة، ليصل إجمالي المدفوعات بموجب هذه الترتيبات إلى نحو 5.3 مليار وحدة حقوق سحب خاصة (7.2 مليار دولار أمريكي).
ومن الملاحظ أن بيان الصندوق غاب عنه الإشارة إلى ما جرى من مناقشات خلال المراجعة السابعة حول تحديثات وثيقة سياسة ملكية الدولة، والتي حددت خطة تقليص دور الدولة في الاقتصاد وإفساح المجال أكثر أمام القطاع الخاص، فماذا يعني هذا الغياب، رغم الإعلان عن تلك التحديثات، وما مدى رضا الصندوق عنها، .. ونأمل الا يكون هناك ما يثير القلق، حول بيع أو التخلص من ملكيات ودور الدولة، في الاقتصاد الوطني والإنتاج، وتغييرات على ما سبق وتم الإعلان عنه قبل أيام في هذا الملف؟.
ومما لاشك فيه أن هذه التسهيلات النقدية من صندوق النقد ستسهم في استقرار سعر صرف الجنيه، وربما يدفع إلى المستوى السابق قبل حرب أمريكا وإيران، ولكن في المقابل ورغم كل الإجراءات والمؤشرات الإيجابية التي رصدها صندوق النقد، يبقى الجانب الأهم وهو انعكاس ذلك على حياة المواطن في الشارع، وانخفاض معدلات التضخم التي تآكلت معها كل زيادات في الأجور، والمعاشات، وتآكل مستقبلي لأي زيادات في الدخول مع بداية العام المالي الجديد والذي انطلق في 1 يوليو الجاري من العام (2026- 2027).
وبهذا فقد نفذت الحكومة ما اتفقت عليه مع صندوق النقد من عام 2016 وحتى الآن (10 سنوات) وعلى مرحلتين، ويبقى الأهم ماذا بعد الصندوق، وهل سيكون المواطن وحقه في حياة كريمة هو الأولوية، أم سيتحمل العبء كما تحمله لسنوات طوال، فالتمنيات أن تكون توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال افتتاح مقر القيادة الإستراتيجية (الأوكتاجون) السبت الماضي، بالعاصمة الجديدة، بإعداد برنامج اقتصادي وطني خالص ليقود المرحلة الاقتصادية المقبلة بعد انتهاء برنامج مصر الحالي مع صندوق النقد الدولي، التزام حكومي جاد تنعكس تفاصيله بشكل مباشر على تحسين مستوى معيشة المواطنين، مع تعزيز قدرة الاقتصاد المصري الإنتاجي على مواجهة المتغيرات وتحقيق النمو وتوفير فرص عمل.

التعليقات متوقفه