بعد مهزلة الحوار الوطنى ومسخرة الانتخابات وموت السياسة وانكسار الأحزاب، أجد صعوبة شديدة في الكتابة في الشأن العام. فلم يعد هناك ما يمكن أن يقال في مثل هذه الأحوال. ولحماية توازنى الداخلى قررت تجاهل الحاضر، مفضلا الكتابة في موضوع هام على المستويين الخاص والعام. أعود بالذاكرة 65 عاما الى الوراء- إلى سنة 1960. فكم كانت تلك السنة فارقة في حياة مصر وحياتى أنا شخصيا. ففي يناير 1960 تم إطلاق مشروع السد العالى، الذى خاضت مصر في سبيله ثلاث حروب طاحنة. لكنه أصبح بحق واقى الصدمات المائية للمحروسة وخط الدفاع الأول عن أمنها المائى. كما حبتنى تلك السنة بحدثين آخرين كانا بمثابة ضربة حظ مزدوجة أدت إلى تحويل جذرى لمجرى حياتى. لقد كانت سنة يهون العمر كله إلاها، كما قال أمير الشعراء أحمد شوقى في رائعته “جَبَل التوباد” على لسان قيس بن المُلَوَّح في حب ليلى العامرية.
شهد عام 1960 تأسيس كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وإنشاء معهد التخطيط القومى. وكم كان لهاتين المؤسستين من أثر بالغ في تشكيل وجدانى وتغيير مسارى. ففي كلية الاقتصاد وتحديدا في شهر أكتوبر 1961، التقيت النصف المتمم لى أو نصفى الآخر- كريمة كُريم. وأقتبس هنا عبارات عن لحظة اللقاء الأولى كما دونتها في كتابنا المشترك الذى نشرته دار الشروق بعنوان “حكاية مصرية”. كتبت أقول بلغة الغائب: ” … ما زال يتذكر جيدا أول مرة رآها فيها- النظرة الأولى. كانت بهية الطلعة، جميلة الملامح، طويلة القامة، ترتدى بلوزة لونها بصلى أو كمونى بياقة وأساور من الجلد. فجأة، ودون تفكير، قال محدثا نفسه: سأتزوج هذه الفتاة، وستكون شريكة حياتى. إنه الحب من أول نظرة! وقد كان؛ فبعد خمس سنوات من أول لقاء جمعهما، أصبحت زوجته وشريكة حياته”. الطريف أن اتفاقنا على الارتباط تم في مقر مركز بحوث العمليات التابع لمعهد التخطيط القومى، وكان وقتها في شارع شجرة الدر في الزمالك. وتوتة توتة …
وفى معهد التخطيط تعرفت الى أستاذى العزيز الدكتور محمد محمود الإمام. ولهذا حكاية. كنت قد عينت معيدا في كلية الاقتصاد فور تخرجى عام 1964. وتصادف أن تم تغيير لائحة الكلية بحيث تستبدل مادة الاقتصاد القياسى بمادة التعاون في السنة النهائية لقسم الاقتصاد. وتم انتداب الدكتور الإمام لتدريسها. ولأن مادة الاقتصاد القياسى مادة مستجدة وصعبة، ارتأت إدارة الكلية تخصيص مجموعة تعليمية في هذه المادة (سكشن) يقوم بها أحد المعيدين لمساعدة الطلبة. وبسبب صعوبة المادة، لم يتقدم أحد من المعيدين القدامى لتدريسها. فتطوعت أنا لهذه المهمة التى بدت وقتها مستحيلة. لقد كانت مغامرة بالنسبة لى كونى تخصص أدبى في الثانوية العامة. وهنا بدأت علاقتى بالدكتور الإمام، حيث ضمنى إلى “مجموعة بناء النماذج” التي كان يرأسها في مركز بحوث العمليات التابع لمعهد التخطيط القومى. وهنا تحول مسارى العلمى باتجاه التحليل الكمى وبناء النماذج فكتبت فيه رسالتى للدكتوراه. ثم تطورت العلاقة مع الراحل العظيم، وأعتدت أن أناديه بـ”أستاذى العزيز” فيرد بـ”تلميذى النجيب”. فيا لها من ذكريات.
Sign in
Sign in
Recover your password.
A password will be e-mailed to you.
الموضوع السابق
الموضوع التالي

التعليقات متوقفه