من الجمل الباعثة على الضحك الذى يُفضى إلى ذرف الدموع بين معظم الأسر المصرية، الحديث عن مجانية التعليم، والعلاج المجانى . “المجانية ” صارت كلمة ملتبسة فى التطبيق على أرض الواقع، لكنها مع كل التمويه، لا تزال مقبولة لديهم، ومرضية، لغير القادرين على التعامل مع كل ما هو غير مجانى وما هو خاص وفندقى وما هو استثمارى، لا سيما فى مجالات التعليم والصحة .”المجانية “ليست كلمة نكتبها فى الدستور، وبعض القوانين، ونرددها فى الخطابات الإنشائية، ثم ندير الظهر لها، وننساها، لكنها ممارسة على أرض الواقع الحى، تحتاج إلى تثبيت أقدامها، والإيمان الحقيقى، بأنها ضرورة للاستقرار والأمن الاجتماعى، الذى بات مهددًا بالسياسيات الاقتصادية والاجتماعية السائدة، التى تؤمن إيمانًا راسخًا، أن التباين والتدرج الاجتماعى، و اختلاف الناس فى فرص الحياة المتاحة التى ترسم أوضاعهم الاجتماعية، هو من أمور الظواهر الطبيعية التى ترى فى التمايز الطبقى الفاحش بينهم أمرًا من أمور الطبيعة التى خلقها الله، كشروق الشمس وغروبها، ولتبرير هذا التمايز، الذى لم يفرضه العلى الرحيم، و أكد عكسه نبيه الكريم، أن الناس سواسية كأسنان المشط، بل أوجده الاختيارات السياسية المنحازة، التى تصنع بالقسر، بنية المجتمع الاقتصادى المنحازة بدورها لمن يملكون النفوذ المالى والسياسى!
حين صاح الدكتور “طه حسين” فى منتصف أربعينيات القرن الماضى صيحته المدوية فى كتابه “مستقبل الثقافة فى مصر” أن التعليم كالماء والهواء حق لكل الناس، رابطًا بشكل حتمى، بين رفع المستوى الثقافى والتعليمى، كان يبشر بمشروعه النهضوى البناء، مجانية التعليم. ووضع العميد هذا المشروع موضع التنفيذ،حين أصبح مستشارًا لوزير المعارف “أحمد نجيب الهلالى” فى حكومة الوفد عام 1942، فغدا التعليم فى المرحلتين الابتدائية والإعدادية مجانيًّا .وصار التعليم الثانوى والفنى مجانيًّا أيضًا، حين اختاره الوفد وزيرًا للمعارف عام 1950. وكان التعليم الجامعى والمعاهد العليا مشمولة بالمجانية فى ظلال ثورة يوليو. فازدهرت الطبقة الوسطى فى مجالات الإدارة والتصنيع الثقيل والتصنيع الزراعى، والسياسة والقطاعات الاقتصادية والمؤسسات الإنتاجية بسبب الاختيار السياسى الذى انطوى على إحداث توازن نسبى فى توزيع الدخل القومى وتقريب المسافات الشاسعة بين الفئات الاجتماعية العليا، والشرائح الدنيا والوسطى فى المجتمع.
أصبح التعليم المجانى فى المدارس الحكومية عبئًا على الفئات الدنيا الفقيرة، التى باتت مثقلة بتسديد مصاريف المدرسين والسناتر، وأقصى أبناؤها من مراحل التعليم الجامعى لأسباب اقتصادية . وبعدما كان التعليم فى كل مراحله، ميدانًا، لتحصيل العلوم والمعارف وتنمية القدارت، وتشكيل وجدان وطنى مشترك، صار ساحة للتنافس للنجاح ونيل الشهادة بكل الطرق حتى لو كانت الغش والاعتداء على المشرفين على الامتحانات. وتفرقت السبل بين خريجيه بين حكومى وخاص واستثمارى ودولى وأجنبى، حين راهن الأثرياء ورجال المال والأعمال على جنى أرباحه المجزية . أما الوجدان الوطنى المشترك، فلا تسأل عنه غير قوى التطرف الدينى، التى استولت على معظم الأجيال الشابة، وشدتها إلى حظيرتها، لكى تجر معها المجتمع المصرى للخلف در.
قبل أكثر من ثلاثة عقود، أقامت نقابة الأطباء دعوى قضائية، ضد التعليم الطبى فى الجامعات الخاصة والاستثمارية، وحصلت على حكم لصالحها من محكمة القضاء الإدارى. وكان المنطق الذى قاد النقابة لرفع الدعوى، أن من يملكون و يديرون الجامعات الخاصة والاستثمارية، لا علاقة لهم بالتعليم الجامعى، وأن تلك الجامعات تفتقد للبنية العلمية المناسبة لتعليم الطب أو حتى الصيدلة، وأن طلابها أقل كفاءة ممن درسوا فى الجامعات الحكومية. وأنها مسرح لهجرة داخلية وخارجية للأطباء.
تسألون ولماذ لم ينفذ هذا الحكم؟ أقول،لأننا فى مصر المحروسة، نتجاهل أحكام القضاء، ونصدر القوانين لكى لا ننفذها، وننسى كل شىء بعد حين. وكما كان متوقعا يناقش مجلسا الشيوخ والنواب هذه الأيام إجراء تعديلات على القانون رقم 19لسنة 2018، لتنظيم العمل فى المستشفيات الجامعية وفقا لمشروع مقدم بذلك من الحكومة. أما هدف التعديل بعيدا عن الكلام الإنشائى للحكومة عن تعزيز كفاء ة النظام الصحى والتعليم العالى، فهو شمول الجامعات الخاصة والأهلية والمراكز البحثية، وأفرع الجامعات الأجنبية بالرعاية الحكومية ضمن القانون المعمول به. وبما أن المستشفيات الجامعية تقدم الخدمة العلاجية لنحو 70% من المرضى فى أنحاء الجمهورية، فضلا عن دورها البحثى والتعليمى والتدريبى، فكيف يا ترى سيتم التطوير المنشود والجامعات الخاصة لا إمكانيات لديها، تمتلك 12 مستشفى معظمها تحت التجهيز. أما المستشفيات الجامعية الحكومية فتستوعب أكثر من طاقتها من الطلبة المتدربين، وأبنيتها متهاوية، وتفتقد للأجهزة العلاجية الكافية، ومتخمة بطوابير المرضى فى قوائم الانتظار. وبدلًا من أن تسعى الحكومة لإصلاح الخلل فى المستشفيات الجامعية الحكومية، وتحسين مرتبات هيئات التدريس والتمريض والعلاج بها، تفتح الباب لتكبيدها أعباء جديدة، لصالح من هم خارج منظومتها، وبعيدا عن رأى نقابة الأطباء، التى ترفض التعديلات المقترحة، وتصوغ مبررات منطقية لرفضها، ربما لكى تقترب ساعة الإلغاء الكلى للعلاج المجانى الحكومى”أبو فلوس برضه “.
ولو سمحتوا شوية عقل، أوقفوا هذا الشره التشريعى،الذى يضحى دائمًا بغير القادرين!

التعليقات متوقفه