ضد التيار ..أمينة النقاش تكتب :سياسة مصر الخارجية فى مرمى النيران!

112

لعلها المصادفة هى ما جمعت بين تلك الوقائع التى بثتها لنا الأخبار خلال الأيام القليلة الماضية، فبدت وكأن لا علاقة بينها، بينما هى مرتبطة بعضها بعضا: اعترافات القيادى فى حركة حسم الجناح المسلح لجماعة الإخوان، وهجمة من المعلقين الخليجيين على الموقف المصرى من الحرب الإسرائيلية –الأمريكية الدائرة على إيران، والموافقة العربية على تولى وزير الخارجية الأسبق نبيل فهمى منصب الأمين العام للجامعة العربية.
لم أصدق كلمة ندم واحدة مما ساقها فى اعترافاته الإخوانى على عبد الونيس، ولم أتعاطف مع دموع التماسيح التى ذرفها بصعوبة، وهو يتذكر ابنه، ويسدى إليه النصح. كدت أظنه قد خرج من شاشة التليفزيون، كى أقول له: ندمان؟ طيب عينك فى عينى كده!
الشيء الوحيد الذى صدقته، وعانيت ويلاته مع كثيرين غيرى، هو سجل الجرائم التى تدرب عليها فى غزة، ونفذها داخل مص، لترويع المواطنين وتدمير مؤسسات الدولة واستنزاف اقتصادها وإضعاف مسئوليها. وهى جرائم كانت من البشاعة أن حولت البيوت إلى موطن للأرامل والثكالى واليتامى والمكلومين، بحثا عما تظنه جماعة الإخوان استعادة مجدها الضائع، بزعم إعلاء كلمة الدين وإعادة دولة الخلافة!
وما لم يذكره عبد الونيس، أن غزة التى كانت مسرحًا لتدريب خلايا حسم لإسقاط مصر واغتيال رئيسها، قد باتت خرابًا، وهو إنجاز آخر يعود إلى جهود الأصول والفروع من جماعة الإخوان، واستدعائها شعار الجهاد المثقل بسرديات المظلوميات وبتاريخ من الهزائم، وإيمانها الراسخ بأن الغاية تبرر الوسيلة.
الكشف عن قضية عبد الونيس يؤكد مدى يقظة أجهزة الأمن المصرية وكفاءتها فى تعقب خطر جماعة الإخوان، وهو خطر دائم يخبو قليلًا ثم ينتعش، فى ظل الأزمات المتفجرة والمفروضة على المنطقة التى تهيئ للجماعة مناخًا ملائمًا لمواصلة الجرائم، التى تأمل أن تعيدها للمشهد السياسى، لا سيما والتنظيم الدولى للإخوان، الذى يرعى فصيله المصرى، تُحركه أطراف خارجية لأهداف مصالحها. وبرغم تصنيف جماعة الإخوان وحركة حسم كتنظيمات إرهابية فى عدد من الدول الغربية والعربية، فسيبقى خطرها قائمًا، لأنها منذ نشأتها وحتى إشعار آخر، كانت وستبقى أداة فى خدمة خصوم الدولة المصرية وأعدائها الواضحين والمستترين.
لم يكن بعيدًا عن ذلك، الهجوم شبه اليومى من إعلاميين خليجيين على السياسة المصرية فى فضائيات دولية، فهذا أحدهم يقول ساخرًا، اعتبرنا أنها أم الدنيا، اكتشفنا أنها زوجة الأب. وآخر يقلل من دور الوساطة المصرية فى اللجنة الرباعية الباكستانية والتركية والسعودية الساعية لوقف الحرب فى الإقليم التى امتد خطرها إلى كل دوله وغيرها كثير آخر من هذه السخافات. فما كان من جماعة الإخوان ولجانها الإليكترونية الواسعة الانتشار، أن تلقفت الهجوم ونفخت فيه نار عدواتها وشماتتها فى الطرفين المصرى والخليجى.
وبرغم أننى” شقيت بحسن ظنى” كما يقول الأمير عبدالله الفيصل فى قصديته ثورة الشك، التى شدت بها أم كلثوم، فيمكن اعتبار الهجوم معبرًا عن قائليه وحدهم، برغم أنه يتجاهل -عن عمد- الموقف الرسمى المصرى، الذى أدان الحرب منذ الساعات الأولى لاندلاعها، وبذل جهودًا ملحوظة للدعوة للتهدئة والسعى للوساطة لإيقافها.
كنت أنتظر أن يقدم قائدو السباب، إجابة واضحة عن سؤال: ما هو المطلوب من مصر تحديدًا؟ هل تعلن الحرب على إيران مثلًا؟ أم تدخل فى تحالف دولى لمواصلة حصارها؟ لو أنصف هؤلاء لكان الاستنتاج الوحيد من تلك الحرب، هو أن القواعد الأمريكية التى تمركزت فى الدول الخليجية بزعم حماية أمن دوله، كانت وبالًا عليها، وقد وصفها الأمير القطرى بأنها جاءت لتحمى الخليج، لكن الحال أن الدول الخليجية تتحمل الآن عبء حمايتها!
أما ما نسيه تمامًا إعلاميو الخليج، فهى دعوة الرئيس السيسى قبل أكثر من 10 سنوات إلى تشكيل قوة ردع عسكرية عربية مشتركة لحماية الأمن القومى العربى، وهى الدعوة التى رفضتها الدول الخليجية. وبضغط من دول الخليج، تم تغيير ميثاق جامعة الدول العربية، حتى لا تكون قراراتها ملزمة، ونشطت الدعوات الخليجية لإغلاقها بما أضعف تأثيرها. كما القيت فى صناديق قمامتها، اتفاقية الدفاع العربى المشترك التى صدرت عام 1951، فضلًا عن اتفاقية السوق العربية المشتركة عام 1964.
ولو أن قائدى الحملة الخليجية قرأوا قليلًا فى صفحات تاريخ مصر، لأدركوا أنها تقوم بواجبها فى سياساتها الخارجية، بما تمليه عليها قدراتها لا رغباتها، وأنها اكتسبت بذلك مصداقيتها فى الساحة الدولية، وحمت جيشها من رعونة القرارات والشعارات الجوفاء التى لا تكف عن توجيه سهامها الطائشة إليه، وطورت أدواته لحماية أمن البلاد القومى، وأنه غير معروض للإيجار، وهى لا تريد من أحد لا جزاءً ولا شكورًا.
وجاءت الموافقة العربية الجماعية على اختيار السفير نبيل فهمى أمينًا عامًا للجامعة العربية فى هذه الأثناء، لتجدد التذكير بحملات عبثية مماثلة، تطالب بتدوير منصب الأمين العام للجامعة، ولا تحصره على ما جرى عليه العرف، فى مرشح مصرى. وتلك كلها مواقف يجمع بينها تباين المواقف العربية حول تحديد من هو العدو الرئيسى فى المنطقة، وغيبة رؤية عربية موحدة للدفاع عن الأمن القومى العربى، والدخول فى منافسات شكلية، عمن تكون الدولة الوازنة فى المنطقة, وهى أمور لا يصنعها السِّباب، ولا يحددها مجرد قلب الحقائق التاريخية والجغرافية والديموجرافية. أفيقوا يرحمكم الله.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy