ضد التيار ..أمينة النقاش تكتب:ثورة يونيو وإشكالية التحول الديموقراطى

66

ربما أكون واحدة من قليلين ممن رأوا أن العام الذى أمضته جماعة الإخوان فى حكم البلاد، كان فيضا من نعم العلى القدير علينا. فقطاع كبير من الفئات الاجتماعية، ومن الناخبين قد منحوا أصواتهم لمرشحى الجماعة فى الانتخابات التشريعية والرئاسية رغبة فى التغيير، وظنا منهم أنها جماعة معصومة من الفساد، الذى كان فى العقود السابقة قد استشرى و حرمهم من جنى ثمار الإصلاح الاقتصادى، الذى تم الزعم حينها أن نسبة تنميته قد وصلت إلى 7% . فضلا عما رسخ فى ذهن ذلك القطاع العريض من الجمهور، وحتى لدى  بعض النخب فى المجالين العام والسياسى، من أفكار لا تمل من تكرار أن معارضة جماعة الإخوان، ممن يحذرون من خطر المزج بين الدين والعمل السياسى، ويشيرون إلى تاريخ مخضب بسفك الدماء فى مسيرتها منذ نشأتها، ما هى إلا محض صراع تقتضيه روح المنافسة السياسية !

وما كاد حكم الجماعة ينتصف، حتى اكتشف المصريون بأنفسهم، أنها جماعة لا تعرف الدين، بل تتاجر به فى أسواق السياسة، وأنها جماعة جاهلة معدومة الكفاءة مسعورة للسلطة والثروة والنفوذ، وأن الوطن الذى استولت زورا وخداعا وتهديدا على حكمه، ما هو إلا حفنة من تراب عفن، كما قال مرشدها فى وصفه لها .فاستعادوا وعيهم وشحذوا عزيمتهم لإبعادهم عن السلطة .

أسقط المصريون فى ثورة يونيو، بمساندة جيشهم الوطنى، حكم جماعة الإخوان من السلطة، لكن أفكارها وثقافتها وسلوكياتها وأزياءها، هى وأنصارها من الجماعات السلفية المتطرفة ، تغلغلت فى المجتمع، وفى مؤسسات الدولة والحكم، وباتت تعبر عن نفسها فى وسائل الإعلام المختلفة آناء الليل وأطراف النهار . ولم يكن ذلك رهين صدفة أو نتيجة من نتائج حكم سنة لجماعة  الإخوان، بل هو فى واقع الحال نتيجة حتمية للتصاعد المستمر فى نفوذ تيارات الإسلام السياسى، بدعم علنى من نظامى الرئيسين السادات ومبارك، بعدما كان قد حجم من نفوذها وتأثيرها نظام وسياسات الرئيس عبد الناصر .

وبحكم سطوتها، تمكنت تلك التيارات المتأسلمة المتطرفة فى المجتمع وفى المؤسسات الدينية، من غلق باب التفكير فى الدعوة التى أطلقها قائد الثورة الرئيس السيسى، لتجديد الفكر الدينى .وتلك واحدة من إشكاليات مازال مؤجلا بحثها، بعد ما أزيحت من جدول أعمال ثورة يونيو، لأجل غير مسمى !

وكان التحول الديموقراطى الذى بشر به دستور الثورة بدعوته إلى بناء دولة مدنية ديموقراطية حديثة هو الإشكالية الأخرى التى تم تأجيل بحث حلها مع غيرها، على مدار 13 عاما من قيام الثورة.وتم رهن التحول الديمقراطى، لحين الانتهاء من القضاء على الإرهاب وإعادة بناء مؤسسات الدولة، واتخاذ ما يلزم من إجراءات للنهوض بالاقتصاد الوطنى .بجانب ما فرضته الالتزامات لمواجهة جائحة كورونا، والنتائج الكارثية للحروب فى أوكرانيا والإقليم .

وبعد مرور13عاما لا نلمح فى الأفق بوادر لتنفيذ الوعد الدستورى .وحتى توصيات الحوار الوطنى بشأن التحول الديموقراطى تم تجاهلها .وترسخ فى ذهن الواقع السياسى والحزبى وقطاع لا يستهان به من الرأى العام، مدى هامشية مبدأ التحول الديمقراطى، فى الفكر السائد لإدارة دولة يونيو، ومدى تجذر الرؤية لديها، التى تذهب إلى أن البيئة السياسية المغلقة الراكدة الراهنة، غير صالحة لاستقبال هذا التحول فى حال حدوثه .والأخطر من كل هذا الاعتقاد بأن مزيدا من الحريات الديمقراطية، هو مغامرة غير محسوبة النتائج ، تهدد الاستقرار، وتقود إلى الفوضى .

اكتفت ثورة يونيو من الديمقراطية، بأشكالها .إجراء انتخابات متحكم فى بعض نتائجها سلفا، لتشكيل المؤسسات التشريعية والنيابية، يغلب على كثير من عضويتها صراع مصالح، واحتكار وسائل الإعلام المقرؤ والمرئى والمسموع، واصطناع أحزاب بقرارات مجهولة .والنتيجة الفعلية لكل ذلك، فقد الناس الثقة فى الحياة الحزبية، وفى أن الديمقراطية يمكن أن تكون طريقا لتحسين شروط حياتها .

ما يهدد الاستقرار الاجتماعى والأمنى، ويشجع على الفوضى ، هى حالة الركود السائدة، والفجوة الكبيرة التى تتسع يوما بعد آخر بين المواطنين وبين إدارة ثورة يونيو، بفعل احتكار القرار الاقتصادى فى يد حفنة من المقاولين والمغامرين، بما قاد البلاد إلى أكبر دين خارجى فى تاريخها، وإلى أزمة اقتصادية خانقة تجعل أغلبية المواطنين عاجزة عن مواصلة تلبية احتياجاتها الحياتية. والتحول الديمقراطى هنا ليس ترفا، بل هو ضرورة لاتساع أطر المراقبة الشعبية للسياسات، وللحد من الفساد والتغول على المال العام ، وتطبيق الشفافية فى القرارات الصادرة عنها ، بعدما غدت معرفة المواطن بما يجرى فى بلده محصورة فى مصادر أجنبية ، ثم الشكوى من عدم صده للشائعات.

التعددية الحزبية ليست هى الديمقراطية، والديمقراطية حددها دستور 2014 فى دعم حريات الرأى والتعبير والحياة السياسية والحقوق الاجتماعية ، فأقرأوه بالله عليكم ، قبل أن يفوت الوقت، وتخرج الأمور من عقالها!

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy