محمود الحضري يكتب :«مستقبل مصر».. من حق الناس أن تطمئن مع إزالة التخوفات!

25

بقلم: محمود الحضري
حتمًا سيأتي يوم يحصد فيه الشعب أي فوائد أو سلبيات لكل قانون يتم إقراره، سواء تم بنقاش مستفيض أو في عجلة من الأمر، ولا شك أن أي تقزيم لدور الدولة في إدارة الاقتصاد الوطني والتنمية سيحاسب التاريخ المتسبب فيه، ومن صمت عليه.
أقول هذا بمناسبة إقرار مجلس النواب الثلاثاء 15 يوليو، قانون إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، بعد 10 أيام من إحالته من جانب الحكومة إلى مجلس النواب، والذي ما زال حتى كتابة هذه السطور في انتظار تصديق رئيس الجمهورية عليه، وجاء الإقرار البرلماني قبل أيام من الذكري الـ74 لثورة يوليو 1952 والتي حررت مصر من الكيانات التي استحوذت لعشرات السنوات على الاقتصاد المصري، مع قلق من أن تعود مرة أخرى في صور واشكال جديدة، تُقزم دور الدولة ووزاراتها في إدارة اقتصادنا الوطني، والزراعي والغذائي منه بصفة خاصة.
وعلى الرغم من إقرار القانون، سيظل الجدل قائمًا بين الاقتصاديين والسياسيين حول هذا القانون، والذي جاء في ظروف مثيرة، وفي أعقاب توافق الحكومة مع صندوق النقد الدولي، في الاجتماعات الأخيرة خلال المراجعة السابعة على أشكال جديدة للتنازل عن دور الدولة في إدارة الاقتصاد لصالح القطاع الخاص، أو لكيانات لا تخضع لرقابة كلية من جانب جهات الاختصاص، بالرغم مما قيل عن الرقابة على الجهاز.
القانون جاء مستهدفًا وضع إطار تشريعي لمنح جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة دورًا ومرونة أكبر في إدارة المشروعات الاستراتيجية وتعظيم دوره في دعم الاقتصاد الوطني وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، بل والاستحواذ على أصول عديدة للدولة.
وبهذه الموافقة البرلمانية يعزز القانون من كون “جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة”، كيان اقتصادي حكومي يشرف على عدد من المشروعات الاستراتيجية للدولة، خاصة في مجالات الزراعة والأمن الغذائي، كما يتولى إدارة بعض الأصول والمشروعات والدخول في شراكات مع القطاع الخاص المحلي والأجنبي.
وبهذا تنتقل تبعية الجهاز من القوات المسلحة إلى رئيس الجمهورية، ومنحه صفة هيئة اقتصادية ذات طبيعة خاصة تتمتع بالاستقلال المالي والإداري والفني.
وستظل الكثير من مواد القانون والأهداف منها، محل حالة من الانزعاج التي أعلنها الكثير من الاقتصاديين والسياسيين، فمن الواضح أن الجهاز بقانونه الجديد سيحل محل بعض من جوانب ومهام أكثر من خمس وزارات، منها الزراعة واستصلاح الأراضي، والري، والبترول والطاقة المتجددة، والتضامن الاجتماعي، والاستثمار.
القانون في هدفه العام هو تقنين نشاط الجهاز مع رقابة عليها، وتوسيع أعماله من خلال تولي أدوار جديدة بديلا عن جهات مختلفة، وهو ما أثار القلق من تصفية وتقزيم دور الدولة ووزاراتها في بعض من اختصاصاتها، بأي شكل من الأشكال، والتخوف من أن نرى مستقبلًا اختفاء هيئات لها خبرات واسعة في إدارة الأمن الغذائي، بخلاف الجهات التي اختفى دورها، وسيختفي ما تبقى من أدوار لها حاليًا.
المؤشرات تلفت إلى أن جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، ستزداد صلاحياته بشكل كبير خلال السنوات القادمة، ومنها أنه سيحل في جزء كبير محل وزارة قطاع الأعمال العام التي تم الغاؤها في أخر تعديل وزاري، بخلاف تمديد دوره في قطاعات تتعلق بموارد مالية للدولة، لتحقيق هدف مرغوب فيه لرفع مساهمته في الناتج المحلي للدولة.
ومن الأمور التي أثارها البعض ومحل قلق التخوف من التوسع في سياسة تقليص وتقزيم دور الدولة ليس من أجل جهاز مستقبل مصر فقط، بل لصندوقين تابعين له، ومن المزمع إطلاقهما قريبًا، أولهما استثماري، والآخر خدمي متوقع أن يظهر ملامحهما عن قريب، في إطار هدف الوصول إلى تحقيق ما تم الاتفاق عليه مع صندوق النقد الدولي بإتاحة مساحة أكبر لمشاركة القطاع الخاص وما هو مثيل له في التنمية، في وقت يرى البعض أنه قد يكون على حساب مؤسسات الدولة.
والتضارب سيظهر مع الوقت، حال استمرار مؤسسات ووزارات في دورها القديم والتاريخي والخبراتي، مع دور الجهاز وما سيستجد من صناديق أخرى، خاصة مع شعار ظاهره جيد، وجوانبه الخفية مقلقة، وهو التوازن بين دور الدولة في حماية الأمن القومي الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، ودور أكبر لمشاركة القطاع الخاص في التنمية.
ومن حق الناس والمتابعين للأحداث أن يبدوا قلقهم من تداخل الصلاحيات والاستثناءات، وتركيز سلطات التخطيط والتشغيل والترخيص والرقابة في كيان واحد، وإعفاء الجهاز من قوانين الإدارة العامة، ومن التعاقدات الحكومية، ومن الحد الأقصى للدخول.
ومن المهم تقديم إجابات شفافة حول تساؤلات تدور حول مدى التزام الحكومة بتعهداتها لصندوق النقد الدولي بتقليص دور الدولة في الاقتصاد لصالح القطاع الخاص، في وقت منح القانون الجهاز صلاحيات واسعة لضم الأصول، وأيضا الالتزام بضوابط في اللائحة التنفيذية للقانون تعزز ما تم إثارته من مخاوف، والنص عليها صراحة في التعديلات بشأن منع تضارب المصالح، وإلزام الجهاز بتقديم تقارير دورية تضمن العلانية والمنافسة العادلة مع القطاع الخاص.
ومن النقاط التي أراحت المتابعين من السياسيين والاقتصاديين تعديل 67 مادة من مواد القانون البالغ عددها 80 مادة، خاصة إلغاء المادة 71 من المشروع قبل إقراره والتي كانت تسمح بتحميل الخزانة العامة الالتزامات المالية المستقبلية للجهاز.
وما أراح البعض من المعارضين للقانون رغم رفضهم للنص النهائي، هو التشديد على الرقابة البرلمانية والمحاسبية، من خلال تعديل نصوص تصب في تقليل الاعتماد المباشر على موازنة الدولة، ورفع التقرير السنوي إلى رئيس مجلس النواب إلى جانب رئيس الجمهورية والحكومة، مع زيادة الدور الرقابي للجهاز المركزي للمحاسبات.
ومما لا شك فيه فإن مواجهة ومحاربة البيروقراطية قضية لا يختلف عليها أحد، ولا يجب أن تقف عند تأسيس جهاز جديد فقط، بل معالجة الخلل، خصوصًا أن من مبررات إقرار قانون جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، هو مبررات وجود أداة حيوية ومرنة لتجاوز البيروقراطية المزمنة، بهدف تحقيق الأمن الغذائي، واستصلاح ملايين الأفدنة، وجذب الاستثمارات المباشرة، وتنظيم استثمار وإدارة الأصول العامة بشكل تنموي أكثر كفاءة، والجزء الأخير الخاص بفكرة إدارة أصول الدولة ما زال يقلق كثيرون.
وصحيح أن المدير التنفيذي لجهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، الدكتور بهاء الغنام، سعى إلى طمأنة المعترضين على القانون، بالتأكيد على أن القانون خطوة جديدة في مسيرة التطوير المؤسسي للدولة المصرية، وتوسيع دور الجهاز وتعاظم مسؤولياته في دعم جهود التنمية الشاملة وبما يتناسب مع متطلبات المرحلة المقبلة.
ولفت إلى أن القانون بتعديلاته يمتلك أحكامًا وصياغات لا تنتقص من الجهود التي بُذلت في إعداد المشروع، عبر ثمرة الحوار البناء وتبادل الرؤى والارتقاء بجودة الصياغة التشريعية مجلس النواب بجهود من جانب الأغلبية والمعارضة، مع قبول الحكومة للتعديلات التي انتهى إليها مجلس النواب.
وصحيح أن الكثير من التعديلات التي جرت على مشروع قانون جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، قبل إقراره مهمة جدًّا جدًّا فيما يتعلق بآليات الرقابة على أنشطته ومختلف أعماله، والانتقال بالجهاز للعمل بشفافية ووضوح، قد تكون قللت من مخاوف البعض، إلا أن قضية تعدد الجهات والازدواجية في المهام لجهات حكومية أخرى، والتخوف من شرعنة الاستثناءات للجهاز، وغيرها ستظل مصدر قلق، إلى أن يرى الجميع التطبيق العملي للقانون على أرض الواقع، وتطمئن كل الأطراف بشأن بقاء الجهات الحكومية تؤدي دورها المنوط بها من سنوات، وتعظيم خبراتها فيها لا سحبها، أو تقزيمها، مع الالتزام بالحوكمة والشفافية في أنشطة الجهاز.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy