في شهر التوعية بسرطان الثدي.. كيف يحدد الأطباء العلاج المناسب لكل مريضة؟
لا يمكن التعامل مع سرطان الثدي باعتباره مرضًا واحدًا له خطة علاج موحدة، فطبيعة الورم ومرحلته وخصائصه البيولوجية، إلى جانب الحالة الصحية للمريضة، كلها عوامل تحدد المسار العلاجي المناسب. ويوضح الدكتور محمد إمام، نائب مدير معهد الأورام القومي، أن اختلاف هذه العوامل يجعل خطة العلاج تختلف بصورة كبيرة من حالة إلى أخرى.
ويشير إلى أن مجرد تشخيص الإصابة بسرطان الثدي لا يعني تلقائيًا ضرورة استئصال الثدي بالكامل، إذ يمكن في حالات عديدة اللجوء إلى جراحة تحفظية يتم خلالها إزالة الورم مع جزء محدود من الأنسجة المحيطة به، مع الإبقاء على باقي الثدي، وغالبًا ما يتبع ذلك العلاج الإشعاعي.
ويعتمد تحديد نوع الجراحة على مجموعة من الاعتبارات، أبرزها حجم الورم مقارنة بحجم الثدي، وموقعه، وعدد البؤر، وطبيعة المرض، فضلًا عن مناقشة البدائل المتاحة مع المريضة. وفي بعض الحالات قد يكون الاستئصال الكامل هو الخيار الأنسب، لكن القرار لا يعتمد على وجود السرطان وحده، وإنما على تقييم متكامل لكل تفاصيل الحالة.
هل تحتاج كل مريضة إلى العلاج الكيماوي؟
العلاج الكيماوي ليس جزءًا إلزاميًا من خطة علاج جميع مريضات سرطان الثدي، وفقًا للدكتور محمد إمام، إذ يرتبط قرار استخدامه بعدة عوامل، منها حجم الورم ودرجة عدوانيته، ومدى إصابة الغدد الليمفاوية، وحالة مستقبلات الهرمونات، وHER2، بالإضافة إلى عمر المريضة ووضعها الصحي العام.
وفي بعض حالات سرطان الثدي المبكر، يمكن الاستعانة باختبارات جينية أو جزيئية للمساعدة في تقدير مدى الاستفادة المتوقعة من العلاج الكيماوي. وقد تتيح هذه الاختبارات تجنب استخدام العلاج عندما لا تكون فائدته واضحة.
ولهذا، فإن تقييم الحالة بعد التشخيص لا يتوقف عند معرفة وجود سرطان الثدي، وإنما يمتد إلى تحديد نوع الورم وخصائصه البيولوجية ومدى استفادته المتوقعة من كل خيار علاجي.
مستقبلات الهرمونات وHER2.. معلومات تحدد مسار العلاج
تمثل معرفة حالة مستقبلات الهرمونات وHER2 خطوة أساسية في فهم طبيعة الورم وتحديد العلاج الملائم. فارتفاع مستويات بروتين HER2 في الخلايا السرطانية يشير إلى وجود هدف جزيئي يمكن استهدافه بعلاجات موجهة، بينما يعني وجود مستقبلات هرمونية، مثل مستقبلات الإستروجين والبروجستيرون، أن الهرمونات قد تساعد على نمو بعض الخلايا السرطانية، وهو ما يجعل العلاج الهرموني جزءًا مهمًا من خطة علاج العديد من الحالات.
ويؤكد الدكتور محمد إمام أن نتائج ER وPR وHER2 ليست مجرد أرقام مدونة في تقرير التحاليل، وإنما تمثل معلومات أساسية يستند إليها الفريق الطبي في تحديد العلاج الأنسب للمريضة.
وجود السرطان في الغدد الليمفاوية.. هل يعني انتشاره في الجسم؟
إصابة الغدد الليمفاوية القريبة من الثدي، مثل الغدد الموجودة في منطقة الإبط، لا تعني بالضرورة أن السرطان انتقل إلى أعضاء بعيدة في الجسم.
ويوضح نائب مدير معهد الأورام القومي أن انتقال الخلايا السرطانية إلى الغدد الليمفاوية الإقليمية يختلف عن وجود نقائل في أعضاء بعيدة، مثل الكبد أو الرئة أو العظام. ومع ذلك، تظل إصابة الغدد معلومة مهمة في تحديد مرحلة المرض وتقدير درجة الخطورة واختيار الخطة العلاجية.
متى يكون العلاج الموجه مناسبًا؟
لا يُستخدم العلاج الموجه لمجرد تشخيص سرطان الثدي، وإنما عندما تكشف تحاليل الورم عن هدف جزيئي محدد يمكن استهدافه بدواء مناسب.
ويأتي سرطان الثدي الإيجابي لـHER2 ضمن أبرز الأمثلة على ذلك، إذ تتوافر علاجات موجهة تستهدف بروتين HER2، بينما تعتمد بعض العلاجات الموجهة الأخرى على وجود تغيرات جزيئية محددة داخل الورم.
ومن هنا، أصبح تحليل الخصائص البيولوجية والجزيئية للسرطان عنصرًا أساسيًا في مفهوم الطب الدقيق؛ فاختيار العلاج لم يعد يعتمد فقط على مكان الورم، وإنما على خصائصه أيضًا.
لا توجد قاعدة واحدة تحدد ما إذا كانت المريضة ستتلقى العلاج قبل الجراحة أو بعدها، بحسب الدكتور محمد إمام. فقد يكون العلاج قبل الجراحة، المعروف بالعلاج التمهيدي، مناسبًا في بعض الحالات، خاصة عندما يكون حجم الورم كبيرًا أو عندما يرغب الفريق الطبي في معرفة مدى استجابته للعلاج قبل إجراء التدخل الجراحي.
وفي بعض أنواع سرطان الثدي، ومنها العديد من حالات السرطان الإيجابي لـHER2 وبعض حالات السرطان الثلاثي السلبي، قد يشكل العلاج قبل الجراحة جزءًا مهمًا من الخطة العلاجية.
أما العلاج الذي يُعطى بعد الجراحة، فيستهدف تقليل احتمالية عودة المرض من خلال التعامل مع أي خلايا سرطانية مجهرية قد تكون لا تزال موجودة في الجسم.
وبالتالي، لا يتعلق الاختيار بالمفاضلة المجردة بين العلاج قبل الجراحة وبعدها، وإنما بتحديد التوقيت الذي يحقق الهدف العلاجي الأنسب لكل مريضة وفق خصائص ورمها وحالتها.
قد تحمل مريضتان تشخيص سرطان الثدي نفسه، بل وقد يكون لديهما ورمان بالحجم ذاته، ومع ذلك تختلف الخطة العلاجية بينهما. ويرجع ذلك إلى اختلاف عوامل مثل مستقبلات الهرمونات، وحالة HER2، ودرجة الورم، ووضع الغدد الليمفاوية والخصائص الجزيئية، إلى جانب العمر والحالة الصحية العامة لكل مريضة.
كما يختلف الهدف من العلاج نفسه؛ فقد يكون المطلوب تصغير الورم قبل الجراحة، أو الحفاظ على الثدي، أو خفض خطر عودة المرض بعد الجراحة، أو السيطرة على المرض في الحالات المنتشرة.
ولهذا يتجه علاج سرطان الثدي بصورة متزايدة نحو مفهوم العلاج الشخصي للسرطان (Personalized Cancer Care)، الذي يقوم على تصميم الخطة العلاجية وفق خصائص الورم والمريضة معًا، بدلًا من الاعتماد على تشخيص عام لا يعكس جميع تفاصيل الحالة.

التعليقات متوقفه