«تكافل وكرامة» كان البداية.. فاطمة عيد تتحول من مستفيدة إلى مشرفة بمصنع الغزل والنسيج في الفيوم

لم تكن تتخيل أن تتحول رحلتها مع برنامج «تكافل وكرامة» من مجرد مساعدة شهرية تحصل عليها لتلبية احتياجات أسرتها، إلى فرصة عمل تفتح أمامها طريقًا جديدًا للاستقلال المادي واكتساب المهارات. فقبل سنوات، كانت فاطمة عيد تحصل على 700 جنيه شهريًا من الدعم النقدي، أما اليوم، فأصبحت مشرفة في مصنع الغزل والنسيج بمنطقة العزب بمحافظة الفيوم، وتتقاضى راتبًا يصل إلى 7 آلاف جنيه، بعد رحلة بدأت من دون أي خبرة في الخياطة أو تشغيل الماكينات.

فاطمة، وهي أم لثلاثة أبناء تتراوح أعمارهم بين 8 و18 عامًا، تعمل بالمصنع منذ ثلاث سنوات، لكنها بدأت رحلتها مع برنامج «تكافل وكرامة» قبل نحو 11 عامًا، إلى أن جاءتها فرصة غيرت مسار حياتها، عندما تواصلت معها منسقات العمل وأخبرنها بتوافر فرص لتشغيل السيدات المستفيدات من البرنامج داخل المصنع.

تقول فاطمة إن انضمامها إلى المشروع كان بمثابة بداية جديدة، إذ التحقت بأول دفعة من العاملات، التي ضمت نحو 30 إلى 40 سيدة، ولم تكن أي منهن تقريبًا تمتلك خبرة سابقة في الخياطة أو التعامل مع ماكينات الإنتاج، لكنهن حصلن على التدريب اللازم وتعلمن المهنة من الصفر.

وتضيف أنها لم تكن تتوقع أن تصل إلى ما هي عليه الآن، فقد بدأت عاملة تتعلم أبجديات الخياطة، ثم اكتسبت تدريجيًا مهارات تشغيل مختلف الماكينات، حتى أصبحت قادرة على تنفيذ قطعة ملابس كاملة من الألف إلى الياء، وإعداد العينات التي تعتمد عليها خطوط الإنتاج، قبل أن تتولى مسؤولية الإشراف وتقييم المتقدمات للعمل، وتحديد احتياجاتهن التدريبية.

وتشير إلى أن الأستاذة  عبير والأستاذة رشا كان لهما دور مهم في هذه الرحلة، من خلال صبرهما على العاملات ومساندتهن خلال مراحل التعلم، ومساعدتهن على تجاوز الأخطاء الأولى حتى اكتساب الخبرة والثقة بالنفس.

لم يكن التطور المهني وحده هو التغيير الأهم في حياة فاطمة، بل امتد أثره إلى منزلها وقدرتها على تلبية احتياجات أبنائها. فبعدما كان دخلها يقتصر على 700 جنيه شهريًا من برنامج «تكافل وكرامة»، أصبح راتبها يصل إلى 7 آلاف جنيه، بما منحها قدرة أكبر على توفير مستلزمات أبنائها التعليمية والدروس، دون الاضطرار إلى تأجيل طلباتهم بسبب ضيق الإمكانات.

وتوضح أن زوجها يعمل في تجارة الأخشاب، ويعتمد دخله على البيع يومًا بيوم، وهو ما جعل راتبها يمثل مصدر دخل ثابتًا للأسرة، ويساعدها على مواجهة المصروفات والالتزامات اليومية بصورة أكثر استقرارًا.

وتلفت إلى أن الدعم النقدي استمر معها خلال بداية التحاقها بالعمل، قبل أن يتوقف لاحقًا، موضحة أن أوضاع العاملات اختلفت في هذا الشأن؛ إذ توقف الدعم لدى بعضهن بعد فترة من العمل، بينما استمر مع أخريات.

كما تفاوتت أجور العاملات مع تطور المشروع، فحصلت بعضهن على زيادات تجاوزت الحد الأدنى للأجور، في حين تتقاضى أخريات الحد الأدنى، بحسب طبيعة العمل والتطور الذي حققته كل عاملة.

وتؤكد فاطمة أن ما يميز تجربتها أن المشروع لم يقتصر على توفير فرص العمل والتدريب، بل اهتم أيضًا بالجوانب الاجتماعية والإنسانية للعاملات، من خلال تنظيم ندوات توعوية تتناول الصحة، وإطفاء الحرائق، وكيفية التعامل مع المواقف الطارئة داخل المنزل، إلى جانب تقديم الدعم النفسي والمساعدة في حل المشكلات الأسرية.

كما راعى المصنع ظروف الأمهات العاملات، من خلال توفير حضانة للأطفال تقدم لهم الرعاية والتعليم، فضلًا عن تخصيص ساعة للرضاعة، وهي مزايا ساعدت الأمهات على التوفيق بين مسؤوليات العمل ورعاية أبنائهن. وتوضح فاطمة أن ابنتها استفادت من خدمات الحضانة قبل انتقالها إلى المدرسة.

وتشير إلى أن المصنع يوفر كذلك وسائل انتقال للعاملات على نفقته، دون خصم تكلفتها من الرواتب، إلى جانب خدمات طبية تشمل الكشف والتحاليل وتخصصات العظام والأسنان والعيون، فضلًا عن توفير العلاج، مقابل 10 جنيهات للكشف، مع وجود أطباء يترددون على المصنع على مدار أيام الأسبوع.

وتستعيد فاطمة بدايات المشروع، قائلة إنه انطلق بصالة إنتاج واحدة ضمت نحو 30 سيدة، قبل أن يتوسع ليصل إلى 12 صالة تعمل حاليًا، فيما بلغ عدد العاملات، وفقًا لما تعرفه، نحو 8 أو 9 آلاف، مع امتداد نشاط الإنتاج إلى التصدير.

وترى أن هذا التطور منحها دافعًا أكبر لمواصلة التعلم والتقدم، خاصة أنها انتقلت من مرحلة تلقي التدريب إلى المشاركة في تقييم السيدات الراغبات في الالتحاق بالمصنع، وتحديد ما إذا كن يمتلكن المهارات اللازمة للبدء في صالات الإنتاج أو يحتجن إلى فترة تدريب.

وتوجه فاطمة رسالة إلى السيدات اللاتي تتاح لهن فرص عمل، بألا يترددن في قبولها خوفًا من عدم امتلاك الخبرة، مؤكدة أن تجربتها دليل على أن التعلم والممارسة قادران على إحداث تغيير حقيقي، حتى لو كانت البداية من الصفر.

وتقول إنها لو عادت بها السنوات إلى الوراء، لما ترددت في الالتحاق بالمشروع منذ انطلاقه، لما أتاحه لها من فرصة حقيقية للتعلم والعمل وتحسين مستوى معيشة أسرتها، إلى جانب اكتشاف قدرات لم تكن تعرف أنها تمتلكها.

وتختتم فاطمة حديثها بالتعبير عن امتنانها لمؤسسة النداء، والأستاذة عبير والأستاذة رشا، وجميع القائمين على المشروع، مؤكدة أن دعمهم لم يتوقف عند حدود التدريب وتوفير فرص العمل، بل امتد إلى مساندتهن نفسيًا وإنسانيًا، والاهتمام بمشكلاتهن الأسرية، وتحمل أخطائهن خلال مرحلة التعلم.

وبينما تحلم فاطمة بمواصلة التطور والوصول إلى مكانة مهنية أكبر، يبقى حلمها الأهم أن ترى أبناءها في مستقبل أفضل؛ فبالنسبة إليها، لم تكن الوظيفة مجرد انتقال من دخل محدود إلى راتب أعلى، بل كانت فرصة لاستعادة الثقة بالنفس، والشعور بالقدرة على صناعة مستقبل مختلف لأسرتها.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy