صفحة من تاريخ مصر (2): أحمد لطفي السيد.. لغز ديمقراطية الأعيان

251

 

ومصر التي قال كرومر انها تذوب شوقا إلي الثورة، كانت تتطلع منذ مطلع القرن العشرين إلي قائد لها.. وكانت مواصفات الزعيم المطلوب شديدة التعقيد. والتحرك الذي ينشده المصريون يمتلئ بأشواك الحذر بعد هزيمة الثورة العرابية القاسية، والاعيان إذ كانوا يتململون من هيمنة الاحتلال إلا أنهم كانوا يخشون الاندفاع الثوري للجماهير ذلك الاندفاع الذي قاد الثوار العربيين إلي تصادم غير محسوب مع الخديوي وانتهي الامر باحتلال بريطانيا لمصر. وإلي تصادم عنيف جدا مع كبار الملاك العقاريين ظلوا يرتجفون من هوله امدا طويلا. ثم أن الجماهير فلاحيه بالاساس والزعامات التي يقدمها حزب الامة كانت من كبار الاعيان وبعضها تركي الاصل، وهكذا امتنعت امكانيات الانسجام وان كان ابناء الاعيان المصريين افضل حالا في هذا الصدد مثل (أحمد لطفي السيد- محمد حسين هيكل- مصطفي وعلي عبد الرازق).

وهكذا تولدت بذور تناقض بين حركة جماهيرية ضعيفة وفئاتها الوسطي الممثلة في الحزب الوطني يتنازعها ضعف الرأي العام مع انقسام في صفوفها بين الموالين للعثمانيين بزعامة الشيخ جاويش صاحب شعاري “لا وطنية في الاسلام” و”اضاعة الخلافة اضاعة للذات” وبين سعي للاستقواء بفرنسا التي خذلتهم وبالخلافة التي حاولت الهيمنة عليهم كأتباع للخليفة حامي حمي الاسلام والمثقفون موزعون بين الازهر حيث اغلبهم جامدون بما دفع احد كبار رجالهم وهو  الشيخ محمد عبده إلي قوله .. شعرا

ولكن دين اردت صلاحه، احاذر أن تقضي عليه العمائم وشيخ آخر من كبار مفكريه هو الشيخ الصعيدي إلي قوله

الجامع الأزهر ابتلاه رب له العز والوجود

بكل قحف وجلف عليك بالبشر لا يجود

صلوا وصاموا والليل قاموا والقلب عن كل ذا بعيد

اما المثقفون من خريجي التعليم المدني فاعضاء الحزب الوطني منهم أمرهم الحزب الا يتوظفوا فيكونوا في خدمة الاحتلال فهاجر كثيرون منهم إلي الخارج، وكانت اولوية التوظف للاجانب ثم المسيحيين الشوام وفي ذيل القائمة المصريون.. وفي وضع كهذا كانت مصر مؤهلة لتلقف اي زعيم جديد. وهكذا تحددت ملامح الزعيم المطلوب والمقبول من اللورد كرومر.

  • مصري صميم لكنه علي علاقة ما بالعائلات التركية العريقة أو علي الاقل مقبول منها.
  • يرفض الاحتلال بترفع وظيفي لكن الاحتلال يفضله علي غيره من المتشددين ومن المكروهين من جانب الجماهير المصرية.
  • ابن فلاح له مكانه في صفوف الاعيان.
  • أزهري الانتماء، علماني المعرفة.
  • إنها اوصاف تكاد أن تكون لصيقة بسعد زغلول، وتقول عفاف لطفي السيد “بعد دنشواي كان لابد من تغيير فكان تعيين سعد زغلول وزيرا للمعارف وربما كان سعد زغلول هو المصري الوحيد الحائز علي اعجاب كرومر”(عفاف لطفي السيد- مصر وكرومر- بالانجليزية- ص 176).

ويضيف عبد الخالق لاشين سببا اخر وهو عداء سعد للخديوي (لاشين- سعد زغلول- ص46).

ويأتي سعد زغلول منافسا قويا جدا لأحمد لطفي السيد..

والآن.. كيف ومن اين أتي اللورد كرومر بالمنافس البديل لاحمد لطفي السيد وجماعته؟ ولماذا؟

أعتقد ان كرومر كان يرتب امور الامبراطورية الاستعمارية لبريطانيا علي اساس أن احتلالها لمصر سيستمر طويلا وربما طويلا جدا كالهند مثلا. ولعله من الضروري أن نتأمل عملية صناعة البديل. الاب مالك متوسط ولازم الاقامة في القرية ولم يغادرها، ولهذا فهو في نظر السادة الاعيان مجرد فلاح لكنه في نظر فلاحي القرية عين من الاعيان فهو اغني اغنياء القرية ويملك اكثر من مائتي فدان وبيتا فسيحا به مندره تتسع لاكثر من مائة ضيف وكان يتحدي الاتراك بأبهة فكان يمشي في ركب من العبيد” (عباس العقاد- سعد زغلول – سيرة وتحية – ص49) والمناخ العام في الاسرة ديني كما تدل عليه اسماء الابناء الثلاثة سعد الله- فتح الله- فرج الله. وفي عام 1879 يأتي سعد إلي القاهرة في ذات عام وصول الافغاني فتتلمذ علي يديه وتعرف علي الشيخ محمد عبده الذي اعجبه. وكان رياض باشا رئيس الوزراء يساند بقدر ما حركة التنوير فكلف محمد عبده برئاسة تحرير جريدة الوقائع المصرية  وفي 5 اكتوبر 1880 يقوم بتعيين سعد محررا بالقسم الادبي بمرتب شهري 8 جنيهات. وكنموذج نقرأ فقرة مما كتبه سعد في الوقائع المصرية “المستبد عرفا هو من يفعل ما يشاء غير مسئول، ويحكم بما يرسم به هواه وافق الشرع أم خالفه” (الوقائع – مجموعة 1881) ويخلع سعد العمامة ويلبس لباس الافندية ويشارك في الثورة وفق منطق استاذه محمد عبده وبعدها يقبض عليه متهما بتأسيس جمعية سرية اسمها الانتقام. ويعمل بمهنة “غلباوي” وهو الاسم الشعبي للمحامي ثم وعبر الحاضنة التي باركها كرومر واسهم في صناعتها وهي صالون الاميرة نازلي يصعد سعد كالصاروخ الذي يعرف هدفه وهو الزعامة. وهناك يتأهل واحدا من النخبة الصاعدة فيتزوج بترشيح من نازلي ابنة مصطفي فهمي باشا رئيس الوزراء الدائم فيصبح وقد تطعم بالنكهة التركية . وتكتب التيمس اللندنية عام 1906 إن سعدا من شيعة الشيخ محمد عبده الذين امتازوا بالارتقاء والذين اسماهم كرومر بفريق الجيروند”. وبدفعه حاسمة يتحول المحامي إلي قاض في أول بادرة من نوعها. ودفعته نازلي إلي أن يدرس اللغة الفرنسية. وبعد دنشواي وفي محاولة لتهدئة المصريين اصبح سعد وزيرا للمعارف. وفي انتخابات الجمعية التشريعية ترشح في دائرتين بالقاهرة وفاز فيهما معا فوزا ساحقا وكان برنامجه يطالب بإصلاح النظام القضائي- توسيع نطاق التعليم – حرية الصحافة. وترشح وكيلا للجمعية التشريعية فنال 65 صوتا وستة مرشحين منافسين نالوا مجتمعين 15 صوتا .. وفي 1919 اصبح سعد زعيما مرموقا للثورة. ويقف سعد في مواجهة احمد لطفي السيد متناقضين دوما وفي كل مرة يكون سعد قادرا علي الفوز بتأييد الجماهير حتي ولو كان مخطئا. فعندما ثارت الجماهير وخاصة الازهريين ضد كتاب طه حسين في الشعر الجاهلي سانده لطفي السيد وزمرته، أما سعد فقد خاطب المتظاهرين متهما طه حسين “هبوه مجنونا يهرف القول” ومع كتاب الشيخ علي عبد الرازق “الإسلام واصول الحكم” ايده لطفي وهاجمه سعد .. ومع ذلك كان الشعبوي سعد زغلول هو الفائز..وقبلها وعندما اقترح ملنر أن يتفاوض مع السلطان فؤاد نيابة عن المصريين كان عدلي يكن ومعه لطفي وجماعته مؤيدين لذلك فأسماهم سعد عبيد السلطان.. وسارت مظاهرات جماهيرية عاصفة تهتف “خرابا خرابا ديار العدليين. لكن كرومر لم يحسن الاختيار بالنسبة للانجليز فسرعان ما اصبح سعدا عدوا للاحتلال وقائدا للاستقلال حتي ولو كان منقوصا. وبهذا نأتي إلي الاقتراب من ساحة احمد لطفي السيد”.

 

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy